الثواب والعقاب
رشاد أبوشاور/كاتب وروائي من فلسطين المحتلة يقيم في الأردن
عند الامتحان يكرم المرء أو يهان، هذه الحكمة تنطبق علي التلاميذ، والدول، والأحزاب، والأفراد، في جدّهم واجتهادهم...
الله جلّت قدرته وعد المؤمنين بالثواب، والكافرين بالعقاب، ولذا يتصرّف المؤمن الصادق، في كل لحظة، علي أنه في امتحان، فيسلك سلوكاً محموداً للفوز بثواب الدنيا، والآخرة.
الحياة امتحان، هناك من يدرس ويجتهد ويتفوّق، وهناك من يأخذها لامبالاة، ينجح بالغّش، أو على الحافة، فيحصل على مجموع لا يؤهله للدراسات الجامعية لأنها تتطلّب علامات عالية، هؤلاء غالباً يتّكلون على ما يورثه (الآباء) لهم، أو يعيشون بلطجة وصياعةً...
من طلب العلى سهر الليالي، وسهر ليالي يفرق عن سهر ليالي، فهناك من يسهر في الكباريه والبار والمقهى ويقضيها مسخرة، وهناك من يسهر في طلب العلم والمعرفة، أو يحرس الناس وحقوقهم، يخدم من وثقوا به، ولذا يحظي بالثقة والاحترام...
السهر بجّد هو ما منح (حماس) الفوز في الانتخابات البلدية، في المدن، حيث تضعف العشائريّة.
نسبة من أعطوها أصواتهم اقتربت من الـ88% في نابلس والبيرة، من رجال ونساء الشعب الفلسطيني الصابر المضحّي...
هذا الاستفتاء هو ثواب من الشعب الفلسطيني لحماس في عيد تأسيسها الثامن عشر، وقد حقّ لها أن تفرح وتحتفل بعيدين هذا العام، عيد تأسيسها، وعيد فوزها (مبروك).
شعبنا يثيب من لا يفسد حياته، من لا يتطاول على حقوقه، ويعاقب من يشيع الفوضى، ويستأثر بالامتيازات والمال، ويستفرد بالقرار السياسي.
شخصيّاً كمواطن فلسطيني معني ومتابع توقّعت هذه النتيجة، ولو جاءت مغايرة لدهشت، لأن شعباً يضحّي لا يمكن أن يمنح ثقته لمن جرّبهم على مدى 11 سنة منذ (أوسلو) وحتى هذا الخراب الذي لا ينتهي.
حماس نجحت في الفوز بالثواب الفلسطيني لحسن أخلاقها، وممارساتها، وسلوكياتها اليوميّة بين الناس، فبحسب علمي: قادة حماس لا يشتغلون في التجارة، ولا محسوبيّات لهم، وهم لا يمنحون الوظائف والامتيازات للأقارب، لم يطعموا الناس طحيناً مسوّساً مدوّداً، ولا تاجروا بالإسمنت، أبناؤهم لا يديرون شركات بالملايين، ولم يهرّبوا الكفاءات من الوطن، ولا اغتالوا الصحافيين، ولا كمموا الأفواه، ولا قتلوا فلسطينيين تحت التعذيب في السجون.
شعبنا المنصف أثاب من أحسن عمله، فمن يصلهم المال فيعدلون في توزيعه علي المحتاجين، ومن تعيش أسرهم كأسر غيرهم من أبناء شعبهم في المخيمات والأحياء الفقيرة، فازوا متسلّحين بأخلاق حميدة، وبتقدم الصفوف مضحين بحياتهم وأمنهم، وحتى بأسرهم.
خطاب حماس السياسي واضح، وإن شابه ارتباك أحياناً - بسبب الضغوطات الداخليّة والخارجيّة - فإنه يبقى واضحاً ممارسةً وتوجهاً.
قيادة حماس واحدة، داخلاً وخارجاً، متناغمة، متشاورة، وهي قيادة لها هيبة وحضور، فحماس لا (تخلع) قادتها التاريخيين بأسلوب مهين، وقادتها وإن تباينت آراؤهم لا ينقلون خلافاتهم إلى العلن ليستقووا على بعضهم بدعم خارجي!
القيادة لا تؤخذ بالتآمر، أو بالمصادفة، أو بالقوّة - سطوةً، ودعماً من جهات عربيّة رسميّة وغير عربيّة - فالقيادة عطاء، وإبداع، وأخلاق، وحسن سيرة، ونظافة يّد، فإذا ضاعت هذه المعايير، انتهى الدور، وافتقد الاحترام.
