وبالديمقراطية يقتل الفلسطينيون والعراقيون!

د. فؤاد الحاج

وددنا لو أن أهل التسوية وعرب التطبيع والمطبعين دون استثناء من عرب الذل والهوان لو أنهم يبصرون ما يجري على الأرض في فلسطين المحتلة وفي العراق، ولا نقصد هنا الحرب المكشوفة التي تشن ضد أبناء العراق وفلسطين فقط وهدفها الواضح الذي لا يقبل الشك ولا المناقشة، وهو لا تصفية الإنسان العربي لحساب المحتلين الصهاينة، ولا تدمير البنى التحتية للمدن والبلدان الفلسطينية والعراقية، ولا التجاسر على مسرى النبي العربي الكريم محمد (ص) وحسب ولا على الأماكن في فلسطين المحتلة، ولا على دور العبادة والأماكن المقدسة وعلى الأماكن المدنية والتفجيرات المتنقلة التي تقع في مختلف المدن والنواحي في عراق الحضارات والتاريخ وكذلك في فلسطين، وإنما إلى ما هو أبعد، وأخطر، وغير معلن ويتوافق مع تنفيذ مخطط التسوية المهينة، إذ كلما أمعن أهل التسوية في التورط في هذا المخطط، كلما زاد تجاسر قوى الشر العالمية في أمريكا وأوروبا وكذلك أعداء الإنسانية في خطاهم المسرعة نحو تكريس الاحتلال وتغيير معالم المدن والقرى ومنها مدينة القدس، إن من خلال ما يسمونه "الجدار الفاصل" في فلسطين المحتلة، أو من خلال ما يسمونه "الفيدرالية" في العراق!.

وإن لم يكن المطبعون وغيرهم من جماعات التسوية من عرب الهوان يدركون حقيقة هذا المخطط الذي أعلنه رئيس إدارة الشر في البيت الأبيض، لفتنا نظرهم إلى ما يجري على الأرض من باب التذكير بما هم عنه ساهون، وأغلب الظن - كي لا نقول من المؤكد - أنهم بما يجري عارفون لأن ما ينفذ معلن كما ذكرنا، وهو ينفذ في وضح النهار ومن دون حياء أو خشية من أحد وبتجاوز مقصود لكل ما وقع عليه من اتفاقات بدءاً من أوسلو وصولاً إلى (الكمبات) وانتهاءً بشرم الشيخ، والتي كانت من نتيجتها أن وافق جماعة سلطة حكم الذات في فلسطين المحتلة بشطب كل ما يتعلق بالتحرير من ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية، في حين أبقى المحتلون على شعار كيانهم الصهيوني وفي "الكنيست" بادعاء أنه يمتد من النيل إلى الفرات. وما يحدث في فلسطين أيضاً يحدث في العراق.

وما يجب أن نلفت الانتباه إليه وندعو المصرين على المضي في طريق ما يسمونه "التسوية" على المهانة التي تعنيها، بأن الدوائر المختصة في الكيان الصهيوني تعمل خلف كواليس حرب التقتيل والتدمير، واستثماراً للاحتدام المسلح على سلخ الأراضي الفلسطينية وتغيير معالمها بدءاً من جرف البيوت وطرد أهلها إلى التجاوز المرسوم على بيارات الحمضيات ومزارع الزيتون بجرفها أيضاً أو بقطع المياه اللازمة عنها وصولاً إلى تهجير أصحابها في خطوة تمهيدية للقفز الصهيوني إليها كما حدث في مختلف المدن والقرى الفلسطينية منذ عام 2000 وحتى اليوم، بعد أن تكون قد أخضعت لسلاح المحتلين وعبث مجنزراتهم ودباباتهم، وكذلك يحدث في العراق، وبات هذه المناظر يومية ومألوفة تشاهد من على شاشات التلفاز في أصقاع الأرض، في عصر الفضائيات وتكنولوجيا الاتصالات الدولية عبر شبكة الانترنيت، بالمقابل نجد أولئك المتحمسون "للسلام" والمتفائلون باستمرار "التسوية" يغضون النظر عن مجريات تلك الجرائم التي يندى لها جبين الإنسانية ولا زالوا يصدقون ويعملون على الدعوة لإجراء "الانتخابات الديمقراطية" على الرغم من حمام الدم الذي لم يتوقف ضد الفلسطينيين كل الفلسطينيين دون استثناء وضد العراقيين كل العراقيين الشرفاء!.

