أهذه هي "محاكمة العصر"؟
* بقلم: رشاد أبو شاور/كاتب وروائي من فلسطين المحتلة يقيم في الأردن
أرادوا لمحاكمة الرئيس الأسير صدّام حسين أن تكون حدثا بحيث تبرر احتلال أمريكا للعراق، وتغطّي على جرائم الحرب التي اقترفت، وما زالت، بحّق العراق تاريخاً، وأرضاً، وبشراً.
فهل أنجزت المحاكمة أغراض وأهداف من خططوا لها؟
ولكن قبل الإجابة على السؤال لا بدّ من التذكير بمن يشاركون في هذه المحاكمة.
المشاركون هم: المشرف العّام، المخطط، الموجّه: الأمريكي المحتّل.
أمّا المنفذون فهم: الطائفيون التابعون لإيران، والأقليات العرقيّة المعادية للعروبة...
للمحتلين الأميركان أهداف، وللأدوات التنفيذيّة أهداف، وهم يلتقون على العداء للعروبة، ولهم مصلحة في كسر ظهر العراق، وتجزئته، وتفتيت وحدته، وتدمير شخصيته العربيّة، بحيث لا تقوم له قائمة، وينتهي دوره كبوّابة شرقيّة للوطن العربي، و(ظهر) وسند لبلدان المشرق العربي في صراعها مع الاحتلال "الإسرائيلي" لفلسطين...
في الجلسات الخمس، في الفصول الثلاثة للمحاكمة، افتضح دور الأطراف، وأسفر كل منها عن وجهه، وهو وجه قبيح كصنيع أصحابه، فالديمقراطيّة كذبة مفضوحة، والعدالة تنار أمام الأحقاد الطائفيّة...
رافع الرئيس صدّام حسين عن نفسه، ونظام حكمه، ومنجزاته في بناء عراق قوّي، سيّد، ووضع هيئة المحكمة في الزاوية، على مدى الجلسات الخمس التي اختتمت برفع المحاكمة حتى 21 من الشهر الجاري...
والمحاكمة للتذكير تجري على تهمة واحدة هي (الدجيل)، نسبة إلى تلك البلدة العراقيّة التي وقعت فيها محاولة اغتيال رئيس جمهوريّة العراق صدّام حسين عام 82 أي في ذروة الحرب المحتدمة آنذاك بين العراق وإيران!
هنا لا بدّ أن نسأل: أكان على نظام الرئيس صدّام حسين أن يكافئ المجرمين الذين أطلقوا الرصاص على موكب الرئيس بهدف القتل، أم أن من حقّه القبض على المجرمين، والمشتبهين، والتحقيق معهم، ومعاقبة من تثبت صلته بالجريمة؟
لم نسمع يوماً عن نظام حكم يترك المجرمين الذين يقومون بمحاولة اغتيال (حاكم) بلد ما، ويتسامح معهم...
كما كتبت من قبل، فإن من دبّروا هذه المحاكمة أرادوا أن يحسموا الأمر بإصدار حكم الإعدام بحّق الرئيس صدّام حسين و.. عدم فتح ملفات القضايا والتهم الأخرى التي يتحدّثون تجنباً للخوض في تفاصيلها، لأنها محرجة للأمريكان وغيرهم، وسترتّد عليهم...
* ثمّ نعود إلى محاكمة العصر، كما أرادوها، فماذا رأينا؟
خارج المحكمة تمّ اغتيال اثنين من المحامين المدافعين عن الحّق، ولم تفعل هيئة المحكمة شيئاً، بل تواصلت وكأن شيئاً لم يحدث!
تلقّى المحامون تهديدات بالقتل إن هم واصلوا المرافعة عن الرئيس صدّام ورفاقه...
اشتكى المحامون، وفي مقدّمتهم السيّد رمزي كلارك وزير العدل الأمريكي الأسبق ـ ومعه الدكتور النعيمي وزير العدل القطري الأسبق ـ من عدم تقديم الحماية اللازمة للمحامين وهيئة الدفاع عن الرئيس ورفاقه، في حين توفّر الحماية للشهود والقضاة...
* داخل المحكمة ماذا رأينا؟
في الجلسات الثالثة، والرابعة، والخامسة: أحضر شهود ووضعوا وراء ستارة، وضخّمت أصواتهم حتى لا يستدّل عليهم، وهذا مخالف لشفافيّة المحكمة، وعلنيتها، وتمكين (المتهمين) وهيئة الدفاع من مساءلة الشهود...
* من هم أولئك الشهود؟
قيل إنهم كانوا أحداثاً - في الخامسة عشرة ودونها - عند وقوع محاولة الاغتيال، ومع ذلك فهم يتذكّرون التفاصيل، الأسماء، العناوين...
هم يدلون بشهاداتهم من وراء ستارة، أسماؤهم مغفلة، هيئة المحكمة أطلقت عليهم رموزاً: أ، ب، ج...
لقد تساءلت هيئة الدفاع: من يلقّن هؤلاء الشهود من وراء الستارة؟ هل يقرؤون من ورق وملفات كتبت وأعدّت لهم؟
الرئيس صدّام حسين وقف في المحكمة وبصوت جسور أعلن: أنا لا أخاف الموت، حكمت ثلاث مرّات بالإعدام من قبل، اقرؤوا تاريخي منذ عام 59... الأمريكان والصهاينة يريدون إعدامي، أنا لا أخاف الإعدام، نحن بنينا العراق بماء العيون وهم هدموه...
أمّا التعامل مع (الأسرى) - يصفونهم بالمتهمين - فقد فضحه الرئيس صدّام، و.. رفض الدخول إلى قاعة المحكمة، وأجّلت الجلسة.. فصدّام ورفاقه يحاكمون الاحتلال الأمريكي، والدور الفارسي الذي يلعب لعبة الطائفيّة في العراق..