ما الذي يجري في العراق؟

د. فيصل الفهد

تعصف ببلدنا المحتل مشاكل لا حصر لها جلّها حدثت وستحدث بسبب وجود الاحتلال وعملائه وأيّ تصوّر منطقي لحلّها أو معالجتها لن يكون ناجعاً دون خروج المحتلين وتسليم مقاليد الأمور للعراقيين الشرفاء... إنّ استمرار الاحتلال وحمايته لثلة العملاء والخونة والمجرمين سيزيد من حدة التوتّر والصراعات والانقسامات داخل الشعب العراقي الذي كان على الدوام جسداً واحداً متوافقاً في حركته موحداً منسجماً في توجهاته وهذا ما أضاف لـه جمالية ورسوخاً على مدار تأريخه الطويل ، وبالذات حينما نتحدث عن شعب العراق صاحب المآثر والبناء الحضاري المعروف والمشهود بين كلّ شعوب الأرض.

ورغم كلّ ما ألمّ بالعراق من محن وشدائد عبر آلاف السنين إلاّ أنّ هذا البلد كان يخرج منها وهو أصلب عوداً وأكثر تماسكاً وكان نهوضه من كبواته هو السمة التي لازمته عبر كلّ تاريخه الطويل .. إلاّ أنّ محنة العراق بعد احتلاله في نيسان 2003 يمثّل صيغة أخرى ربما هي الأصعب والأخطر والأكثر تهديداً لوحدته أرضاً وشعباً ، خصوصاً ونحن تعامل مع محتل حشد كلّ قوى الشر والظلام في هذا العالم الذي تعيش أغلب شعوبه حالة من الغيبوبة وفقدان الإحساس بالحياة وبالمستقبل بل والاستسلام غير المبرر لإرادة دولة واحدة تريد بكلّ الدنيا الشرّ والإذلال والعبودية خدمة للصهيونية العالمية ولشركات إنتاج السلاح وتجارة النفط العملاقة.

إنّ عمليات الفتك المبرمج بالشعب العراقي الذي يتبارى فيها المحتلون الأمريكيون والبريطانيون والصهاينة  ومن والاهم بالسوء سواء تمثل ذلك بإيران أو ببعض الأنظمة العربيّة التي سخروها لتنفيذ ملفات مهمة من مسلسل تدمير العراق وقتل أهله واستباحة استقلاله وليّ ذراع شرفائه .. لم تحدّ من صمود العراقييّن الأسطوري وبطولات مجاهديه النادرة بل كانت سبباً مضافاً لاشتعال المقاومة وتوسعها أفقياً وعمودياً لتصبح ظاهرة فرضت نفسها بقوة على ساحة الأحداث وطبعتها بإنجازاتها وانتصاراتها الرائعة.

لقد حاول المحتلون ومعهم حكام إيران وبعض من لبسوا عباءة الدين أن ينمطوا الشعب العراقي ويصادروا إرادته وعملوا على إظهاره وكأنه استسلم لقدره ورضي بالاحتلال أمراً واقعاً لا مناص منه. إلاّ أنّ هذه الممارسات باءت بالفشل وحدث العكس، بل أكثر من ذلك فإنّ الصدمة التي تعرّض لها العراقيّون جرّاء الاحتلال  انعكست كالزلزال الذي قلب أسفلها عاليها وصعق بقوته كلّ قوى الشرّ والظلام التي أرادت بالعراق سوءاً وجعلت بوش وبلير ومن ذيّل نفسه معهما نادمين على تلك اللحظة التي ورطوا بها دولهم بالعدوان على العراق واستباحة أرضه وشعبه..

