لمن تقرع أجراس جريمة اغتيال تويني؟

عوني فرسخ/كاتب وباحث من فلسطين المحتلة يقيم في الإمارات

جريمة اغتيال فقيد القلم والسياسة الكاتب الصحافي والنائب المتميز بالجرأة ووضوح الموقف جبران تويني ليست جريمة سياسية فقط وإنما هي جريمة أخلاقية أيضا. ذلك لأن الكاتب الراحل لم يكن صاحب سلطة مادية قاهرة يفرض بها وجهة نظره السياسية على مخالفيه ويقهر بها إرادتهم، وإنما كان صاحب موقف سياسي قابل للرفض والقبول من خلال الحوار. وهو بالتالي لا يخرج عن كونه مجتهدا في السياسة لسامعه أو قارئه أن يأخذ بما يصدر عنه أو يرفضه. والقاعدة في ثقافتنا العربية الإسلامية أن للمجتهد أجرين إن هو أصاب وأجرا إن أخطأ. وعليه فأنه بصرف النظر عن صحة أو عدم صحة ما كان يدعو له ويدافع عنه بمنتهي الجرأة والوضوح والشفافية جبران تويني فإن جريمة اغتياله إنما تقع في صميم الحرب على حرية الكلمة والتعبير، التي نحن أحوج ما نكون إليها في الزمن العربي الصعب، خاصة في مواقع تفجر النزاعات علي مواقف من القضايا المصيرية كما هي عليه الحال في لبنان اليوم.

وفي تقديري أن جريمة اغتيال الراحل جبران تويني لا يجوز أن يقتصر تحري دوافعها وغاياتها على ما كان يمثله الراحل الكبير في الحرب الإعلامية المستعمرة بين رفاق الأمس خصوم اليوم، الذين تباينت مواقفهم وأهواؤهم إلي حد التناقض حول المسؤولية الجنائية والسياسية في جريمة اغتيال رئيس وزراء لبنان السابق رفيق الحريري. ذلك لأن اقتراف جريمة اغتيال جبران تويني النكراء في هذا الوقت بالذات المقصود بها ليس شخص الفقيد الكبير وما يمثله فقط، وإنما أيضا السلام الاجتماعي في لبنان، وعلاقاته التاريخية مع سورية، وكل محاولة جادة لصيانة الوحدة الوطنية اللبنانية وإرساء العلاقات السورية - اللبنانية في ضوء انعدام التناقضات العدائية فيما بين مصالح وطموحات غالبية الشعب العربي في القطرين الشقيقين. بدليل انه ما من خير أصاب سورية إلا وفاض على لبنان، وما من ضر لحق بلبنان إلا وكانت له انعكاساته شديدة السلبية على أمن سورية واستقرارها.

والذي يستدل عليه من الخطاب السياسي الشائع في لبنان أن أبرز التحديات التي تواجه نخبه السياسية والفكرية إنما هي صيانة سيادته الوطنية وتحصين سلامه الاجتماعي مما يتهددهما داخليا وخارجيا. وليس اخطر على الأمرين من أن تغيب الموضوعية ويسود الانفعال في التعاطي مع القضايا المثيرة للجدل والخلاف. وليس من شك أن جريمة اغتيال الكاتب والنائب المتميز جبران تويني حادث جلل، وإن جلال الحدث يفرض التعاطي معه بغاية الموضوعية ومنتهى المسؤولية، والحرص كل الحرص على عدم الوقوع في أسار الانفعالات اللاعقلانية والتسرع في إلقاء التهم جزافا ودون الاستناد لحقائق موثقة، تحسبا من الانعكاسات شديدة السلبية على السلام الاجتماعي اللبناني في مرحلة من أبرز معالمها استعادة أمراء الطوائف حضورهم المؤثر على الساحة بعد أن بدا أنهم خسروا الشيء الكثير من تأثيرهم خلال سنوات السلم الأهلي التي أجهضت باغتيال الرئيس الحريري، وبحيث استعادوا اعتبارهم كنتيجة لاستعادة القوى الإقليمية والدولية تدخلها الفاعل في الحراك السياسي اللبناني، للتأثير سلبياً في دوره التنويري التاريخي في الوطن العربي.

وأن تكون جريمة اغتيال جبران تويني إحدى حلقات مسلسل الاغتيالات السياسية التي شهدها لبنان خلال الشهور الأخيرة، دون أن تكشف خيوط أي منها، ففي ذلك مؤشر على أن من وراء هذا المسلسل الإرهابي قوة دولية القدرات عظيمة الإمكانيات عميقة التغلغل في نسيج المجتمع اللبناني. وعليه يغدو التعاطي بانفعال مع الجريمة النكراء بالغ الضرر بالتحقيق المنزه عن الغرض الساعي لإظهار الحقيقة كاملة غير منقوصة. وبالتبعية عدم توجيه الاتهام لمستحقيه وإضاعة دم فقيد القلم والسياسة والإعلام العربي العام وليس اللبناني الخاص فقط. وفي ضوء المثار حول تقرير ميليس من شكوك يتضح أن ليس أضر بسلامة التحقيق، وملاحقة مقترفي الجريمة النكراء الحقيقيين وليس المفترضين لأغراض سياسية، من أن يكون للانفعال تجاه الجريمة المدانة تأثير مهما كان بسيطا في عمل المحققين. ولقد أشار أكثر من خبير قانوني مختص ومنزه عن الغرض إلى عدم إعطاء القاضي ميليس وفريقه الاهتمام الواجب والكافي للفريق الثالث الذي ورد ذكره عرضا في تقرير المحقق الدولي، والذي من غير المستبعد أن يكون وراء مسلسل الاغتيالات التي طالت أعلاما لبنانية في السياسة والفكر خلال الشهور الأخيرة.

