تنويعات على مقام واحد

عوني صادق

كثيرون منا، وكذلك من "الإسرائيليين"، لا يرون في ارييل شارون سوى جنرال، الحرب مهنته والقتل صناعته، ولم يكن ليصبح رجل دولة لولا أن الدولة التي وجد فيها لم تكن يوما غير ثكنة عسكرية يحكمها الجنرالات. لهذا فإنه، كما نراه أحيانا، لا يملك رؤية سياسية، وكل ما يشغله احتفاظه بالسلطة. ومع أن الصورة فيها كل ذلك، فإنها لا تنفي وجود رؤية سياسية لديه، أصبحت أكثر وضوحا في السنوات الأخيرة.

وإذا كان شارون قد عرف بعنصريته وبتطرفه الايديولوجي، فهو لم يكن دائما في يمين الخريطة السياسية "الإسرائيلية" بل معروف أنه بدأ مع حزب (مباي). أما ما تميز به من حب للقتل والإجرام، فهذه صفة مشتركة بين قادة أثبتوا كلهم أنهم مجرمون. وفي دولة- مستوطنة، قامت في الأصل على العدوان والاغتصاب وإلغاء الآخر من قبل أن تقوم، لا بد أن تكون متطرفا قاتلا ومجرما، إذا كنت تريد أن تكون قائدا أو زعيما، من هذه الناحية لا يختلف شارون عن كل الذين سبقوه إلى هرم السلطة في هذا الكيان بدءا من بن غوريون ولن يختلف عمن سيأتون بعده، حتى شارون لم ينف هذه الصفات عن نفسه، ولكنه ادعى مؤخرا أنه تغير!

وفي مقال كتبه عوفر شيلح في (يديعوت أحرونوت- 30/11/2005)، وجه الأنظار إلى ظاهرة جديدة هي حلول قادة الجهاز الأمني (الشاباك) محل قادة الجيش كنخبة قيادية جديدة. وتساءل شيلح عن سبب هذه الظاهرة، ووجده في أن "الإسرائيليين" أصبحوا يعتقدون أن قادة (الشاباك) في (عصر الإرهاب) أصبحوا يعرفون أكثر كيف يقاتلون الفلسطينيين! في الوقت نفسه، أظهر كتاب جديد وضعه الصحافي شلومو ألدار، بعنوان "غزة كالموت"، أن "الإسرائيليين" لا يعرفون، ويفضلون ألا يعرفوا شيئا عن الفلسطينيين في قطاع غزة، وتهيمن العقلية والاعتبارات العسكرية على تفكيرهم، وذلك "بدافع الرغبة في التعامي عن رؤية الطرف الآخر، وبسبب كونهم ضحايا التعمية والمغالطة المقصودة من قبل صناع القرار"من العسكريين (راجع "الخليج"  18/10/2005).

ومنذ إلقائه خطابه في مؤتمر هرتسليا، في شهر أيار/مايو ،2003 بدا وكأن شارون يتغير بالفعل، حيث أعلن في هذا المؤتمر عن خطته التي سماها “فك الارتباط عن غزة”. وهذا المشروع لم يكن من اختراعه الخاص، بل محصلة لكل الجهود النظرية والعملية التي شاركت في بلورتها، بعد حرب حزيران/يونيو 1967، العقول "الإسرائيلية" من خلال الدراسات الاستراتيجية، السياسية والعسكرية والاجتماعية والسكانية، إلى جانب ما أظهرته سنوات المواجهة مع الفلسطينيين من حقائق عبر انتفاضتين مجيدتين، وما تركته من دروس. وقد جاءت التطورات التي تلت تنفيذ الخطة، وما حملته من تداعيات على الخريطة السياسية "الإسرائيلية"، بعد اختيار عمير بيرتس رئيسا "لحزب العمل"، ثم انشقاق شارون عن "الليكود"، وتشكيله لحزبه الجديد "كاديما"  (إلى الأمام)، وتقديم انتخابات "الكنيست".. مضافا إليها التصريحات التي صدرت حتى الآن عن شارون، لتدل على أن شيئا ما تغير في عقل شارون، لكنني أستدرك لأقول إنه ليس تغيرا جوهريا، وإن شارون في ما فعله، وما يمكن أن يفعله إن احتفظ برئاسة الحكومة، لم ولن يتجاوز الأفكار والمفاهيم الصهيونية القديمة بعد أن يلبسها ثوبا معاصرا، ليحقق للكيان الصهيوني ما سعى إليه قادته منذ إقامته حتى اليوم.

إن ما طرأ على الخريطة الحزبية في الكيان الصهيوني لا يستحق، بالنسبة لنا نحن العرب خاصة الفلسطينيين، جزءا من الضجة التي بدأت تعلو، أو المراهنات الرسمية وغير الرسمية على شارون (الجديد) أو حزبه، أو غيرهما من الأحزاب أو الزعامة الصهيونية. وفي مقال كتبه عوزي بنزيمان في (هآرتس  30/11/2005) حول التطورات الحزبية الأخيرة، قال إن جميع هذه الأحزاب تضع الأقنعة على وجوهها وهي تتجه إلى المنصة، حتى أصبحت "القدرة على التمييز آخذة في التضاؤل". وبعد أن يستعرض برامج حزب شارون الجديد "كاديما"، وحزبه القديم "الليكود"، و"حزب العمل" بزعامة عمير بيرتس، يجدها كلها تتفق على أسس جامعة ثابتة، وهي: القدس الموحدة عاصمة "إسرائيل" الأبدية، ورفض عودة اللاجئين الفلسطينيين، وضم المجمعات الاستيطانية الكبرى في الضفة الغربية، وبعد ذلك لا مانع من قيام (دولة فلسطينية) منزوعة السلاح، بعد القضاء على (الإرهاب ومنظماته)، على ما يراوح بين 42% و45% من الأراضي المحتلة في العام 1967. ولا يرى بنزيمان أن الأحزاب الدينية بعيدة عن هذه الأسس، الأمر الذي يظهر كذبة اليمين واليسار، والديني والعلماني في هذا الكيان العنصري التوسعي.

ومشروع شارون، كما نراه ويراه بعض المحللين الصهاينة، لا يختلف عما يفكر به نتنياهو ولا عما يفكر به بيرتس. والخلاف بين شارون ونتنياهو هو في الشكل. فنتنياهو يرى أن الظروف الدولية تسمح بقيام "إسرائيل الكبرى"، بمفهومها التوراتي بدءا بضم كل الضفة الغربية، بينما يرى شارون أن "إسرائيل الكبرى" لا تحتاج إلى ضم الأراضي بل إلى السيطرة عليها وعلى المنطقة، سياسياً واقتصادياً، والمطلوب "دولة" بأغلبية يهودية، صغيرة وقوية، حليفة للولايات المتحدة، وهو، كما يرى، ما تسمح به الظروف الدولية الراهنة. وكلاهما يبرر ويفسر مواقفه على أساس "أمن إسرائيل". والشيء نفسه يتحدث عنه بيرتس بطريقة مختلفة، هي من ميراث "حزب العمل"، تقحم على الموضوع السلام والتعايش مع الفلسطينيين، وأوسلو وجنيف.. لذلك فإن كل ما نسمعه ليس أكثر من تنويعات على مقام واحد.