الهروب من العراق أفضل خيارات بوش

د. فيصل الفهد

تحدّث الرئيس بوش مطولاً عن خطته لتحقيق النصر في العراق متناسياً أنّه سبق وأن جزم بأنّه أنجز ما هون مطلوب من خطته في كلمته التي ألقاها على ظهر إحدى حاملات الطائرات في نهاية نيسان 2003 معلناً انتهاء العمليات العسكريّة في العراق المحتل.... فأيّ الكلامين صحيح وأيّهما الخطأ؟

ونعود إلى نيسان 2003 ونذكّر السيّد بوش وكلّ من يعنيه ما يحدث في العراق ونقول لهم إنّ بوش لم يخطئ في خطابه 2003 فقط بل وأضاف كذبة أخرى لأنّه حينما أشار إلى انتهاء العمليات العسكريّة في العراق تجاهل حقيقة مهمة وهي أنّ العمليات العسكريّة لمواجهة الاحتلال بدأت في 9/4/2003 وأصبحت فعّالة واضحة للأمريكيّين بعد معارك المطار البطولية بمعنى أنّ خطة الأمريكان لاحتلال العراق عسكرياً انتهت، إلاّ أنّ معارك العراقييّن دفاعاً عن وطنهم بدأت في ذات الوقت الذي اعتقد بوش أنّ الوضع استتب لصالح خطته سيئة التخطيط والتنفيذ.

ومن هنا فإنّ رئيس إدارة الشرّ وعبر كلّ محاولاته في التضليل والتعتيم وخلط الأوراق لم يستطع أن يخفي حقيقة الفشل الذريع الذي أسقط نفسه وحكومته بل والدولة التي أؤتمن عليها واضطر أن يخرج على العالم بكذبة جديدة وهي خطته المزعومة لتحقيق النصر في العراق !! فما هي هذه الخطة التي يتحدث عنها السيّد بوش لتحقيق النصر في العراق؟

ولكي نجيب على هذا التساؤل لابدّ وأن نثبت حقيقة جوهرية حكمت وستحكم كلّ تبعات التورّط الأمريكي في العراق وهي أنّ إدارة بوش لا تمتلك أيّة خطة يمكن أن تنقذها مما تورّطت فيه لأنّ المسؤولين الأمريكان خططوا للصفحة الأولى (الغزو العسكري) ولم يضعوا برنامجاً محدداً واضحاً لما بعد الغزو وهذا ما ظهر واضحاً بعد 9/4/2003 هذا أولاً.. وثانياً إنّ كلّ ما نفذته إدارة الاحتلال كان عبارة عن تخبّط ولاسيّما في التعاطي مع الملف العراقي بين وزارتي الدفاع والخارجية الأمريكيتين عدا دخول الأجهزة الاستخبارية الأمريكيّة غير المبرمج هنا أو هناك الأمر الذي انعكس سلباً على أداء  إدارة الاحتلال وظهوره بشكل مشوش وعاجز وربما سبّب إفرازات خطيرة لم تلق الأذى بالشعب العراقي فحسب بل وكذلك بالأمريكيين عموماً والعسكر منهم على وجه التحديد.. ولذلك فالحديث عن خطة للنصر الأمريكي في العراق لم ولن يكون سوى ذرّ رماد في العيون وخلط في الألوان لتشويش صورة ما يجري فعلاً على أرض الواقع في العراق وبالذات قوة الثورة الشعبية المسلّحة (المنظمة) في العراق التي تواجه قوات الاحتلال وتلحق أفدح الخسائر فيها عدة وعدداً إضافة إلى تطويق كلّ مفردات الأجندة التي عملت إدارة بوش على تنفيذها منذ الاحتلال وحتى الآن.

إنّ الذي أراد أن يوصله بوش إلى الأمريكيّين وبالذات منتقديه ومعارضه أنّه جاء إلى العراق بقرار منه وهو المسؤول الأول والأخير عنه وأنّ أجهزة استخباراته التي اعتمد معلوماتها في غزو العراق لم تكن صائبة ولكي لا يعترف مباشرة بفشله وإخفاقه وكذبه وبالتقابل قراراته الخاطئة وبكل ما قام بـه من أفعال مشينة فإنّه أراد أن يعوّض عن ذلك ويقول للأمريكيّين والعالم إنّ قراره باحتلال العراق وقتل أهله وتدمير دولته لم يذهب سدى لأنّه حقّق للعراقيّين منجزات (عظيمة) لم يكونوا يحلموا بها وهي بناء دولة وحكومة وبرلمان منتخب وجيش وقوات أمن هي النموذج الذي سيقتدى بـه من قبل جيران العراق وأنّه حارب الإرهاب ودحره وأنهى أسطورة الزرقاوي وجمع شتات العراقييّن ووحّدهم في كيان واحد تحت زعامة تدين بالولاء للولايات المتّحدة الأمريكيّة.