والذي اذكره إنني في أحدى زياراتي للولايات المتحدة شاهدت قبل نحو عشر سنوات على إحدى القنوات الإخبارية في شيكاغو حوارا بين المذيع ورجل أدار ظهره للشاشة، بحيث غابت معالم وجهه وإن لم يضع قناعا مثل شاهد القاضي ميليس. وقد اعترف الرجل أنه نفذ العديد من عمليات الاغتيال ضد نشطاء سياسيين عرب، ممن قيل له بأنهم يشكلون خطراً على أمن "اسرائيل" والمصالح الأمريكية. كما أوضح أنه استغل في تنفيذه الاغتيالات التي كلف بالقيام بها الصراعات العربية - العربية التي امتدت تداعياتها إلى أوروبا مسرح عملياته، بحيث بدا تنفيذه لها وكأنه تصفية حسابات فيما بين الإخوة الأعداء. وعقب وهو يضحك ويشاركه في ذلك محاوره، وكم كنت سعيداً حين كان أحد الناطقين باسم إحدى المنظمات العربية يعلن مسؤولية منظمته عما قمت به، إذ كنت أشعر ساعتها أنني بت بعيداً عن كل ملاحقة ما دام هناك من بات يعتبر مسؤولاً جنائياً وسياسياً.

والثابت أن لبنان اليوم يزخر بعملاء مختلف أجهزة المخابرات الدولية، بمن في ذلك عملاء "الموساد الصهيوني. كما أنه مما يكاد يجمع عليه ساسة لبنان ومفكروه أن ليس بينهم من هو ليس مشروع شهيد. ويلاحظ أن هناك تمايزا كيفيا في تعاطي النخب السياسية اللبنانية مع جرائم الاغتيال، فالبعض منها يطالب فيه بتحقيق دولي، كما في جريمة اغتيال الحريري، والبعض لا يأتي أحد على ذكر ذلك، خاصة تلك التي طالت قيادات من "حزب الله".

وعليه يغدو الحرص علي شخصيات لبنان من مختلف التوجهات والانتماءات، المعرض بعضها للاغتيال، يجعل في غاية الأهمية التنبه الشديد إلى خطورة استغلال دم الفقيد جبران تويني في إذكاء نزاعات شركاء المسيرة والمصير، حتى وإن كان بعضهم ينكر هذه الشراكة. الأمر الذي يحتم علي كل من افتقد الراحل الكبير، وآلمه أن تفقد الصحافة العربية واحداً من ابرز أعلامها، الدعوة للتعاطي مع الجريمة النكراء بأكبر قدر من الموضوعية والأناة، والتنبه للمزالق الخطرة التي يقود إليها الانفعال والتسرع في إلقاء التهم دون تبصر، أو لتصفية الحسابات السياسية.

والذي يبدو أن القفز للدعوة لإجراء تحقيق دولي بات موضة الموسم في لبنان اليوم. وهي دعوة مهما بدت بريئة تمس في الصميم سيادة لبنان الوطنية واستقلال إرادة صناع قراره، فضلا عن أنها تلقي بظلال الشك على نزاهة وصدقية نظامه القضائي وجهازه الأمني. علاوة على ما في تدويل القضايا الوطنية من مخاطر تعرضها لأن توظف في خدمة القوى الدولية المشكوك جداً في نزاهتها وتعاطيها بموضوعية مع قضايا "العالم الثالث" والسلام المجتمعي في أي قطر من أقطاره، وخاصة العربية منها، وعلى الأخص لبنان الذي تركت مقاومته الباسلة جرحاً لما يندمل بعد في نظرية "الأمن الاسرائيلي" العزيز جدا علي قلوب صناع القرار علي جانبي الأطلسي. وإذا كان التحذير من الانفعال واللاموضوعية واجباً فأن التحوط ضد تداعيات الانجرار للتدويل أكثر وجوباً. وقيادات لبنان الروحية والسياسية والفكرية تواجه اليوم جملة تحديات على محاور السيادة الوطنية، وحرية الإرادة، والسلام المجتمعي، وحاضر ومستقبل المقاومة و"حزب الله"، والتفاعل الايجابي مع سورية، والتصدي لمحاولات العبث بوحدة المسيرة والمصير تجنبا لتداعياتها الخطرة على أمن لبنان وأمان مواطنيه ودوره التاريخي في الثقافة العربية، وللجميع في لبنان تقرع جريمة اغتيال جبران تويني الأجراس محذرة ومنبهة من إعادة إنتاج حرب أمراء الطوائف، الذين لا يتورع غالبيتهم كما يبدو عن أن يكونوا بيادق شطرنج في اللعبة الأمريكية الجارية فصولها على مسرح "الشرق الأوسط الكبير".