انتخبوا...

رشاد أبو شاور/كاتب وروائي من فلسطين المحتلة يقيم في الأردن

عندما تنشر هذه المقالة تكون المعركة الانتخابيّة في العراق قد احتدمت، وربّما بدأت نتائجها المعروفة سلفاً بالظهور.

يقال: المكتوب يقرأ من عنوانه، وهذا ينطبق على الانتخابات العراقيّة في زمن الديمقراطيّة، فنجوم المعركة هم من حضروا في ظلال الطائرات، والدبابات، وبعد (رشقات) الصواريخ المدمّرة، والأسلحة (الغامضة) التي سمعنا عن استخدامها في معركة احتلال بغداد، ولاسيّما معركة المطار، حيث روى لنا من كان قريباً منها كيف تفحّمت الأجساد، وصهرت الآليات العسكريّة بحيث صارت وكأنها لم تكن. فيما بعد سمعنا عن الفوسفور الأبيض الذي فضح سرّه صحافيون طليان شرفاء.

الانتخابات العراقيّة تأتي مباشرة بعد الانتخابات الديمقراطيّة المصريّة التي تفوّق فيها الحزب الحاكم بـ: سرقة صناديق الاقتراع، القتل بالرصاص والجنازير، زّج بعض المرشحين والداعمين لهم في السجن، منع الجماهير من (اقتحام) مراكز الاقتراع المحاصرة برجال أمن أشدّاء مهمتهم حماية الصناديق من تدفّق جماهير تريد أن تنتخب دون رشوة أو تخويف.

لقد اضطرّت جماهير (كفر الشيخ) أن تتسلّق السلالم لتقتحم مراكز الانتخابات، وهي بهذا ذكّرتنا بأغنية ليلى نظمي: العتبة قزاز والسلّم نايلون في نايلون / والعتبة قزاز

وما كان من رجال الأمن إلاّ أن انقضّوا على الجموع المندفعة للتصويت و..الاستيلاء على السلالم، فحصون الصناديق عليها حرّاس أشدّاء درّبوا على صون قلاع الديمقراطيّة من (الدهماء) التي لم تبع أصواتها في الدنيا بثمن بخس مؤّملة بثواب قريب هو نجاح المؤتمنين على تلك الأصوات..

انتخابات العراق - هل نذكّر بأنه محتل أمريكياً، و"موساديّاً"؟ - تجري في أجواء فيها إضافة جديدة للديمقراطية المصريّة المسكوت عنها أمريكيّاً.

الأغاني في الهوسة العراقيّة مختلفة، فهي ليست في مديح وتبجيل السيّد الرئيس، ولكنها ذوبان في "السيّد" علي! و"السيّد" علي هذا هو "آية الله روح الله" علي السيستاني.

تأملوا كلمات هذه الأغنية التي تبثها فضائية عراقية موغلة في الطائفية، مختصّــة بالتحريض علي الفلسطينيين بخاصة، والعرب بعامة:

كلّ الشعب ويّاك يا سيّد علي

ضاع الشعب لولاك يا سيّد علي

صنت الوطن والدين

باسم الحسن وحسين

نتمسّك بفتواك يا سيّد علي

كّل الشعب ويّاك يا سيّد علي

ضاع الوطن لولاك يا سيّد علي

نقسم وحق عيناك يا سيّد علي..الخ

هذه الأغنية تستدرجنا لمناقشتها: هل صحيح أن كّل الشعب ويّا "السيّد" علي؟ وهل كان الوطن الذي هو العراق سيضيع لولا السيّد علي؟ وهل حقّاً السيّد علي حامي الوطن والدين؟

الشعب العراقي على وشك السقوط في جحيم الحرب الأهليّة الطائفيّة - وهذا هو ما حذّر منه علاّوي "أوّل رئيس وزراء" في زمن الاحتلال - وهذا يعني أن "السيّد" علي لم يصن الوطن، وأن الدين لم يعد يجمع عرب العراق بعد أن أيّد بعضهم الاحتلال ورحّب به، وعمليّاً انحاز له، ونفور بعضهم للمقاومة كما يليق بالناس الأحرار الغياري على وطنهم ودينهم..

شخصيّاً لست متأكداً من أن من ألف، ولحّن، وغنّى - تغنيها مجموعة - هذه الأغنية، قد أسمعها "للسيّد" علي، فالرجل لا يسمع الراديو، ولا يشاهد التلفزيون، وأحسب أنه لا يحّب الموسيقى كلاسيكيّة كانت أو حداثيّة، أو عربيّة، فلمن تبّث هذه الأغنية في هذه الحالة يا "سيّد" علي؟!