إنّ الحقيقة الوحيدة التي فرضت نفسها على أرض الواقع اليوم في العراق هي المقاومة الوطنية العراقيّة وهي وحدها الضمان الأكيد بعد التوكّل على الله لتحرير العراق وإنقاذه من محنته إلاّ أنّ مشكلة المقاومة اليوم لم تعد محصورة بالاحتلال وعملائه الذين جاءوا خلف دباباته بل مع من سخروا أنفسهم وضللوا السواد الأعظم من العراقييّن تحت لافتة المشاركة بالعملية السياسية سيئة الصيت ، وهؤلاء لا يقلّون خطورة عن المحتلين، بل إنّهم أكثر إيذاءً على قضية العراق.... واليوم بعد أن شارك هؤلاء بالمسرحية الانتخابية ما الذي حدث وسيحدث بعدها؟

ولكي نحيط بهذا السؤال ونجيب عليه سنركّز على ما يلي:

أولاً: مهزلة الانتخابات غير الشرعيّة في العراق:

إنّ ما نراه في العراق من اصطفافات لهذه المكونات أو تلك ليست بالمسألة الغريبة وقد عاشتها شعوب أخرى مرت بذات الظروف أو قريباً منها، وعادة ما تستفيد هذه المكوّنات من الأجواء السلبية التي تفرضها قوى الاحتلال على البلدان التي تحتلها لتحقيق غايات ومآرب ذاتية تحت عناوين ومسميات ظاهرها وطني إيجابي وجوهرها خدمة ودعماً للاحتلال واستمرار لوجوده، لأنّ هذه القوى تربط مصيرها كما هو حال العملاء في العراق مع استمرار وجود الاحتلال في ذلك البلد وما يجري في العراق هو تكرار لما حدث في دول أخرى وأقرب الأمثلة المعروفة (فيتنام).

لقد حذّرنا ونبهنا وقبلنا وبعدنا كثير من الوطنيين الشرفاء (بعثيين وقوميين وشيوعيين وإسلاميين ومستقلين وغيرهم) وصدرت بيانات كثيرة سيّما من حزب البعث العربي الاشتراكي والمقاومة الوطنية من المشاركة في اللعبة السياسية التي خطّط لها المحتلون، وأكّدنا بالدليل الملموس أنّ هذه المشاركة لن تنفع بل ستضرّ العمل الوطني وسيستغلها المحتلون لتمرير مسلسلهم الإجرامي البغيض ضدّ شعبنا وبلدنا إلاّ أنّ اللاهثين وراء مصالحهم الشخصيّة ونواياهم السيئة لم يلتفتوا إلى جوهر ما حذرناهم منه واستمروا في غييهم، وراحوا يرددون نفس مقولات الاحتلال وبالذات تلك المتعلقة بمهزلة انتخابات 30 كانون الثاني 2005 والتي أسفرت عن كم هائل من التزوير وصولاً إلى تنصيب عملاء إيران على رقاب الشعب العراقي ، وعندما بدأ هؤلاء بالبطش والقتل وإرهاب الناس روجت قوى الاحتلال المقولة المعروفة (لو لم يقاطع الكثيرون من العراقييّن الانتخابات لما وصل هؤلاء إلى استلام الحكومة) واعتقد كثير من الناس المغرّر بعقولهم أنّ هذه هي الحقيقة وغاب عن هؤلاء أنّ لا أحد يستلم منصباً في العراق المحتل إلاّ بقرار من سلطة الاحتلال، ونتائج الانتخابات لا يقرّرها من يشارك فيها بل من يخدم مشروع الاحتلال، ولذلك فإنّ الذي يفوز هو من يريده المحتلون وليس من يصوّت لهم الناس. وتأسيساً على ذلك فإنّ الذي جعل قائمة الفرس 169 تفوز هم  الأمريكان  والذي  سلمهم الحكومة هم الأمريكان أيضاً لأنّهم أرادوا أن يستخدمونهم في مواجهة المقاومة ولتصفية الشرفاء والوطنيين. هذا عدا عن أنّ الأمريكيّين أرادوا أن يحرقوا ورقتهم ويزيدوا من سواد وجوههم لكي يدفعوا بمجموعات من الفئات الأخرى التي أسموها بـ (المتضررة) أو (المغيّبة) أو (السنيّة) أو (العرب)... الخ من المسميات التي لم نسمع بها سابقاً، لكي تندفع إلى السطح وتتحرك ، لا لطرد الاحتلال، وهو الهدف الأسمى لأيّ عراقي شريف وطني ، بل تحرّك هؤلاء باتجاه الفخ الذي نصبه المحتلون وهو المشاركة في اللعبة السياسية، وهذا ما قدّم خدمة كبيرة للاحتلال في وقت كان فيه بأشدّ حالات ضعفه. ثمّ جاءت مسرحية كتابة الدستور واندفع بعضهم للمشاركة فيما سمّي بلجنة الصياغة، وعندما ارتفع صوت منهم يحتج على هذه الفقرة أو يريد تغيير تلك اغتالوهم، وبعد (أخذ وعطاء) وسجال وفبركات دعائية صوتوا على الدستور الأمريكي الصهيوني، واعتقد اللاهثون وراء اللعبة السياسية أنّهم فعلاً أمام ممارسة ديمقراطية حقيقية للاستفتاء على الدستور، وتكرّر نفس السيناريو ومرروا الدستور، ولم يستطع هؤلاء اللاهثون أن يحركوا ساكناً أمام التزوير المنظّم ولم يتعظوا، وجاءت انتخابات 15/12/2005 وظهرت النتائج لصالح القائمة الإيرانية بحجم أكبر مما حصلت عليه في انتخابات 30 كانون ثاني 2005.. فما هو تفسير ذلك؟ فالأمريكيون أنفسهم (الجنرال كيسي) قالوا: إنّ الانتخابات زوّرت. وهناك أدلة على عبور شاحنات من إيران تحمل صناديق وملايين من الأوراق الانتخابيّة وهناك ملايين من الإيرانيين عبروا إلى العراق للمشاركة في هذه المهزلة، فأين هي الديمقراطية؟ وبماذا سيبرّر من تراكضوا وراء الأجندة الأمريكيّة فعلتهم؟ بعد أن لطخوا أنفسهم وغشوا ملايين من الناس الذين اندفعوا خلف طروحاتهم وحملاتهم الدعائية بأنّهم بهذه المشاركة سيوقفون الزخف الصفوي ويعيدون التوازن إلى الواقع السياسي في العراق.

