عبدة الشيطان في أبو غريب

بقلم: إدوارد سباناس *

Edward Spannaus

تحاول وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) في معركة قانونية تجري حاليا في المحكمة الفدرالية في نيويورك وقف الكشف عن المزيد من الصور وأشرطة الفيديو التي تحتوي على مزيدٍ من الإهانات والتعذيب لسجناء أبو غريب. يتعلق الموضوع بدعوى رفعها الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية (American Civil Liberties Union -ACLU) ومنظمة أطباء من اجل حقوق الإنسان (Physicians for Human Rights) وجمعية المحاربين القدامى من اجل الحس العام (Veterans for Common Sense) وغيرهم من المنظمات. تطالب الدعوى بالكشف عن 87 صورة وأربعة أشرطة فيديو يعتقد أنها تتضمن صور اغتصاب ولواط وأفعال أخرى أكثر بشاعة مما تم الكشف عنه لحد الآن.

السؤال المطروح هو ما هي العلاقة بين هذا والتقارير التي استلمتها مجلة (إكزكتف إنتلجنس ريفيو) حول أن مجموعة من المسؤولين عن العمليات الخاصة في قاعدة فورت براغ العسكرية (Fort Bragg) ضالعة في ممارسات السحر والشعوذة وبرامج وتجارب "الحرب الذهنية" بالاشتراك مع عناصر تنتمي إلى جماعات عبادة الشيطان؟

"اغتصاب وقتل"

ينبغي أن ينطلق التحقيق في هذه المسألة في ضوء جلسات الشهادة الأخيرة التي عقدت في مجلس الشيوخ، وأيضا في ضوء المقالة التي نشرت في (نيويورك تايمز) بقلم المراسلة التحقيقية جين ماير (Jane Mayer) التي وثقت باستفاضة أكثر أن انتهاكات السجناء و تعذيبهم كانت سياسة متبعة ومقصودة وأنها جاءت بأوامر من أعلى الجهات في وزارة الدفاع، وأن تلك الأفعال قد أدخلت عمداُ إلى العراق، بعد أن جربت في غوانتانامو.

قد يبدو من غير المعقول للقارئ أن يتم الربط بين فضائح التعذيب والشبكات الشيطانية المغتصبة للأطفال التي كانت ترتكب هذه الجرائم في قاعدة (بريسيديو) العسكرية في سان فرانسيسكو أو قاعدة (اوفوت) الجوية في نبراسكا. لكن أمعن النظر في التالي:

حينما أدلى وزير الدفاع دونالد رامسفيلد بشهادته أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ في مايو 2004، حذر هو من أن صور أبو غريب التي لم تكشف بعد أسوء بكثير من تلك التي كشفت حتى الآن، مضيفا أن تلك الصور فيها أفعال "لا يمكن وصفها إلا بالسادية الواضحة، و أنها قاسية و غير إنسانية". عضو مجلس الشيوخ ليندزي غراهام (Lindsey Graham) وهي جمهورية من ولاية ساوث كارولاينا قالت بعد الاستماع لشهادة رامسفيلد: "اننا نتحدث عن اغتصاب و قتل هنا". غيرها من أعضاء الكونغرس الذين بدوا مصدومين و الذين رأوا الصور، قالوا أن الصور فيها سجناء عراة وقد أجبروا على تمثيل وضعيات جنسية مع بعضهم البعض. وقد رسم رئيس قيادة الأركان الأمريكي ريتشارد مايرز صورة قاتمة عن ما قد يحدث إذا تم نشر هذه الصور والأفلام. قال مايرز ذلك في شهادة خطية قدمت الشهر الماضي في قضية "الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية" ولم يكشف النقاب عنها إلا مؤخرا. حسب أقوال مايرز قد يؤدي الكشف عن تلك الصور رسميا "قد يشكل خطرا واضحا وجديا للتحريض على العنف وحدوث أعمال عنف ضد القوات الأمريكية وقوى التحالف... وقد يؤدي ذلك إلى تزايد تجنيد الإرهابيين".

وأضاف مايرز: "سيتم تصوير هذه المشاهد وكأنها جزء من مما يزعم أنها حملة أمريكية مستمرة لإذلال المسلمين".

والآن استمع لما قاله الكاتب الصحفي سيمور هيرش، الذي كان أول من كشف عن قصة أبو غريب في ابريل 2004، والذي قال التالي أثناء ندوة للاتحاد الأمريكي للحريات المدنية:

"بعض أسوأ الأمور التي حصلت لا تعرفون عنها شيئا، طيب؟ أفلام فيديو، هناك نساء في تلك الأفلام. ربما قرأ البعض منكم أنهن يسربن رسائل إلى خارج السجن، إلى أزواجهن. هذا في أبو غريب.. النساء كن يسربن رسائل يقلن فيها "أرجوكم تعالوا واقتلوني، بسبب ما حصل"، وفي الواقع ما حصل هو أن أولئك النساء الذين قد اعتقلن مع صبيان، وفي بعض الحالات أطفال، في بعض الحالات المسجلة. لقد مورس مع الصبية اللواط في نفس الوقت الذي كانت فيه الكاميرا تسجل. والأسوأ من هذا هو سماع تسجيل صوت صراخ الصبية وهذا في حوزة حكومتكم. أنهم في رعبٍ تام".