إنها أغنية تحريضيّة للذهاب لصناديق الانتخابات، فهي تخصّ شريحة بعينها، ولا نقول طائفة، فعلاّوي الذي تعرّض للاغتيال، والذي يحذّر من انفجار الشّر الذي لا شبيه له.. هو من نفس الطائفة، ولكنه غير منسجم مع المخططات الإيرانيّة كما جماعة (بدر) و(حزب الدعوة)، ناهيك عن الإيرانيين الذين يدخلون إلى العراق بدون تصاريح أو إقامات ليعيثوا في العراق متناغمين مع الأطراف التي همّها إنهاء عروبة العراق ووحدته أرضاً وشعباً..

في الجلسة الرابعة لمحاكمة الرئيس الأسير صدّام حسين، وضعت امرأة - الصوت غير واضح إن كان صوت امرأة أو رجل - وراء ستارة للإدلاء بشهادة في ما يسمّى بقضية (الدجيل)، فكان أن بدأت، أو بدأ بـ: من ترتفع راية علي تنتكس كّل الرايات..

عن أي علي يحكي ذلك الصوت؟!

عن سيدنا علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه، رجل الحق والبيان، ابن عّم الرسول العربي الكريم (ص)، وزوج ابنته الأحب إلى قلبه فاطمة، صاحب نهج البلاغة، فتى الإسلام، أم عن "السيّد" علي السيستاني؟!

ألم يمر، أو تمّر، صاحب الصوت من تحت العلم الأمريكي للدخول إلى قاعة المحكمة؟ ألم يمر، أو تمّر، من تحت نظرات جنود المارينز الأمريكان المحتلين، فأين هي راية علي التي إن ارتفعت انتكست كّل الرايات؟

هل انتكس العلم الأمريكي بنجومه أمام راية علي؟!

راية علي هي راية الحق والعدل ونهج البلاغة بعربيته الفصحي، هي راية الاستشهاد في (كربلاء)، فهل هذه هي الراية المرفوعة حاليّاً في العراق يا من أحضرتم شهوداً مجهولين، حجبتموهم وراء ستار، وغيّرتم أصواتهم، وعبثتم في عقولهم، وضمائرهم؟

التزوير، والتغييب، والنبذ، ونشر الخوف، والقهر، وسرقة وطن وتمزيقه هي بعض عناوين معركة انتخابات العراق في زمن الاحتلال الأمريكي الصهيوني، والعبث الإيراني..

بمناسبة الانتخابات العراقيّة تنشر في الصحافة الأردنيّة صور ملوّنة، وإعلانات مكلفة، تدعو لانتخاب هذه القائمة، أو تلك، هذا المرشّح أو ذاك، وهي موجّهة لمئات ألوف العراقيين المتواجدين - قل الهاربين من ديمقراطية زمن الاحتلال - بأنفسهم، وأسرهم، وأموالهم، للعيش بأمان في الأردن بعيداً عن وطن السيّد علي!

من أين لهؤلاء المرشحين المال المبذول في هذه الحملة الانتخابيّة؟! طبعاً كلّهم (عادوا) للعراق مع الدبابات و.. المليارات التي نهبت لهم فيها نصيب، وهم من هذه الأموال المنهوبة يروّجون لأنفسهم واعدين العراقيين بأنهم سينشرون العدل..

أحدهم دعايته تقول: "عراقي لكّل العراقيين، رجل المرحلة والمستقبل"!..

آخر يكتفي بكلمة: "انتخبوا".. ويده مرفوعة، مهيمنة الحركة كأنها تبسط على رؤوس كّل العراقيين، إنه يبدو نابليون أو الفوهرر.. وهو متهّم بشويّة مليارات، وهارب حتى الآن!

انتخبوا أيها العراقيون: طائفيّون يمّزقون ملصقات أية قائمة أخرى كما يمزّقون وحدة العراق، انتخبوا: من اقتحم بغداد وراء الدبابات، فهو سيحرث أرضكم ويزرعها خراباً. انتخبوا..

أيها العراقيون: الاحتلال خبرتموه، وعملاؤه دمّروا أمنكم، وسرقوا رغيف خبزكم، وبددوا ثروة بلدكم، فليس لكم والله سوى راية المقاومة، فانتخبوا العراق المقاوم قبل أن يضيّع هؤلاء السفهاء ما تبقّى منه..