لقد تناسى مروجو اللعبة السياسية وعتموا على الناس أنّ هذه الانتخابات وقبلها الدستور كلّ الممارسات الأخرى هي باطلة وغير شرعية طالما هي جرت في ظل الاحتلال البغيض لبلدنا وإنّ اندفاعهم الأعمى وراء المشاركة في تنفيذ الأجندة الأمريكيّة جعلتهم في خانة واحدة مع العملاء والجواسيس وعليهم أن يوضحوا للشعب العراقي الحقيقية بعد أن تمّ تضليله بالكذب والتدليس وخلط الأوراق وبدون ذلك فإنّ عقابهم لن يكون أقلّ من عقاب من خانوا الوطن لاسيّما وأنّ المقاومة الوطنية قد منحتهم الفرصة وأوقفت كثيراً من عملياتها فترة إجراء المهزلة الانتخابيّة رغم أنّ قيادة المقاومة تعلم مسبقاً ما هي النتائج التي سترتبها مثل هذه الممارسات غير الشرعيّة لكي تسقط آخر حججهم وتؤكّد لهم ولغيرهم أن لا خيار أمام العراقييّن سوى المقاومة المسلحة بالدرجة الأساس ويدعمها فعل سياسي واعٍ شريف نزيه رافض للاحتلال ولمشروعه.

أمّا النظام الإيراني فقد جاء موقفه عبر ما قالـه رفسنجاني يوم الجمعة 23/12/2005 (أنّ فوز قائمة الائتلاف في العراق هي نصر لإيران)، وهذا دليل مادي على أنّ ما يجري في العراق لا يدخل في خانة الديمقراطية المزعومة بل لعبة سياسية تتجاذب فيها قوى خارجية تريد تمزيق وحدة العراق وليس من مصلحة أيّ عراقي وطني شريف دعمها أو المشاركة فيها . كما أنّ السيناريو الذي تشارك فيه قوى الاحتلال (إسرائيل) وإيران يتكرر في كلّ مرة ، والغريب أنّ هؤلاء اللاعبين (إمّا سذّج وإمّا أغبياء) أو (عملاء) يغضّون الطرف عما جرى في المرات السابقة ويستسلمون لما يوعدون بـه في حين أنّه لا يوجد شيء قد تغيّر.