ويخطيء من يتصور أن القتل والإجرام المصحوب بتدمير وتغيير المعالم وحدهما اللذان ينفذان الآن في فلسطين وفي العراق المحتلين في حين تكشف دوائر ومراكز بحوث فلسطينية وعالمية مختلفة مسندة بتقارير لمنظمات دولية معنية بالبيئة أن الكيان الصهيوني عمد ومنذ منتصف تسعينات القرن المنصرم إلى تلويث المياه الصالحة للشرب التي تضخ إلى المناطق التي يسكنها الفلسطينيون بمواد سامة، من بينها مادة الرصاص الذي اكتشف أنه يتسبب للأطفال الفلسطينيين على المدى البعيد بالتخلف العقلي وبعقم النمو، دون أن تظهر عليهم أية أعراض سريعة، كما أنها تعمد بعض المناطق إلى تسريب المياه الثقيلة لتخلط بمياه الشرب فتسبب بتسمم المواطنين وبانتشار الأمراض والأوبئة في عموم مناطق الضفة والقطاع وجميعها تعتمد على الصهاينة في الحصول على المياه منذ عدوان عام 1967 إثر سيطرتهم على مساقط ومصادر المياه في المناطق التي وقعت في أسر الاحتلال، وكذلك تأثير اليورانيوم المنضب الذي استعملته قوى الشر العالمية بقيادة أمريكا ضد العراقيين خلال العدوان الثلاثيني عام 1991، ومختلف أنواع الأسلحة الجرثومية والنابالم والصواريخ التي استعملتها أمريكا في غزو العراق عام 2003 إضافة إلى أسلحة جديدة لم يعرفها العالم من قبل ومنها ما تم الكشف عنه مؤخراً ألا وهو الفوسفور الأبيض والقاسم المشترك بين ما حدث ويحدث في العراق وفلسطين أن قوى الشر والاحتلال يعملان على إبادة أكبر عدد ممكن من أبناء العراق وفلسطين أو تهجيرهم من أجل تكريس السيطرة الجغرافية على المنطقة الممتدة من فلسطين إلى بلاد ما بين النهرين.

بقي أن نعرف أن التقارير المعنية بدراسة أوضاع البيئة في فلسطين المحتلة تؤكد أن نسب التلوث تصاعدت منذ تورط عرب الذل والهوان بمخطط "التسوية"، بهدف اقتلاع الإنسان العربي الفلسطيني من أرضه.. إما ببث الأمراض أو بنشر الأوبئة أو بالتقتيل المباشر وقد تعددت السبل والتهجير واحد، وهكذا تأتي مرحلة ما يسمونها "الانتخابات الديمقراطية" في العراق وفي فلسطين التي يتحقق فيها للصهاينة السيطرة التامة عسكرياً والتمدد المطلق سياسياً واقتصادياً في الأرض العربية من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي، ليأخذوا من الفلسطينيين كل شيء ولا يعطوهم شيئاً، وكذلك في العراق تحت شعار "الانتخابات الديمقراطية" بعد أن بات المواطن هناك يحلم بالأمن المفقود منذ احتلال العراق عام 2003، فيكون الحال أخذ واغتصاب المزيد من الأراضي العربية لضمان الأمن الصهيوني وليس "الأمن مقابل الأرض"، كما روج ويروج لذلك المضللون الأميركيون والعرب إياهم الراكضون وراء سرب " التسوية والسلام"!

ترى ألا يكفي المتورطون من عرب الذل والهوان، ما يجري على الأرض وعلانية من مخطط الموت الرهيب الذي يستهدف الأرض والعرض، وأما آن الأوان أن يتوقف أولئك عن الترويج لما يسمونه "الديمقراطية" المستوردة من أعداء الإنسانية التي لن تصب إلا في خدمة قوى الشر والعدوان، بدلاً من يعملوا بالتعاون مع الأحرار والشرفاء من أبناء فلسطين والعراق من أجل التحرير وتحقيق السيادة والاستقلال وكذلك الاتفاق على تحقيق الديمقراطية النابعة من إرادة الشعب قبل البحث بأي موضوع آخر!..

وأخيراً نتمنى أن تثور الأمة بكل أطيافها وقواها الحية وتقوم بانقلاب ضد كافة أنظمة الذل والهوان بالتعاون مع جيوش الأمة في مختلف أقطارها من أجل إعادة الحق إلى نصابه، والحفاظ على كرامة وعزة الإنسان وعلى حقوق المواطن والوطن من أجل غد أفضل تسوده الحرية والعدالة والمساواة، وبذلك فقط تتحقق أسس الديمقراطية الحقيقية النابعة من صميم إرادة الإنسان العربي في بلاد امتهنت فيها الكرامة والعزة وحقوق المواطن والوطن، بدلاً من الاستعانة بقوى الشر وتحقيق رغباتهم في تدمير الوطن بسبب غباء بعض مدعي الوطنية من تجار الكلام الذين باتوا أعداء كما أعداء الإنسانية.