تأملات في محاكمة القائد صدام حسين..
بقلم: اسماعيل ابو البندورة *
1 - صدام حسين يتحدى ويولد المعاني القومية
بعد خمسة وثلاثين عاماً من البناء والبذل والنضال والقتال البطولي والارتقاء بمستوى العراق إلى مصاف الدول الكبرى وبناء الإنسان العراقي بناءً وطنياً وقومياً نموذجياً وعملاقاً، وإحباط كل محاولات الاعتداء على كرامة وسيادة العراق وتحرير ثرواته وتأميم نفطه وإشادة البنى التحتية لنهضته، وتهيئة الجيش والشعب تهيئة عقائدية قومية للانتصار على الكيان الصهيوني، ها هو قائد العراق وباني نهضته الحديثة يجدد حضوره ويفرض عالمه ويقف وقفة المؤمن المجاهد صاحب الكرامة ورمز الوفاء والرجولة، لكي يدافع عن كل ذرة كرامة في هذه الأمة أمام عملاء الاحتلال ومرتزقة ايران والكيان الصهيوني.
إنها صورته الحقيقية مناضلاً يهتف للعراق والأمة العربية داخل محكمة العملاء ولا يعبأ بالإعدام والموت إذا كان ذلك طريقاً لتوليد المعاني المطلوبة للصمود والتحدي والثبات والبطولة أمام أبناء الأمة.. انه يعطي الآن درسه الرمزي الجديد والذي تبدأ سطوره الأولى بأن البعث رسالة وموقف وليس سياسة وكلاماً، وان الحياة بطولة والتزامً وليست عبوراً وهامشية، وأن المبادئ تتقدم على الأشخاص، وان الكرامة نهج وليست قناعاً وأن الأخلاق شرط في النضال وليست تدليساً.
إن الموقف الذي يولده القائد المجاهد صدام حسين أمام محكمة عملاء الاحتلال يفتتح عهداً جديداً، وصفحة لابد أن تتعاون على تسطير معانيها وحروفها كل القوى الوطنية والقومية المؤمنة، فصوت صدام حسين ليس صراخاً في البرية ولا يجب ان يكون، وإنما هو استنبات لمواقف ودعوة إلى الصمود في وجه الاحتلال وعملائه، وصدام الآن يتحدث باسم مقاومة بطولية تهزم الأمريكان في العراق ولذلك فأن صوته الهادر هو ترديد لأصداء المعركة البطولية المنتصرة والظافرة، وموقفه الصامد المتحدي يعبر عن روح هذه المقاومة ونسغها وعظمة انجازها.
ويعرف صدام أن المقاومة الظافرة تحتاج إلى تعبيرات قوية مناضلة، وهو يعرف هذه المعاني والتعبيرات والكيمياء ويطلقها في وجه من باعوا وطنهم وقعدوا في الحضن الأمريكي المدنس، ويعرف صدام أنه جزء من هذه المعركة التي تخوضها المقاومة الباسلة، ولذلك تراه استشهادياً في أقواله وأفعاله وتعبيراته السياسية.
إنه عالم صدام حسين الذي حاولوا تشويهه وهدمه حتى لا يبقى في الساحة سوى مكبرات صوت الأمريكان وأزلامهم وأبواقهم، ولذلك فان صدام في محاكمته يعيد إنتاج تاريخه النضالي وعالمه البطولي الذي يريد أن يضع أمام أنظار أبناء الأمة كل صور الصمود والتحدي والإباء، ويسعى إلى تقوية القلوب وغرس عزة النفس والكرامة فيها حتى تبقى شجاعة ونابضة بعزة العرب ومجدهم وقوتهم وعنفوانهم.
اننا نقول ان عالم صدام حسين يبدأ من هذه اللحظة الانعطافية حيث يراد للصوت القومي العربي الأصيل أن يغيب، ويراد للعروبة أن تنزاح وتموت، ويراد لأبناء الأمة أن يصبحوا أسرى قطرياتهم، وان يعيشوا في إقامة جبرية دائمة داخل الطوائف والملل والنحل، وأن لا يخرجوا إلى فضاءات القومية والوحدة وعالم صدام حسين لا يكون رحباً وواسعاً إلا إذا وسعناه بتجديد نظراتنا القومية ودفاعنا عنها في زمن الردة هذا، وتمسكنا بخيار المقاومة والنهضة، واندفاعنا في بناء عقلنا العربي بصورة نضالية متجددة متحدية لا تخاف الاستعمار وثقافته وجبروته ولا تلاحق أوهامه وأساطيره ومعطياته، وإنما تخترق مشاريعه وتواجه قوته ومؤامراته بالإرادة والفعل والاعتماد على عنفوان الأمة وقدرتها على توليد كل صور التحدي والمقاومة.
