قادة الدول وحلم الحداثة
بقلم: د. علي محمد فخرو/البحرين
هناك إشكالية جدلية بين ما يقوله قادة الدول العربية والإسلامية وبين متطلبات الحداثة لا يريد القادة مواجهتها. فالخطابات التي يلقيها القادة في مؤتمرات القمة وفي مختلف المناسبات الوطنية تتحدث عن التحديث السياسي والاقتصادي وتعد بإصلاحات في مجالات الحكم والتعليم والخطاب الديني وحقوق المرأة وغيرها. وهذا حسن، لكن الإشكالية تكمن في استحالة الانتقال إلى كل ذلك التحديث والإصلاح من دون إجراء تغييرات جذرية في بنية وعلاقات سلطات الحكم في تلك الدول.
ذلك أن الغالبية الساحقة من أنظمة الحكم في بلاد العرب والمسلمين قائمة ومستمرة من خلال اعتمادها على ولاء وإسناد مجموعات فرعية مجتمعية من مثل الطائفية أو القبلية أو العائلة أو العساكر أو مؤسسات الثروة والمال الوطنية والدولية. فهي، أي تلك الأنظمة تقوم إذن على علاقات اجتماعية تقليدية تنتمي إلى عصور ما قبل الحداثة وتتناقض بالتالي مع العلاقات الاجتماعية في مجتمعات الحداثة، بل إنها باعتمادها على إسناد المجموعات الفرعية تدفع بكل المجتمع إلى أن يتبنى نفس الأسلوب فينتمي أفراده بدورهم إلى جماعات فرعية تقليدية لتحميهم من سلطة الدولة. والنتيجة أن يتخندق الحكم وفئات المجتمع في خنادق متصارعة متواجهة ضد بعضها البعض ويصبح الانتقال إلى التحديث أمرا هامشيا.
إن قادة العرب والمسلمين يعرفون أن في قلب الحداثة يقبع موضوع الديموقراطية، والديموقراطية هذه تعني مفاهيم وأنظمة ترسخت في مجتمعات الغرب الأوروبي عبر أكثر من قرنين. وهي ديموقراطية تشمل فيما تشمل حرية الفكر والقول والعمل وحرية تكوين الأحزاب والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني الأخرى من دون عوائق ومن دون وصاية من الدولة واستقلالاً حقيقياً للسلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية وتعاملاً حقوقيا شفافا مع مواطنين لا رعية وأخيراً قبولا بتداول سلمي دوري للسلطة بحسب ما تفرزه انتخابات برلمانية حرة. وهذا سيعني رفضاً تاماً وقطيعة مع التركيبة الاجتماعية التقليدية التي تحدثنا عنها وتوقفا عن كل الممارسات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي يمارسها الحكم حاليا في مجتمعات العرب والمسلمين. ولن ندخل في تفاصيل قائمة المتطلبات الأخرى للحداثة والعصرنة التي لا يمكن الحديث عنها من دون وجود وترسخ مطلب الديموقراطية بكل تفاصيلها السابقة، فأن يتحدث القادة عن التصنيع من دون قبول بوجود نقابات مستقلة فاعلة، أو عن مخترعين مبدعين من دون قبول بوجودها جامعات لها استقلالها الأكاديمي والإداري وعندها حرية البحث في كل حقول المعرفة ونشرها، أو عن رفع مستوى معيشة المواطنين من دون قبول بأن تكون ثروات المجتمع كلها ملكاً للمجتمع كله وليس لأقلية تحت أي مسمى كان... فإن ذلك الحديث هو نوع من التمنيات الطيبة، ولكنه حتماً لا يمت بأية صلة إلى الواقع والممكن.
فإذا كان القادة يريدون حقا الانتقال إلى الحداثة وولوج العصر، من خلال الديموقراطية، فأن عليهم أولاً وقبل كل شيء تغيير بنية وعلاقات سلطات الحكم التي يقفون على رأسها. وقد يبدو ذلك المطلب وذلك الشرط تعجيزياً لكن تاريخ مسار الإصلاحات ومحاولات التحديث في بلاد العرب والمسلمين اتصفت دائماً بالعقم والإخفاقات والتراجعات وانفصام القول عن العمل بسبب عدم قبول الحداثة الصارمة التي ذكرنا، وبسبب الإصرار على تعايش نظامين اجتماعيين متناقضين في المجتمع الواحد.
من الضروري أن يدرك القادة أن تلك الجدلية لا تعني بالضرورة زوال هذا الفرد أو تلك المجموعة وإنما تعني بالدرجة الأولى أننا سنظل ندور في حلقة مفرغة إذا أصررنا على عدم تغيير بنية وعلاقات سلطات الحكم عندنا وفي الوقت نفسه أعطينا وعوداً غير منطقية وغير واقعية بالانتقال إلى الحداثة، هناك حاجة للتوقف عن هذا الحكم المستحيل، في مؤتمرات القمة العربية، في مؤتمرات القمة الإسلامية، في مؤتمرات القمة الخليجية تقبع هذه الإشكالية الجدلية التي تجعل من نجاح تلك المؤتمرات أمراً بعيد المنال، ويأمل الإنسان أن نستطيع الانتقال من هذه الحلقة الجهنمية.