ثانياً: مهزلة محاكمة السيّد الرئيس ورفاقه:

أصبحت هذه المهزلة وبالاً على من خططوا لها بل إنّ وقائعها أضحت مناسبة لكشف كلّ ما حاول المحتلون التستر عليه من الحقائق والوقائع والمعلومات والكذب ليتعرّى أمام العراقييّن والرأي العام العالمي أصحاب المشروع الاستعماري ولتثبت أمام العالم الحقيقة الناصعة لمن قادوا العراق طيلة 35 سنة وبنوه وطوروا شعبه ووضعوه في مساره الذي يليق بـه مثلما تكشف هذه المسرحية أيّ نوع من (الأوباش) هؤلاء الذين تمّ تسليطهم على رقاب الشعب العراقي بحيث أصبحت (الأسود في الأقفاص والقرود خارجها).

إنّ هذه المحكمة الألعوبة تدلّل على كبر حجم تردّي أوضاع المجتمع الدّولي وغياب واضح لما يسمونه الشرعيّة الدوليّة ونسف كامل لكلّ ما حاولت الإنسانيّة ترسيخه من قيم وتقاليد ومبادئ كان يجب أن تكون هي الأساس في التعامل الدّولي إلاّ أنّ ما يجري في العراق وفي جانب مهم منه المحاكمة المزعومة تثبت أنّ أول من يخرج المواثيق وأكثر من يستخف بها هم من يتاجرون بشعاراتها البراقة ويسوقونها كمقدمات لارتكاب جرائمهم بحقّ البشرية ففي الوقت الذي كان على العالم (الحرّ؟!) أن يحاكم فيه رؤساء الولايات المتّحدة الأمريكيّة المتعاقبين على ما ارتكبوه من جرائم بحقّ الشعوب وبالذات الشعب العراقي منذ أيلول 1990 وحتى الآن، ويحاسب  حكام طهران على جريمة حربهم العدوانية على بلدنا في أيلول 1980 والكيان الصهيوني على دعمه للمجرمين والعملاء في شمال العراق ومعاقبة حكام الكويت على ما تسببوا فيه من إيذاء للعراق طيلة العقدين الماضيين.. شاهدنا كيف أنّ المسؤولين الأمريكان قلبوا كلّ المفاهيم واحتلوا العراق وجلبوا معهم أراذل البشر وسلطوهم على رقاب العراقييّن ودفعوا بالأمور إلى أسوأ حالاتها وصادروا العراق واغتصبوا دولته وذهبوا أبعد من ذلك عندما قدموا قياداته إلى محكمة صورية بتهم ملفقة، وفي مقدمة هذه التهم قضية الدجيل، والتي كان على المجتمع الدّولي (إن كان لهذا المجتمع من وجود) أن يحاكم من كان وراءها وهو النظام الإيراني الذي لم يكتفِ بشنّ عدوانه على العراق 1980 بل دفع بعدد من عملائه للاعتداء على رئيس جمهورية العراق بالجرم المشهود وعندها مارست الحكومة العراقيّة حقّها السيادي الشرعي لمحاسبة الجناة، وخلال أكثر من عامين من التحقيق صدرت الأحكام بحقّهم، وهذا ما هو متعارف عليه في كلّ أنظمة العالم.. فما تفعل أيّة دولة في العالم تحترم سيادتها عندما يرتكب بعض المجرمين فعلة شنيعة بالاعتداء على رئيس الدولة وبتخطيط ومساعدة خارجية.. ولينظر كلّ أصحاب العقول في العالم ماذا فعل الرئيس بوش وحكومته عندما نفذت مسرحية 11 سبتمبر (أيلول)؟ ألم يعاقبوا العالم بأجمعه واعتقلوا آلاف وقتلوا مئات الآلاف واحتلوا دول، ولا يزالون، والأمثلة من هذا النوع كثيرة جداً، وإذا كان هذا حقّ مكتسب لأيّ دولة أو نظام ذي سيادة في العالم فلماذا تسمح إدارة بوش لمثل هذه المسخرة أن تنفّذ في العراق المحتل  وهي من اعتدت عليه تحت لافتة من الحجج التي أكّدت هذه الإدارة اللعينة أنّها حجج كاذبة؟! أليس  المطلوب الآن لكي تتحقق العدالة والشرعية الدوليّة أن يكون بوش وبلير وحكام إيران و"إسرائيل" في قفص الاتهام لأنّهم مجرمو حرب ومارسوا ارتكاب أبشع الجرائم ضدّ شعب العراق؟ ثمّ أليس على الشعب العراقي بعدما تكشّفت أمامه كلّ الحقائق أن يضرب بأسفل أحذيته كلّ من جاءوا مع المحتلين وتعاونوا معهم؟!