إضافة إلى ذلك أدلى أحد السجناء السابقين في أبو غريب بأقوال إلى احد المحققين الأمريكيين من الجيش يشرح فيها بالتفصيل اغتصاب احد الجنود الأمريكيين لصبي سجين في أبو غريب، ووصف أشكال أخرى من الانتهاك ضد الأطفال هناك.

قد يسأل القارئ نفسه الآن: "كيف يمكن أن يتورط جنود أمريكيون في أعمال شنيعة كهذه".

"البقاء، المراوغة، المقاومة، الهرب"

بالرغم من أن مقالة جاين ماير لا تتطرق إلى أسئلة عميقة كهذه، إلا أنها في مقالتها المطبوعة في (نيويورك تايمز) في 11 مايو بعنوان "التجربة" تقدم عرضا مقنعا بأن التقنيات المستعملة لإذلال السجناء جنسياً ودينياً، وأيضاً أكثر التقنيات المستعملة في غوانتانامو وأبو غريب، كانت قد طورت من قبل علماء في السلوك وغيرهم من المرتبطين بالجيش الأمريكي، وأن طرقا مثل هذه تستخدم بشكل منتظم في تدريب أفراد الجيش لمقاومة التحقيق في حال أسروا من قبل قوة عدوة.

بعث رامسفيلد الجنرال جيفري ميلر (Geoffrey Miller) ليتولى قيادة معتقل غوانتانامو في نوفمبر 2002، لأن رامسفيلد كان يعتقد إن القائد الأسبق لم يحصل على نتائج جيدة في التحقيق. ميلر، الذي يقال انه جزء من جماعة "مقوسي الملاعق" (ممارسي الشعوذة والممارسات الباطنية) كما انه صنو فكري للجنرال وليام بويكن (William Boykin) الحاقد على الإسلام، كان هو الذي بدأ سياسة إعطاء دور للأخصائيين النفسيين وأطباء الأعصاب في المساعدة في التحقيقات، وذلك كجزء من "فريق مستشاري علم السلوك" (Behavioral Science Consultation Teams -BSCT) الذي ينعت باسم "بسكويت" أيضا. يعمل برنامج "البسكويت" تحت إشراف الاستخبارات العسكرية و كثير من أعضائه خضعوا إلى برنامج "البقاء، المراوغة، المقاومة والهرب" (Survival، Evasion، Resistance، and Escape- SERE ) ويتضمن تعريض الخاضعين للتدريب إلى درجات حرارة قصوى وحرمان النواحي الحسية ومن ذلك احتجازهم في غرف ضيقة جدا وتعريضهم للأصوات العالية والإحراج والإذلال الجنسي، وأيضا ما يسمى "الحيرة الدينية" ويشمل ذلك تدنيس الكتاب المقدس أمام أعينهم.

بعد فترة وجيزة من وصول ميلر إلى غوانتانامو، أثار موظفو مكتب المباحث الفيدرالي (أف بي آي) المعينون في غوانتانامو جملة اعتراضات ضد استخدام تقنيات برنامج (SERE) في عمليات التحقيق مع السجناء، وقاموا بإبداء قلقهم من ذلك أمام ميلر شخصيا، وذلك حسب وثائق كشف عنها في الدعوى القضائية للاتحاد الأمريكي للحريات المدنية.

في أواخر شهر أغسطس 2003 بعث وكيل وزارة الدفاع الأمريكية ستيفن كامبون ومساعده بويكن، ميلر إلى العراق. زار ميلر في أبو غريب فرقة "الصيد والقتل" المعروفة باسم "القوة الخاصة 20". كانت مهمة ميلر "غوانتنمة" مراكز الاعتقال والتحقيق في العراق (جعلها مثل غوانتانامو). كما وصف ميلر بنفسه في التقرير الذي يلخص زيارته إلى العراق فإنه ذهب "ليناقش قدرة العمليات الحربية في استغلال المعتقلين بسرعة لصالح عمليات الاستخبارات". من توصياته المعروفة هي استخدام عمليات الاعتقال (مثلاً استعمال شرطة عسكرية كحراس سجون) "لتهيئة ظروف تحقيقات ناجحة". ومما هو غير معروف جيدا هو أن ميلر أيضاً أوصى بالاستفادة من فريق مستشاري علم السلوك (فريق البسكويت) "للمساعدة في تعزيز عمليات التحقي". ويشرح ميلر هذا الأمر قائلاً: "الفرق هذه المتكونة من أطباء نفسيين والعصبيين الخبيرين في علم السلوك تلعب دورا أساسيا في تطوير استراتيجيات تحقيق موحدة وفي تقييم إنتاج المعلومات الاستخبارية من التحقيقات".

