الأصابع الأمريكية الصهيونية تعبث في لبنان

الدكتور غالب الفريجات - الأردن

منذ أن تهاوت نظرية الاحتلال الامبريالي الأمريكي في العراق قانونياً وخلقياً وعسكرياً وسياسياً، والإدارة الأمريكية تتخبط في أدائها السياسي والأمني في المنطقة، مع ازدياد شعوب المنطقة لاحتقار هذا الأداء، وحاولت إدارة اليمينيين المسيحيين تجريب كل أسلحة العهر السياسي، ولكنها في كل مرة تصطدم بصلابة الموقف الشعبي العربي، على الرغم من انبطاحية النظام العربي الرسمي أمام تعليماتها وأوامرها.

تريد الإدارة الأمريكية تصدير أزمتها في العراق خارج حدود الصراع المباشر مع الشعب العراقي، فوجدت ضالتها في استهداف سوريا من خلال الساحة اللبنانية الهشة، خاصة وأن العهر السياسي في لبنان يمثله أكثر من طرف في الممارسة السياسية الطائفية، واستهوت الإدارة الأمريكية اللعبة مع أطراف لبنانية، تجيد ممارسة التحالفات المشبوهة على حساب لبنان والمنطقة، والتي تصب في الخندق الصهيوني، وهي من تلاوين متعددة كلون قوس قزح.

اغتيال الرئيس الحريري لم يكن هو الاغتيال السياسي الوحيد في الحياة السياسية اللبنانية، ولكنه اخذ طابعا غير معهود وغير مسبوق، ليس لأن الحريري حالة مميزة عن الذين تم اغتيالهم في التاريخ اللبناني السياسي، مثل كمال جنبلاط على سبيل المثال، ولكن لأن الأصابع الأمريكية والصهيونية، تريد من اغتيال الحريري قميص عثمان، تهدف من وراء ذلك العبث في لبنان للوصول إلى سوريا، لتلهي نفسها وشعبها أمام حالة الفشل الذريع في العراق، وقد تجد عزاها في لبنان بعد أن فشلت في العراق، ووصلت أيدي المقاومة العراقية حد النحر، الذي يؤكد أن الهزيمة المنكرة أصبحت قاب قوسين أو أدنى، رغم كل محاولات التغطية في الممارسات الأمريكية.

الساحة اللبنانية الهشة التي كانت مرتعا لكل مخابرات النظام العربي الرسمي، يتم تطويبها لأزلام المخابرات الأمريكية والصهيونية، وقد كان الوجود السوري بكثافته العسكرية والأمنية يحصي أي تواجد استخباراتي عربي أو أجنبي، لأن الأمر كان يعنيه كثيرا، وبعد إخراج سوريا من لبنان وتحت تهديدات أمريكية من خلال مجلس الأمن، أخذت المخابرات الأمريكية والصهيونية والمتعاونة معها على الساحة اللبنانية، تمارس الدور الأمريكي الصهيوني، بما تسميه الفوضى المنظمة، من خلال خلط الأوراق، والاتجاه باللعبة بما يخدم كل شيء، باستثناء الأمن الوطني اللبناني أو الأمن القومي العربي باتجاه سوريا، وقد ساعدها في ذلك أزلام الطوائف المتنافخين بأردية الحرية والديمقراطية الأمريكية المزيفة.

مسلسل الاغتيالات الذي غزى الساحة اللبنانية بعد اغتيال الحريري، لا يستهدف إلا أعداء سوريا والذين يجاهرون بعداوتهم لها، من أجل سهولة اتهام سوريا، ومن أجل تعزيز فك الارتباط ما بين سوريا ولبنان، ولسهولة تقبل التعامل مع الكيان الصهيوني لا حقا، من خلال دفع اللبنانيين إلى الحضن الصهيوني، بدعاوي حمايتهم من حرب أهلية وإنقاذهم من مسلسل الاغتيالات، وإذا كانت الشقيقة الكبرى تريد تدمير الوطن على رؤوسهم فأنهم يبررون حماية أنفسهم ووطنهم، ومن هنا كانت دوما تأتي سرعة اتهام سوريا بعد كل حادث اغتيال، وكأن الأمر مدبر فقط من وراء الاغتيال إلا إصدار وثيقة اتهام وإدانة إلى سوريا، وكعادة ممارسات النظام العربي الرسمي، إن المواطن متهم ما لم يثبت براءته، بدلا من أن المتهم بريء ما لم تثبت إدانته، إذ كيف يتم اتهام سوريا وما زالت أشلاء ضحية الاغتيال في غرفة الموتى، وبدون أن يتحرك أي فريق أياً كان في معاينة حتى ساحة الجريمة.

