بوش على خطى غورباشوف
الدكتور غالب الفريجات/الأردن
يشهد للسيد غورباشوف دوره المحوري في تفكيك الاتحاد السوفييتي سابقا، وتدميره كقوة عظمى تواجه القوة العظمى الأمريكية، وقد قيل الكثير في نوازع واتجاهات الرفيق غورباشوف، إلى حد وصفه بالعميل الأمريكي الذي زرعته الولايات المتحدة داخل صفوف الحزب الشيوعي منذ فترة طويلة، ومساعدته حتى الوصول إلى موقع الرجل الأول في الحزب كأمين سر اللجنة المركزية، لأن انهيار الاتحاد السوفييتي ومنظومة الدول الاشتراكية لم يستفد منها إلا الولايات المتحدة الأمريكية، وقد انعكس هذا الانهيار سلبا على مجمل دول العالم بالإضافة ما آل إليه وضع روسيا تحديدا.
لا شك أن انهيار الاتحاد السوفييتي لم يكن ليتم على يدي عورباشوف لولا الوضع السياسي والاقتصادي، الذي اخذ ينخر جسد الدولة والحزب، مما سهل مهمة غورباشوف، تحت شعارات الإصلاح إلى تم تفكيك الحزب والدولة، وقد بدى ذلك واضحا من مجموعة القيادات المحنطة، التي تولت القيادة بعد خروشوف، والتي عجزت عن الحراك السياسي والنمو الاقتصادي، والتطور على صعيد بلورة الفكر الاشتراكي، وانتشاله من حالة الجمود التي إصابته، والأمراض التي نخرت عضده، وعلى وجه التحديد بعد وفاة لينين.
جاء سقوط الاتحاد السوفييتي مدويا، وقد أصاب الكثيرون في العالم وعلى وجه التحديد دول العالم الثالث بالصدمة، لان الاتحاد السوفييتي كان يشكل في كثير من الحالات سياجا لهذه الدول من التغول الامبريالي الأمريكي، حتى وإن تبين بعد السقوط أن هذه القوة كانت نمرا من ورق، وفي كل الأحوال فأن السقوط كان مربكا ومخيفا، ولم يكن في صالح البشرية عموما، لأن "العالم الثالث" يطمح إلى عالم متعدد الأقطاب، حتى تسهل حركته وقدرته على المناورة في وجه عتاة الامبريالية والصهيونية أعداء الإنسانية.
لم تكن طبيعة النظام الامبريالي الأمريكي تسمح في أن يحكم العالم بأي حد من الاحترام الإنساني، بعد أن دانت له القوة في الساحة الدولية، بالإضافة إلى طبيعته الامبريالية، هناك تحالفه الوطيد مع الصهيونية العالمية، ولهذا فأن الامبريالية الأمريكية والتي جاءتها فرصة الهيمنة على العالم، لم يكن في مقدورها إدارة دفة قيادة العالم لطبيعتها الامبريالية وتحالفها الصهيوني، إلى جانب الخلل البنيوي في تركيبة النظام في هرم السلطة في الإدارة الأمريكية، ولا يظنن أحد أن الاتحاد السوفييتي وحده كان مصابا بداء التكلس في إفراز قياداته بعد مرحلة خروشوف، بل أن الولايات المتحدة بعد حرب فيتنام وسقوط نيكسون لم تتمكن من إفراز قيادات ذات شأن دولي، حتى وإن أشاد البعض بفترتي ولاية ريغن، لأن هذا الأخير كان أسير نانسي زوجته التي كانت تعبد السحر والشعوذة، إلى جانب ما أصاب ولايته الثانية من فضائح مثل "ايران جيت"، ثم كلينتون وممارساته الجنسية داخل قبة البيت الأبيض، وبوش الأب وتجارة النفط، حتى بوش الابن الذي كان آخر من فكر به عتاة الفكر المسيحي الصهيوني، والذي يؤكد على غباء سياسي منقطع النظير.
جاء بوش إلى السلطة وهو خالي الوفاض من الثقافة والسياسة، وحوله مجموعة من عتاة الفكر اليميني، الذين يؤمنون بأن العصر الإمبراطوري الأمريكي قد بدأ، ولا بد للعالم أن يخضع للهيمنة العسكرية الأمريكية، فجاءت شعارات "الحرب على الإرهاب " بعد أحداث أيلول (سبتمبر)، والتي يشير الكثيرون أنها صناعة المخابرات الأمريكية أكثر منها بصناعة أيدي ابن لادن، ليتم في ضوئها خلق المبررات لنظرية الحرب على الإرهاب، والحروب الاستباقية وأسلحة الدمار الشامل و"محور الشر" إلى آخر معزوفة العدوان الامبريالي الصهيوني، التي تقذف بها في وجه العالم، فكانت النتيجة عسكرة المجتمع الأمريكي قياسا لما كانت عليه الحال قبل ولاية بوش، وغزو أفغانستان وغزو العراق، وانتشار القواعد العسكرية الأمريكية في أكثر من مئة دولة في العالم، وارتفاع كلفة فاتورة العسكرتاريا الأمريكية، وجاءت الحرب على العراق بازدياد العجز في الموازنة مع ارتفاع فاتورة الحرب ماديا وبشريا، والفشل الأمريكي سياسيا وعسكريا في حرب العراق بعد أن اتضحت أكاذيب كل مبررات الحرب المزعومة.