إذن هذا هو النصر الذي تحدّث عنه بوش!! ولم يلتفت فيه إلى ما أحدثه قراره باحتلال العراق وما رافقه من قتل مئات الآلاف واعتقال أضعافهم وتدمير بلد بالكامل وسرقة ثرواته وخيراته وأمواله . إنّ الخطة الوحيدة التي كانت حاضرة في سلوك الإدارة الأمريكيّة في العراق هي تدمير العراق بالكامل وقتل أبنائه وتهجير واغتيال علمائه وجعل العراق بلداً ضعيفاً تتنازعه الصراعات المذهبية والعرقية التي أنتجها الاحتلال وجعلها وكأنها اللون الوحيد الذي يميّز الشعب العراقي عن شعوب المنطقة.

إنّ السؤال الذي يطرح نفسه بشدّة هل إنّ إدارة بوش نجحت فعلاً في تحقيق أهدافها، ومنها النصر المزعوم؟ وما علاقة الانتخابات الحالية بكلّ ذلك؟

والجواب الذي  يزداد وضوحاً في كلّ يوم أكثر من سابقه هو أنّ بوش وإدارته فشلا فشلاً ذريعاً في العراق بتحقيق أيٍّ من أهدافهم ذات الصلة بمصالح الشركات العملاقة رغم أنّهم نجحوا في إزاحة العراق (أقوى قوة عربيّة إسلامية) عن حلبة المواجهة مع الكيان الصهيوني خلال عمليات منظمة للإبادة الجماعية والنوعية لأبنائه وتحطيم كيانه السياسي وبنيته التحتية وجعله كياناً معوقاً تتآكله الشقاقات والخلافات والحرب الأهلية وتهيمن على مقدراته وثرواته فئات ضالة ترتبط بالاحتلال وجاءت معه عدا الهيمنة المطلقة لإيران و(إسرائيل) إضافة إلى قوات الاحتلال الأمريكيّة والبريطانية على حاضر ومستقبل البلاد.

ومن هنا تأتي أهمية إصرار إدارة بوش على تمرير الانتخابات ، كونها آخر ما تبقى في جعبتهم ، رغم أنّ جميع الأطراف ذات العلاقة تعلم أنّها أمام مسرحية هزيلة عقيمة لا علاقة لها بما دعوه كذباً بالديمقراطية.

وهنا تبرز أهمية ما يريده بوش من هذه المسرحية التي سيكون التزوير فيها هو الفيصل والرابح وبما يؤمن للاحتلال بعض ما يبتغيه ولذلك سنجد أمامنا السيناريو التالي بعد مسرحية الانتخابات المتمثل بـ:

أولاً: تزوير النتائج أمريكياً وتقسيم الأصوات بطريقة توافقية لا ترجح كفّة طرف على طرف ثانٍ مع حرص أمريكي واضح على إبراز حصة مميزة لمن أسموهم بالمشاركين السنّة (وهو واحد من أهمّ أهداف هذه المهزلة الانتخابية) ويمكن لنا توقّع النتائج كما يلي باستثناء الأكراد الذين سيكون لهم نسبة قريبة من تلك التي منحت إليهم في مهزلة كانون ثاني 2005:

1 - كتلة إياد علاوي العميلة للاحتلال 15 – 20 % من مجموع الأصوات (بالتزوير).

2 - كتلة الائتلاف العميلة للاحتلال ولإيران 25–30 %من مجموع الأصوات (بالتزوير).. وبدعم من التيار الصدري.

3 - كتلة التوافق العميلة للاحتلال 10 – 15 % من مجموع الأصوات.

4 - كتلة أحمد الجلبي العميلة للاحتلال 5– 10% من مجموع الأصوات.

5 - كتلة صالح المطلق المتوافقة مع الاحتلال 5-8% من مجموع الأصوات.

أمّا بقية الكتل فإنّها لن تحصل في أحسن الأحوال إلاّ على أقلّ من 5%، إضافة إلى توزيع 45 مقعداً بما يضمن تحقيق أهداف الاحتلال...!!

وإذا أسّسنا على هذه التوقعات فهذا يعني أنّ أيّاً من هذه الأطراف لا تشكّل أغلبية في المجلس النيابي وكذلك فإنّ عليها أن تأتلف مع كتل أخرى وسيكون للأكراد نصيبهم الأوفر في تحديد شكل أيّ ائتلاف محتمل.

ثانياً: ميل واضح نحو العميل إياد علاوي لتكليفه شخصياً لتأليف الحكومة باعتباره أفضل السيئين في أنظار قسم مهم من الشعب العراقي لاسيّما بعد التجربة المريرة والقاسية التي عاشوها مع حكومة المجرم إبراهيم الأشيقر ومن خلفه عبد العزيز الحكيم وما تعرّض لـه كثر من العراقييّن من ألوان القتل والاعتقال والتعذيب الذي فاحت روائحه الكريهة واضطر حتى الأمريكان رغم كلّ جرائمهم المشابهة إلى استنكاره رغم إنّ الطرفين يعملان في صيغة توافق لإيذاء العراقييّن واختيار علاوي لكونه عميلاً مخضرماً وشيعياً علمانياً.

ثالثاً: سيتم إعادة رسم لخارطة الاستحواذ على المناصب (رغم أنّ غالبيتها مناصب صورية) لاسيّما منصب رئيس الدولة ورئيس مجلس النواب بين ممثلي القائمة الكرديّة  والقوائم السنيّة.

رابعاً: لم يحصل العملاء المجرمون في قائمة الائتلاف على الحصة التي يتمنوها مثلما حصلوا عليها في مسرحية الانتخابات السابقة ولذلك سيتحولون إلى خصم لدود للحكومة المنصّبة وسيعملون على إفشالها بكلّ الوسائل لاسيّما بكشف الفظائع والمشاكل الأمنية وأعمال الإرهاب مثل السيارات المخففة والاغتيالات والمداهمات وعمليات الخطف التي يمارسونها الآن في الإطار الرسمي عبر وزارتي الداخلية والدفاع والأجهزة الأمنية الأخرى.

خامساً: سيكشف تيار الصدر جانباً أكبر من علاقته بإيران وسيعمل سراً بشكل توافقي مع مكونات قائمة الائتلاف وستحاول جماعة هذا التيار دفع بعض من تشكيلهم للانخراط في حكومة علاوي أي أنّ التيار الصدري سيتوزع بين مجموعتين من هذا التيار للجهاد ، وكلّ هذه المواقف تتمّ بوحي ودفع من إيران.

سادساً: ستتشكل حكومة ائتلافية عبر عملية قيصرية ليست بالسهلة وسيغلب عليها طابع الشرذمة والضعف لأنّ كلّ طرف فيها يريد أن يغنّي على ليلاه ولكنّهم جميعاً سيلتقون عند نقطة مهمة هي خدمة المحتلين.

سابعاً: الانتخابات وما سيفرز منها فشل آخر للاحتلال وخسارة للشعب العراقي إلاّ أنّ الإدارة الأمريكيّة ستستغلها لإنجاز حلقة مهمة من مخطط الاحتلال وهي تكبيل العراق بسلسلة من الاتفاقيات المجحفة لا سيّما في مجال الهيمنة على الثروات النفطية والمعدنية وإنشاء القواعد العسكريّة والاتفاقيات الأمنية المهنية التي ستصاغ بطريقة ملزمة لأيّ وضع عراقي قادم.

ثامناً: إنّ ضعف الحكومة سيؤدي إلى فشلها وستكون عبئاً على الاحتلال الذي سيحاول أن يقلّل من مواجهته للشعب العراقي ويتلافى ضربات المقاومة وسيعمل على إيجاد قنوات تفتح لـه باب الحوار مع المقاومة مباشرة أو قبوله بالمبادرة التي أعلنها د. خير الدين حسيب والتي تبناها المؤتمر القومي العربي وأطلقوا عليها مبادرة الاستقلال وهناك احتمال كبير أن يميل الأمريكان إلى هذه المبادرة لأنّها أهون الشرّين بالنسبة لهم ولأنّها لن تسبّب لهم إحراجاً كبيراً مثلما يمكن أن تسبّب المفاوضات المباشرة مع السيّد الرئيس صدام حسين باعتباره هو من سيمثّل المقاومة.

تاسعاً: سيجد بوش وإدارته أنفسهم مضطرين للاعتراف بخطئهم وأنّ عليهم الانسحاب من العراق لأنّهم (علناً) أنجزوا المهمات، و(سراً) لن يتحمّلوا الخسائر البشرية والماديّة واستمرار الضغوط داخل الولايات المتّحدة وخارجها وإنّ تصريحات بوش الأخيرة عن أنّ عدوانه على العراق بني على معلومات استخبارية خاطئة هي مقدمة وتمهيد للاعتراف ثمّ الانسحاب من العراق.

عاشراً: إنّ انسحاب قوات الاحتلال سيسبقها هروب العملاء والجواسيس ومن جاء خلف الدبابات الأمريكيّة، أمّا الشخصيات والكيانات التي ادّعت أنّها ضدّ الاحتلال ولكنّها انخرطت مع لعبته السياسية فسيكون وضعها صعباً إن لم تثبت مصداقيتها  عبر مواقف وطنية سليمة تزيل عنها الشكوك والريبة وإلاّ فإنّها ستكون في قفص الاتهام شانها شأن كلّ القوى والكيانات العميلة الخائنة.

حادي عشر- ستكون فترة الستة أشهر القادمة أصعب وأخطر الفترات في تاريخ العراق ولاسيّما في زمن الاحتلال البغيض، وستشهد أحداثاً جلل وأوضاعاً بالغة الصعوبة لاسيّما على المحتلين وعملائهم ، إلاّ أنّها ستكون بداية اندحار المعتدي وتحرير العراق على يد أبنائه أبطال المقاومة الوطنية. وأياً كانت المتغيرات فإنّ لا خيار أنجح وأضمن لإنهاء أوضاع العراق الصعبة غير استمرار المقاومة وزيادة فاعليتها وهذا ما يحدث بالفعل وبما سيؤدّي إلى تحقيق النصر المؤزر القريب إنشاء الله.