الشعب الفلسطيني ليس ساذجاً ليضحك عليه أي مارق، فهو يرى، ويسمع، ويعرف، وهو مجرّب، ويضع علامات لكّل قيادي، أو طامح للقيادة، لكّل تنظيم، واتجاه سياسي، فالأمر لا يتعلّق بجهة واحدة خسرت (صوت) شعبنا بعد طول استحواذ على مقدراته.
ما حدث في الانتخابات البلدية الفلسطينية، من أول جولة حتى الجولة الأخيرة، كان درساً بليغاً لمن يعتبرون (اعتبروا يا أولي الألباب).
لا، لم تفز حماس لأنها وزّعت تمويناً - كما كتب أحد صحافيي فتح - على الجيران، والمحاسيب، فمثل هذا القول ينّم عن سطحيّة، وتهرّب من محاسبة الذات، وهو إهانة لكرامة الشعب الفلسطيني العظيم.
لم تفز حماس (نكاية)، فالشعب الفلسطيني بايع نهجاً وسلوكاً، وهذا ما ينبغي أن تتأمله التنظيمات وفي مقدمتها (فتح) التي هي (السلطة) بما لديها من إمكانيات ماليّة، وتوظيفيّة، وهيمنة!.
الإدارة الأمريكيّة التي صدّعت رؤوسنا بشعار الديمقراطيّة مبتئسة من فوز حماس، فمجلس النوّاب الأمريكي يلوّح بقطع المساعدات الماليّة (التافهة) إذا لم يتّم نبذ المنظمات (الإرهابية). الناطق بلسان الخارجيّة الأمريكيّة شون مكورماك يعلن الأسف لمشاركة حماس في الانتخابات البلدية، أمّا التابع الأوروبي فيعلن بلسان (سولانا) عن احتمال قطع المساعدات عن السلطة إذا ما شاركت المنظمات (الإرهابيّة) التي لا تعترف بـ(إسرائيل) في (قيادة السلطة)!
ألم يعترف (أبو عمار) بـ(إسرائيل)؟ ألم ينتخب ديمقراطيّاً؟.. وكان جزاؤه السّم!!
جورج بوش يكاد يزغرد لأن الانتخابات البرلمانية أجريت في العراق!، ويعتبرها رسالة للنظامين الإيراني والسوري، وعلامة بارزة على "الديمقراطيّة" في "الشرق الأوسط"!...
قوائم الانتخابات العراقية تتصدّرها المنظمات والأحزاب المدعومة، والممولة إيرانيّاً: (المجلس الأعلى للثورة الإسلامية)، و(حزب الدعوة)، فلماذا في العراق لا مشكلة مع غلاة الطائفيين، وفي فلسطين حماس والجهاد وكتائب الأقصى، وأبو على مصطفى، والناصر صلاح الدين، وكل من يقاوم.. يعتبر إرهابيّاً؟!
صناديق الاقتراع الفلسطينية في الانتخابات البلدية عبّرت عن إرادة ومصلحة فلسطينيّة، ووعي لا يمكن استمرار التلاعب به، وهو ما سيحدث في الانتخابات التشريعيّة القادمة إن جرت في موعدها، ولم تؤجّل لأسباب غير خافية، شعبنا لن ينتخب من يريدون فرضهم، من أعدّوهم، ودرّبوهم، ويمولونهم...
لا، لم تفز حماس بسبب خلافات داخلية تعصف بفتح، ولكن لأسباب كثيرة، فلتراجع قيادات وأطر فتح المسيرة، على الأقل منذ (أوسلو) و.. التماهي في السلطة بحيث صارت فتح والسلطة شيئاً واحداً، فالنقد والنقد الذاتي والمراجعة، والجلوس مع النفس، والمساءلة، وسماع رأي قواعد الحركة، والشعب، هي نقطة انطلاق فتح للعودة إلى دور أسسته بالريادة، ورفع راية فلسطين، وبروز القادة في الميدان، والتواضع، وخدمة الأهداف النبيلة...
(فتح) لن تتغيّر بسياسة (خلع) الآباء التي يعلنها (شباب) يظنّون أن صراع الأجيال يعوّض عن إضاعة الخّط السياسي - قّم حتى أجلس على الكرسي - والبناء التنظيمي، والعلاقة الصحّية بالجماهير.
وسامة الشباب وحيويّتهم قد تنفع في السينما والتلفزيون، ولكن الشعب الفلسطيني لا يبحث عن نجوم لأفلام ومسلسلات، فهو بحاجة لقادة، فبرنامجه ليس البحث عن (سوبر ستار)، ولكنه مقاومة لتحرير وطن...