إنّ على العراقييّن الشرفاء أن يفخروا أمام الدنيا بأنّ الله منّ عليهم بقائد عظيم مثل السيّد الرئيس صدام حسين بشجاعته وثباته وذكائه وإيمانه العميق بالله وبشعبه وبتضحيته بالحكم وبعائلته من أجل عزة وكرامة العراق وشعبه... وليقارن أيّ عراقي بين الصورة التي ظهر فيها السيّد الرئيس صدام حسين ورفاقه وبين الصورة التي يتوقعها لو أنّ الذين في قفص المحكمة بوش أو بلير أو الطالباني أو إبراهيم الأشيقر أو الحكيم أو علاوي فماذا يمكن أن يكون عليه موقفهم؟!

لقد كانت مواقف السيّد الرئيس ورفاقه في المحكمة من الجرأة والذكاء والإقدام ما عزّز في نفوس كلّ العراقييّن الشرفاء الثقة بالنفس وبالنصر وأعطاهم زخماً إضافياً ومعنويات ستزيد من شدة بأسهم وتقوي عزيمتهم لدحر الغزاة وتقويض حكومتهم العميلة الصنيعة، وليلتف كلّ عراقي لا زال في داخله ضمير حيّ حول مقاومته الباسلة وليدعمها بالشكل والأسلوب والإمكانية المتاحة حتى وإن كان ذلك بالكلام الحقّ.

أمّا البعثيين المناضلين الأبطال فإنّ فخرهم واعتزازهم بحزبهم وقائدهم بلغ عنان السماء وهم يسمعون من قائدهم وهو في قفص المحكمة الذي حوّله إلى قفص مقدّس كلاماً عن حزب البعث لن يترك كبيراً أو صغيراً رجلاً أم امرأة من االبعثيين النجباء إلاّ وفجّر فيهم كلّ ما يختزن في دواخلهم من الكرامة والنخوة والرجولة والبطولة والإيمان بمبادئ حزبهم وثورتهم وبلدهم العزيز الغالي، وهذا ما سوف يتجسّد بشكل أكثر وضوحاً عبر العمليات النوعية الكبرى للمقاومة العراقيّة خلال المرحلة القريبة القادمة.

ثالثاً: الانسحاب الأمريكي من العراق:

يلاحظ المراقبون أنّ الإدارة الأمريكيّة تناور وتخلط الأوراق وتعتم الرؤيا عن مشروع انسحابها من العراق وهي في ذلك تبذل جهوداً مضنية لكي لا يفسّر هذا الانسحاب بطريقة تؤكّد حجم الفشل والهزيمة للمحتلين وبالذات حينما يكون مصدر التفسير هم خصوم بوش ومعارضو سياسته الرعناء داخل أمريكا وخارجها.