2 - الأمريكان يتساقطون على أسوار بغداد
الأمريكان يهزمون في العراق على الرغم من خطابات بوش الصغير وادعاءاته الفارغة و(استراتيجيته القومية للانتصار في العراق !!) التي وضعتها له مراكز التلاعب بالعقول.
ولا يجوز برأينا أن تبقى هذه الحقيقة (انهزام الأمريكان تحت ضربات المقاومة) جامدة في مكانها ولا يحركها العرب في الاتجاهات التي تخدم حاضرهم وتاريخهم ومستقبلهم السياسي، كما لا يجوز إبقاء هذه الحقيقة مجردة ومادة للتدليس والتلاعب السياسي بيد حفنة من كتاب المارينز وهلوسات الحقبة البوشية، لأن ذلك يعني إدامة اللامبالاة القومية إزاء ما يحدث في العراق العربي، ومواصلة التعمية على المعاني والحقائق، وبقاء الخوف والانبهار والانسحاق أمام أمريكا وعظمتها المصطنعة.
أمريكا تخسر الآن أخلاقياً لأنها اصطنعت الكذب للاعتداء على العراق وقتل الآلاف من مواطنيه وإزاحة نظامه الوطني وتدمير حضارته، وأمريكا تخسر سياسياً لأنها تمارس الكذب والتعمية والتلاعب بالعقول، وتدفن رأسها في الرمال وهي ترى النعوش تتوارد والرايات تحرق في كل الأمكنة والعدد المعلن يتسارع من رقم الألفين وطالع والى المزيد، وأمريكا تخسر عسكرياً وهي تفتقد زمام القرار والمبادرة وتحاصر في البلد المقاوم ويتراكض سفيرها وقائد جيشها في العراق باحثين عن ملاذ بين الكراسي أو تحت الأرجل كما رأيناهم في تكريت.
فماذا تكون الهزيمة إن لم تكن هذه الصور وهذه الحقائق ؟ وماذا بقي لأمريكا في العراق غير الخسران والهزيمة الذليلة واللعنة الدائمة.
3 - استدراك المعاني
المعاني التي نريد أن نولدها ونحن نقرأ وقفة الرئيس الشرعي للعراق أمام المحكمة المفبركة ومعها هزيمة الأمريكان في العراق تتلخص في النقاط التالية:
* صدام حسين رمز للسيادة الوطنية في العراق بموجب الدستور العراقي، ولذلك يكون الدفاع عنه دائماً دفاعاً عن السيادة المهدورة في العراق بفعل العدوان والغزو الأمريكي.
* صدام حسين احد تعبيرات المقاومة الباسلة القوية في العراق، ولذلك نرى الانسجام والتوافق بين المقاومة وتعبيراتها.
* ما يقوله صدام حسين أمام المحكمة لا بد أن يخضع لقراءة واعية من أبناء الأمة، ولا بد من البحث عن المعاني الكبرى في خطابه، فقد أبعد صدام حسين قضيته الشخصية عن القضية الكبرى، وقدم المبادئ على شخصه، وهذا هو طرف الخيط الذي لا بد من الإمساك به لبدء قراءة موضوعية لما يجري والابتعاد عن القراءات الانطباعية.
* صدام حسين يتحدث ويتحدى أمام المحكمة باسم الأمة ومثلها وقيمها الكبرى ولا يتحدث كرئيس لدولة فقد مكانه وصولجانه، ولا بد للأمة من ملاقاة خطابه وموقفه وتحديه بموقف قومي عميق يحرك الأفكار والقوى والعقول.
* هزيمة أمريكا محققة في العراق العربي فإلى متى تبقى الفرجة العربية مستمرة ؟ وفي أي لحظة سيولد الموقف القومي العربي المطلوب؟
* عن صحيفة (المجد) الأردنية