استطاع بوش أن يحقق للولايات المتحدة الأمريكية أكبر نجاح، في أن جعل منها الدولة الأكثر كرها في العالم إلى جانب الكيان الصهيوني، وأنهما عقبة في طريق السلم والأمن العالمي، ولأن الغطرسة الأمريكية قد قادت السياسة الأمريكية، التي تعاني من فقر في الذكاء في فهم طبيعة الشعوب العالمية وحركتها، إلى أن تغرق في وحل أزمة خانقة في رمال الصحراء العراقية، بسبب طبيعة المقاومة الوطنية العراقية، التي صممت على هزيمة المشروع الامبريالي الأمريكي ليس في العراق فحسب، بل في الوطن العربي، والذي سيكون وبالا على الأوهام الإمبراطورية الأمريكية في العالم.
الإدارة الأمريكية بقيادة بوش ستؤدي بأمريكا كما أودت قيادة غورباشوف في انهيار الاتحاد السوفييتي، لأن الطبيعة الامبريالية وأهدافها لن يكتب لها النجاح بسبب مقاومة شعوب العالم، ولأن الشعب الأمريكي ليس حريصا على أن يجعل من أبنائه وحياته وقودا لنار تشعلها القيادات الهزيلة في سبيل تحقيق أحلامها المريضة، ولأن العالم لا يقبل في الانقياد وراء قيادات هزيلة سياسيا وفكريا وأخلاقيا، كما هي قيادة بوش وفريق إدارته، ولأن العراقيين قد أكدوا للعالم أن أحدا لن يدنس وطنهم أياً كانت قوته وجبروته.
بوش أراد بحزمة من الأكاذيب أن يخدع الشعب الأمريكي وشعوب العالم وعندما اكتشف الأمريكيون والعالم مستوى الكذب في ادعاءاته، أخذوا يسحبون البساط الدولي، الذي افترشه ليدشن به اعتلاءه عرش إدارة قيادة العالم، وإذا بالعالم والشعب الأمريكي له بالمرصاد، فهاهي استطلاعات الرأي العام في أمريكا تعطيه نسبة متدنية، وإذا بأعضاء حزبه ينأون بأنفسهم عنه في الانتخابات النصفية لعضوية الكونغرس، وإذا بعساكره يدبون الصوت، أن انقدونا من العراق قبل الهزيمة المحتومة، وإذا بأعضاء في الكونغرس تطالب الإدارة بوضع جدول زمني للانسحاب، وإذا بوزيرة خارجيته تصرح بات الأمر قريبا لتوفر فرص الانسحاب من العراق.
هزيمة بوش في العراق هزيمة لمشروع ما يسمى بـ"مشروع الشرق الاوسط"، الذي من خلاله سيفتح نار جهنم على الوطن العربي والعالم، بحيث يتم إعادة تجزئة الوطن العربي إلى كانتونات، لتبقى الهيمنة والسيادة للكيان الصهيوني، والتحكم في مصدر الطاقة الدولية من اجل السيطرة على القرار العالمي للدول الصناعية، مما يعني أن هزيمة المشروع الأمريكي في العراق تفكيك العلاقة الاستراتيجية فيما بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، وفشل أمريكا من قدرة السيطرة على القرار العالمي للدول الصناعية، وعودة أمريكا لتلعب دورها على ساحتها الجغرافية فقط، دون أن يكون في مقدورها تحقيق أية أحلام إمبراطورية امبريالية.
في حالة اقتصار الدور الأمريكي على محيط الدائرة الأمريكية، كما هو دور روسيا الآن، فأن بوش قد حقق للولايات المتحدة ما حققه غوربشوف للاتحاد السوفييتي، من أن جعل هذا الأخير يمارس دوره في حدوده الجغرافية، وكل واحد منهما سيتساوى مع الآخر، في أن أراحا العالم واستراحا في مزبلة التاريخ، وهنيئا لهما على ما قدماه للبشرية بدون وعي منهما، إنهما قد حررا شعوبهما وشعوب العالم من الويلات التي ألمت بهم، ولكن ليس في مستوى ذكائهما ولكن في مستوى الغباء الذي تمتعوا به.