إنّ الشيء الذي أصبحنا متيقنين منه أن لا مفرّ أمام بوش وإدارته إلاّ الهروب بخفّي حنين من العراق، أمّا تصريحاتهم المتناقضة البعيدة عن الدقة والموضوعية عن سحب عدد من الألوية فهي كانت وستبقى مثال جدل وسخرية لأنّها تكشف حقيقة المأزق الذي وضعت إدارة بوش نفسها فيه في العراق المحتل لاسيّما وأنّ كلّ المؤشرات على أرض الواقع تؤكّد أنّ قرار الهروب من العراق قد اتخذ وما هي إلاّ مسألة وقت لكي يتمّ تنفيذه. علماً بأنّ تصريحات رامسفيلد وزير العدوان الأمريكي عن سحب لواءين مثير للسخرية كون أنّ إدارة بوش جلبت أعداداً أخرى من قواتها إلى العراق قبل مسخرة الانتخابات الأخيرة، هذا عدا مسألة مهمة وهي أنّ أعداد القوات الأمريكيّة التي ساهمت في الاحتلال وما تزال تدور في خدمته بلغت قرابة مليون عسكري، وهذا يدحض الأرقام التي عادة ما يشار إليها عند الحديث عن حجم قوات الاحتلال الأمريكيّة في العراق وهل يعقل أنّ الأمريكيّين أبقوا 135 ألف جندي منذ مايس 2003 في العراق ويبقى نفس الرقم بعد ما يقارب الثلاث سنوات من الاحتلال والكل يعرف كم  هو حجم خسائرهم التي بلغت أكثر من 100 ألف بين قتيل ومعاق وجريح ومصاب بأمراض نفسية ، إذن لماذا هذا الحديث المسرحي عن انسحاب جزئي للقوات الأمريكيّة؟ ولماذا هذا التزامن في تعاقب الزيارات التي دشّنها المجرم ديك تشيني ثمّ توني بلير ورامسفيد ورئيس وزراء بولونيا والكل يتحدث عن تخفيف حجم قواته وهي عبارة منمقة مخففة لمصطلح الهروب وارتباط كلّ ذلك بما تعيشه الساحة السياسية في العراق من أزمات حادة بسبب تزوير الانتخابات والتي إن استمرت بدون أن تكون هناك طبخة أمريكية في الطريق ستؤدي إلى كوارث أخرى جديدة.

رابعاً: عمليات المقاومة الوطنية:

رغم أنّ المجرم توني بلير قد ذكر (من وجهة نظره) أنّ الوضع في العراق المحتل الآن أفضل من السابق فإنّ بلير وبوش وغيرهم يعرفون أيّ وضع صعب تمرّ بـه قواتهم المعتدية في العراق وأنّ المرحلة القريبة القادمة ستشهد تطوّراً كبيراً يزيد من أعباء قوات الاحتلال أبرزها تركيز العمل الجهادي بعمليات نوعية ستوقع أجسم الخسائر بالمحتلين وعملائهم.

ونؤكّد ونشدد أن لا خيار أمام بوش وبلير إلاّ الخروج من العراق اليوم أفضل لهم من الغد، وكلّ يوم يمرّ سيزداد مأزقهم وخسائرهم وستعقّد موقفهم وستفتح عليهم أبواباً أخرى من جهنم.. فأعداد من ينخرطوا بالمقاومة من العراقييّن يزداد بشكل لن تقوى على مجابهته كلّ ما تمتلكه الولايات المتّحدة الأمريكيّة من جيوش، عدى أنّ عن غالبية العراقييّن وبسبب ما يتعرضون لـه لم يعودوا يهتموا بالتمسك بالحياة ولأنّ أغلبهم مؤمنون فإنّهم يفضلون أن يستشهدوا على أن يقبلوا بما يفرض عليهم من حيف وظلم وطغيان واستباحة، سواء من قبل الاحتلال أو من عملائه، فالموت في سبيل الله والوطن أفضل الخيارات وأقربها إلى نفوس العراقييّن الشرفاء.

فهل ستصمد قوات الاحتلال وعملاؤها أمام هذا النوع من الأبطال العراقييّن الذين اشتروا الآخرة بالشهادة وباعوا الدنيا وما فيها؟