"هندسة معكوسة"

حسب قول جين ماير الصحفية في (نيويورك تايمز) فإن برنامج (SERE) ومقره في مدرسة (جون أف كندي الحربية الخاصة) في (فورت براغ)، كما يشرف على برنامج التدريب خبراء نفسيين والعاملين في حقل علم السلوك الذين يحتفظون بتسجيلات ووثائق دقيقة لجميع ردود فعل المتدربين ومستوى الضغط النفسي لديهم. ولأن المقصود من البرنامج هو تعريض الخاضعين للتدريب إلى أقصى قدر من القلق من أجل أن يسلحوهم لمقاومة التحقيق و التعذيب فإن البرنامج كما تقول ماير "هو مستودع للمعرفة عن الطرق الإجبارية للتحقيق". وتكمل ماير: "لقد تعلم خبراء برنامج (SERE) أن إحدى الطرق الفعالة لإثارة القلق الحاد هي خلق بيئة من الحيرة الكاملة: إذ تغطى رؤوس الخاضعين للتدريب بالأكياس ويتم قطع فترات نومهم بشكل مستمر ويتم تجويعهم لفترات طويلة وتخلع عنهم ثيابهم ويتم تعريضهم لدرجات حرارية قصوى" وهكذا دواليك.

إذا كان أسير حربٍ "يحاول تفادي الاعتراف بالأسرار أمام محققي العدو فإنه من الاحتمالات الضعيفة جداً أن يستطيع المقاومة إذا حرم من النوم أو يصارع من اجل تفادي الآلام الشديدة." أو حسب قول ماير في مقابلة موجودة على صفحة (النيويوركر) تقول فيها: "قبل 11 سبتمبر كان كثير من أولئك الخبراء في علم السلوك (الموجودون في غوانتانامو الآن) منتسبين إلى مدارس برنامج (SERE) حيث كانوا يستعملون علمهم في تدريب الجنود الأمريكيين لمقاومة تحقيقات عنيفة. لكن منذ 11 سبتمبر أبلغتني مصادر مختلفة أن علماء السلوك بدأوا "عكس الهندسة" فبدلا من أن يعلموا أسلوب مقاومة محققي العدو في الأسر، بدأوا باستعمال مهارتهم للتغلب على مقاومة السجناء الموقفين عند الأمريكيين".

أحد من أولئك المذكورين في مقابلة ماير، والذي كان يلعب دورا مهما في غوانتانامو هو الكولونيل مورغان بانكس (Col. Morgan Bank) مدير دائرة التطبيقات النفسية (Psychological Applications Directorate) في قيادة العمليات الخاصة للجيش الأمريكي (Army Special Operations Command) في قاعدة فورت براغ. كان بانكس يوصي بان يكون للخبراء النفسيين العاملين مع فريق مستشاري علم السلوك في غوانتانامو خلفية في برنامج (SERE).

غوانتانامو المختبر

أثناء الجدل المثار حول تقرير مجلة (نيوزويك) عن تدنيس القرآن، كتب فإن أحد الضباط السابقين في الجيش الأمريكي إلى البروفيسور جوان كول (Juan Cole) الذي يدير موقع مضاد للحرب على الانترنيت باسم (Informed Comment) وشرح له تجربته مع مدرسة (SERE) التي كان فيها "معسكر اعتقال" للمحاكاة يتم فيه تدريب أفراد قوات الاستخبارات المضادة والمحققين. كتب الضابط السابق في رسالته: "واحدة من التجارب التي تعلق في الذاكرة أكثر من أي شيء آخر هي لما قام أحد مسؤولي المعسكر برمي الإنجيل على الأرض وبدأ بركله وغير ذلك.. إنها كانت صدمة قوية ولو أن هذا كان فقط في تدريب. إنني لا أشك في صحة قصة تدنيس القرآن ". ويضيف هذا الضابط السابق قائلا: "إني متأكد أنكم يجب أن تدركوا أن غوانتانامو كان يستخدم كمختبر لكل طرق التأثير النفسي لأفراد الاستخبارات المضادة"، ووصف تجربته تلك "بأنها أمر مثير للغثيان". إن الإهانات الجنسية ومنها تعرية المتدربين وجعل نساء يسخرن من حجم الأعضاء التناسلية للرجال هي جزء من التدريب المتقدم لبرنامج (SERE).

(بعد كل ذلك يأتون ويقولون أن المجندة ليندي إنغلاند اخترعت كل ما عملت في سجن أبو غريب من عندها وبمفردها).

وقد بلغ الكاتبة ماير عن طريق أحد المتدربين السابقين في برنامج (SERE) عن طريقة تدريب تدعى "الاغتصاب الزائف"، حيث تقف ضابطة خلف ستار وكأنه يتم اغتصابها، ويتم إبلاغ المتدرب بأنه يستطيع إيقاف عملية الاغتصاب إذا تعاون مع المحققين. يبدوا أنهم في أبو غريب أزالوا الجزء الذي يقول "زائف" من دليل الاغتصاب.

* صدر هذا المقال في مجلة (إكزكتف إنتلجنس ريفيو) العدد الصادر يوم 26 أغسطس 2005