رئيس بلا فضيلة

رشاد أبو شاور/كاتب وروائي من فلسطين المحتلة يقيم في الأردن

الاعتراف بالخطأ فضيلة

هذا مبدأ أخلاقي راسخ في حياة الشعوب والأمم على اختلاف أجنساها، وأدياناها، وحتّى ثقافاتها.

والسبب أن الإنسان خطّاء، يدرك خطأه إن وجد من يردعه وينهاه، إن بالقوانين الوضعيّة، أو لنواه داخلية، دينيّة، أو تربويّة، أو اجتماعية متعارف عليها..

الاعتراف بالخطأ من قبل أولي الأمر هّام وحيوي لأنه يحمي الحاكم، ويمنحه الاحترام لتراجعه عن الخطأ، ويضعه في مكانة المضحّي من أجل المجتمع، الصادق، لا الأناني المعني بنفسه ومصيره الفردي.

في المواقع الهّامة، القياديّة، يفترض أن يتمتّع (خدم) المجتمع - قادته السياسيون - بالأخلاق العالية، والاستقامة، والنزاهة، فالكذب هو أسوأ الأمراض التي إن استشرت دمّرت، وخرّبت..

كلّما كبر موقع الحاكم كبرت مسئوليته، وتعرّض للوقوع في الخطاء، وازدادت حساسية دوره، وخطورته، لأنّ وقوعه في الخطأ قد يجّر إلى كوارث على بلده، وعلى من يجاور بلده، وعلى العالم بأسره.

هذا ينطبق على الدول الكبرى كما الصغرى، مع الفارق بأن خطأ الولايات المتحدة الأمريكيّة ليس بحجم وفداحة خطأ (دولة) جزر ميكرونيزيا - التي تصوّت دائماً (مع) أمريكا لمصلحة الكيان الصهيوني، في هيئة الأمم_ التي تقع في المحيط، وبالكاد يسمع بها، أو يعرف موقعها الإنسان العادي في هذا العالم!.

خطأ الإدارة الأمريكيّة في العراق، ورئيس أميركا، وطاقمه المكوّن من مجموعة عنصريين متعصبين، بات مفضوحاً جداً على مستوى العالم كلّه، فالحرب شنّت بحجة امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل، وقد ثبت أن العراق بات ضحيّة لأسلحة الدمار الشامل الأمريكيّة التي قصف بها (لتحريره)!..

أوّل من اعترف بالخطأ هو الجنرال كولن باول وزير خارجية أميركا قبل كوندوليسا رايس، ثمّ غسل يديه بتحميل الوزر للمخابرات المركزيّة التي ورطّته بتقاريرها، مع إنه عسكري ويفترّض أنه يعرف جيداً قدرات العراق العسكريّة، وأي دولة في العالم الثالث المتواضع الإمكانيّات والقدرات!.

يوم الأربعاء 14 الجاري،وفي مقابلة أجرتها معه محطّة (فوكس نيوز) أقّر الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن، بأن الحرب على العراق قد استندت إلى معلومات قاصرة قدّمتها أجهزة الاستخبارات!

أضاف رئيس أميركا مخاطباً الشعب الأمريكي:

صحيح أن كثيراً من المعلومات الاستخباريّة تبيّن أنها خاطئة، وكرئيس للبلاد فإنني مسؤول عن تصحيح الخطأ الذي وقع من خلال إصلاح قدرات أجهزة مخابراتنا، وذلك هو ما نفعله بالضبط..

إصلاح الخطأ الذي اقترف في العراق لن يكون بالانسحاب منه، والتعويض على شعبه، والاعتذار من قيادته وفي مقدمتها الرئيس الشرعي الأسير صدّام حسين، والاعتذار للعالم الذي خدع، وخوّف، وللشعب الأمريكي على الخسائر الأخلاقيّة، والبشريّة، والماليّة التي استهلكتها الحرب المتواصلة.. لا.. الرئيس وإدارته فقط سيعملون على إصلاح الأجهزة الاستخباريّة، أمّا البقاء في العراق، ومواصلة الحرب، ومبرراتها فهي مشروعة برأي بوش لأنها ضّد صدّام حسين!

ولكن لماذا ضد صدّام حسين؟!

تبريراً لنهب النفط العراقي، وحماية الكيان الصهيوني، والهيمنة على الشرق الوسط كلّه، وتفتيه أكثر مّما هو مفتت!

الرئيس الأمريكي اعترف بجزء من الحقيقة، ثمّ التفّ عليها، وزوّرها، وهو من جديد يقوم بتضليل كّل العالم، وفي مقدمته الشعب الأمريكي الذي يموت أبناؤه يوميّاً في العراق!..

الاعتراف بالخطأ فضيلة!.. هذا صحيح، ولكن إن تحمّل من يتعرف بالخطأ أخلاقيّاً، وماديّاً، تبعات ما ارتكب من خطأ هو في حالة عدوان أمريكا على العراق : جريمة وحشية..

الرئيس الأمريكي يقّر بالخطأ ثمّ يتهرّب من المسؤوليّة، بل إنه يريد من الشعب الأمريكي، ومن العالم أن يصفّق له، لأنه أسقط نظام الرئيس صدّام حسين!

ماذا نسمّي هذا المنطق المعوّج؟!

يدمّر بلداً، ويعيده إلى عصر ما قبل الصناعة، ويتسبب في تفكيكه، وينحّط به إلى انفلات طائفي، ويتسبب في قتل عشرات الألوف (اعترف بقتل ثلاثين ألف عراقي فقط ..منذ شنّت الحرب الاحتلالية.. وهذا رقم كاذب، فقتلى العراق بعشرات الألوف).

القتل، والتضليل، والكذب.. من صفات الإدارة الأمريكيّة البوشيّة، ومكوّن رئيس لسياساتها في العراق، وفلسطين، والعالم، ومع هكذا إدارة لا تلتقي الفضيلة إلاّ أمام العدالة التي ستقتّص منها بحكم ينهي شرّها، وينصف ضحاياها..