مع صدور "تقرير ميليس" ومناقشته في مجلس الأمن، وانشغال سوريا بلملمة أوراقها للدفاع عن نفسها في الاتهامات التي ترد في التقرير، يأتي اغتيال النائب جبران تويني بعد يوم واحد من عودته من باريس، وهو من اشد أعداء سوريا، وممن بنى مجدا على حساب عدائه لسوريا.

لا أحد يقر على الإطلاق ممارسة الاغتيالات في العمل السياسي، وأياً كانت الخلافات، فأن الرأي والرأي الآخر لا بد وأن يسود، إلا في حالة الخيانة الوطنية، التي لا يجوز تسميتها بالرأي الآخر كالحالة العراقية، والساحة اللبنانية تعج بالآراء السياسية المتناقضة والمتعارضة، وما لم يدخل في باب الخيانة الوطنية فيجب أن يحترم، على الرغم من عدم توافقنا معه، والذين تم اغتيالهم كالمرحوم سمير قصير، وجورج حاوي، وجبران تويني، وغيرهم، هم من أصحاب الرأي الذي يجب احترامه أياً كانت الخلافات السياسية معه.

من المستفيد من مسلسل الاغتيالات في لبنان؟، وهل يعقل أن تكون سوريا وراء هذه السياسة الرعناء؟، وهي تواجه تهمة أمريكية تحركها الأصابع الصهيونية، إلى جانب الحقد الأمريكي لتبرير فشلها في العراق، من يعتقد أن لسوريا يد في ذلك؟، يظن أن السوريين أغبياء بما فيه الكفاية، ومن يظن أن هناك أطرافاً من داخل النظام تتحرك بدون معرفة رأس النظام؟، لتوريط سوريا وسهولة الإجهاز على النظام فهو واهم، لأن النظام السوري يتمتع بالذكاء أياً كانت الاختلافات السياسية معه، وأن النظام السوري فيه من الضبط الأمني الداخلي لا يسمح لأي لاعب أن يقوم بدور خارج إطار دائرة النظام.

النظام السوري برأيي من مسلسل الاغتيالات، لأنه لا يحقق أي مصلحة من وراء ذلك، ولأنه مستهدف وفي دائرة الاتهام، وأن أي محاولة لاتهام سوريا، تعني التغطية على الفاعل الحقيقي وراء الاغتيالات، وهو الكيان الصهيوني والمخابرات الأمريكية، لأن تخريب الساحة اللبنانية لا تعود على احد بالفائدة، إلا الأمريكان والصهاينة والأطراف اللبنانية الانعزالية، التي تريد سلخ لبنان عن جغرافيته السياسية، وما عدا ذلك هو جعجعة سياسية لبنانية تعودنا عليها منذ زمن طويل، لأن لبنان ساحة صراع سياسي لكل من هب ودب، ولكن الساحة اللبنانية اليوم أصبحت تحت هيمنة لاعبي "الموساد" والمخابرات الأمريكية المركزية، وكل الأصوات اللبنانية الناعقة تصب في طاحونة استهداف لبنان وسوريا لصالح المشروع الأمريكي الصهيوني.

اللعبة في لبنان لن تنتهي، ومسلسل الاغتيالات لن يتوقف، واتهام سوريا سيبقى الصوت العالي، حتى يتم حسم المعركة على ارض العراق، وقد بدأت تباشير هذا الحسم واضحة، في البحث عن مبررات الهروب الأمريكي، وعندها لن يكون في مقدور الأمريكان أن يمارسوا لعبة الاغتيالات، التي أبدعت فيها المخابرات الأمريكية في الخارج، ولن يكون في مقدور الموساد الصهيوني أن يلتفت إلى الخارج، وهو يرى الجدار الأمريكي الذي يستند عليه يتهاوى، لأنه سيفكر بحماية تماسكه من الداخل، خوفا من أن تدب عدوى الانهيار الأمريكي إلى قلب مشروعه الامبريالي الاستعماري، وعندها أيضا سيكتشف لبنان أن الذين يجعجعون كثيرا بعد كل عملية اغتيال، ليسوا بعيدين عن دائرة الاستقطاب الأمريكي الصهيوني.

حمى الله لبنان ورحم الله كل شهدائه، أيا كانت مواقفهم السياسية، لأن الخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية.