الدين يهزم اللاًّوعي

بقلم: د. علي محمد فخرو/البحرين

السقوط المذهل في الانتخابات المصرية لمرشحي التجمعات السياسية القومية العربية والليبرالية يحتاج أن يدرس بتأنٍ شديد. ولنتذكر أن مصر تمثل ربع الأمة العربية وان ذاك السقوط يقابله صعود ملفت للحركة السياسية الإسلامية. نحن إذن أمام ظاهرة سياسية - اجتماعية - عقيدية تعبٍّر عن تحوُّل في الأعماق وتشير إلى ملامح مستقبل آتٍ. التحليل الأولي يشير إلى الآتي:

أولا: لقد فقد الشارع العربي ثقته بحاملي ألوية القومية العربية والليبرالية. وهذا موقف مبُّرر بسبب الحماقات التي ارتكبها البعض والأخطاء التي قام بها البعض والانتهازية التي مارسها البعض الآخر. وتاريخ الأمة العربية عبر الستين سنة الماضية يشير إلى عدم بقاء تلك الحركات متمسكة بثوابتها المبدئية ولا ببرامجها السياسية وأنها لم تقدٍّر بما فيه الكفاية أو الفهم الصحيح الشرعية الثورية التي ادًّعتها لنفسها أو الشرعية الانتخابية التي منحت الجماهير بعضاًً منها، وشيئاً فشياً أصبحت تلك الحركات أسيرة المغامرين من العساكر أو القوي الأجنبية أو بعض التكوينات المجتمعية التقليدية العرقية والمذهبية، هذا بينما ظلًّت الحركات الإسلامية الأساسية وفيًّة لنهج عملها والتصاقها الحميم بنبض الشارع وجماهيره.

إلي هنا والأمر طبيعي. لكن المصيبة ستصبح كارثة لو أن عدم الثقة تلك في الحركات والأحزاب امتدًّ إلى المبادئ والبرامج التي تحملها من مثل الإيمان بضرورة الوحدة العربية أو العدالة الاجتماعية أو الحداثة، وهي مصيبة يجب أن تشغل ذهن كل العاملين في السياسة.

ثانيا: لقد حصلت نفس الظاهرة مع الأحزاب الشيوعية في بلدان أوروبا الشرقية بعد سقوط الاتحاد السوفييتي عندما تخلُّت الجماهير عنها وعن قادتها، وكان على تلك الأحزاب أن تفعل شيئاً لتبقى حيُّة في الساحة السياسية. فكان أن غيرُّت أسماءها وراجعت بعض مبادئها وعدُّلت أساليب عملها وأزاحت بعض قياداتها وتقدمت ببرامج عمل تأخذ بعين الاعتبار تبدُّل النفوس والأحوال والأحلام، ولقد نجح بعضها وفشل البعض الآخر، ولكنها بقيت فاعلة في الحياة العامة، وسيكون من البلادة السياسية أن لا تتعلم الحركات القومية والليبرالية العربية من تلك التجارب الأوروبية ومن أشباهها في آسيا أيضاً.

والواقع أن هناك حاجة لمراجعة بعض الأسس التي قامت عليها القومية العربية من أجل التُّنقيح والإغناء والتحديث، وفي هذه اللحظة هناك زخم فكري عالمي لإعادة قراءة مفاهيم الأمة والدولة والقومية يستحق الاستفادة منه، وينطبق الأمر على الكثير من المفاهيم الليبرالية السابقة والتي تحلُّ محلها مفاهيم ما يعرف بالليبرالية الجديدة كما ينطبق الأمر على مفاهيم الحداثة التي تتحول عند البعض إلى مفاهيم ما يعرف بما بعد الحداثة. ولا يعني ذلك على الإطلاق الدعوة إلى تبنٍّّّّّّّّّّّي تلك المفاهيم والتحولات وإنما يعني الاستفادة القصوى ممًّا هو قابل للهضم والاندماج في نسيج المفاهيم السياسية العربية وللتبييء في التربة الاجتماعية العربية.

ثالثا: ولما كانت الحركات القومية والليبرالية العربية قد تأثرت كثيراً بأفكار ومنطلقات مجتمعات الغرب الأوروبي فعليها أن تتعلُّم مرة أخرى مما اكتشفته تلك المجتمعات لنفسها. فبعد مائتي سنة من جهود عصر الأنوار والليبرالية لإخراج الله والدين من حياة إنسان الغرب أو إدخالهما في منطقة اللاًّوعي لذلك الإنسان تبيُّن، كما يقول الفيلسوف الانكليزي جون جرًي، "أن حاجة الإنسان للدين لا يمكن أن يحلًًّ محلها شيء بما ما فيه وعود العلوم والتكنولوجيا"، وإذن فالمراجعة العربية يجب أن تدرك أن حاجة الإنسان العربي لدينه لا يمكن وضعها جانباً وأن روح وثقافة المجتمعات العربية ونبض حياتها هو الإسلام، فعندما صوتت جماهير مصر للمعارضة ضداً للحزب الحاكم قادها التمسك بإسلامها إلى الإخوان المسلمين.

فإذا أرادت الحركات القومية والليبرالية أن تعود إلى الساحة فلتتوقف عن محاولة طمس الدين الإسلامي في اللاُّوعي العربي فقد حاول لعبة الطًّمس والإزاحة من كان أشطر منها وفشل.

ليست هذه دعوة للانتهازية السياسية، إنها دعوة إلى الإقرار بأن تواجد الله والإنسان في نفس الحيٍّز هو أمر ممكن ومطلوب.