أحمدي نجاد، كلامُ ضلالٍ، أم منطقٌ ورشاد؟

د. فايز صلاح أبو شمالة/كاتب من فلسطين المحتلة

لم يأت الرئيس الإيراني أحمدي نجاد بجديد في تصريحاته الأخيرة، فق وضع الرجل إصبعه على الجرح العربي الفلسطيني الذي ما زال ينزف، وتهرب عن معالجته الصديق والقريب، وتركوه تحت رحمة سكين المعتدي، لقد تفوه الرئيس الإيراني بما ينطق به واقع الحال، وعبر عن أحلام الملايين من العرب الفلسطينيين الذين يعيشون حتى يومنا هذا مأساة اللجوء عن بيوتهم وأرضهم في فلسطين، إن الرئيس الإيراني أحمدي نجاد لم يؤلف موقفاً ينسجم مع تفكيره هو، وأيديولوجيته هو، ولم يتخيل حدثا من عالم آخر يتمنى أن يعيش به هو، ولم يبتدع أسلوباً جديداً خاصاُ به هو في حل الصراع الذي بدأ ولم يتوقف نتيجة لقيام "دولة إسرائيل" على أرض فلسطين، وتشريد سكانها حتى لحظة تصريح الرئيس الإيراني، إن أقوال الرجل ليست إلا انعكاساً لواقع قائم لا يقفز عنه إلا كل جاهل في السياسة وغبي، أو من غسلت أجهزة المخابرات "الإسرائيلية" والأمريكية ذهنه، وغمست في رأسه فكرة الواقعية، واستحالة تغيير ما هو قائم على الأرض..

الرئيس الإيراني أحمدي نجاد تأخر عشرات السنين في تصريحه الذي يلخص فيه أبسط  طريقة حضارية لحل الصراع على أرض فلسطين؛ الحل الذي يتمثل في نقل اليهود إلى الدول الأوروبية التي تسببت بالكارثة لليهود، وحاولت التكفير عن ذلك بإقامة "دولة لليهود" على حساب الشعب العربي الفلسطيني، وهذا منطق سليم، وحل للصراع ينسجم مع الدعوة إلى السلام العالمي، والأمن لجميع الشعوب بما في ذلك اليهود، بل قد يبدو كلام الرجل كمبادرة للحل فيها من العدالة، والسلامة، والمستقبل الآمن لليهود أكثر من مبادرة الملك عبد الله، ومقررات مؤتمر الرباط، بل ويلامس المقترح حالة القلق التي يعيشها اليهود في فلسطين، وتخوفهم من تطور قدرات عسكرية لأي دولة أو تنظيم عسكري قد تلحق بهم الويل والكوارث، لاسيما أن الدم والجرح الذي جاء به اليهود إلى الشرق قد بدأ يكبر، وأن الكراهية والأحقاد التي حرث أرضها اليهود، وزرعوا شوكها قد بدأت تثمر، وهو ما ينبئ بنهاية مأساوية، وكارثة، وتوالي انعدام الأمن والاستقرار "لدولة إسرائيل"، بل وضياع مستقبل "الدولة العبرية" نهائياً على أرض فلسطين.

لقد سبق أحمدي نجاد، وآمن بهذا المنطق مئات آلاف الشهداء، والجرحى والأسرى، وعشرات آلاف الكتاب العرب والمفكرين، وآلاف القادة الميدانيين، ومئات القادة السياسيين والزعماء،  وجميعهم  قضوا نحبهم، وقدموا حياتهم في سبيل انتصار هذه الحقيقة التي تفوه بها الرئيس الإيراني، ونطق بكلماتها، لتأخذ هذا الدوي، والصدى الإعلامي، والبعد الدولي نظراً لانطفاء نار الحق العربي، وانكفاء قادتهم على ذاتهم، وعلى القطرية المقيتة، وتغليبهم السلامة الذاتية على سلامة وأمن المجتمع بشكل عام، بعد أن عقدت القوة "الإسرائيلية" ألسنة قادة عرب هذا الزمان، وحال المال اليهودي بينهم وبين البوح بما يجيش في صدر الأمة من أحلام وتطلعات، فراحوا يخشون الهمس بها في مخادعهم، أو تخيلها في غرف نومهم، وهذا هو الفرق بين الرئيس الإيراني الذي فكر بصوت مرتفع، ونطق بجرأة الحق، وبين الرؤساء والملوك العرب، أحمدي نجاد ينطق بما آمن به، وأقتنع، وصدق أنه الحقيقة التي ما تزال قائمة، وجميع زعماء وقادة أمة العرب ترتعب عن ذكر من نطق بها، وتتنكر له!!.

ما قد يبدو كارثة أكثر من كارثة طرد الفلسطينيين من وطنهم سنة 1948، هو أن يظهر على الملأ قائد فلسطيني - بإيعاز من "إسرائيل" - أو زعيم عربي محلي ليقول، يا زعماء المسلمين، يا أهل الأرض، دعوا شأن فلسطين للفلسطينيين، ولا دخل لكم بقضية فلسطين التي تخص الفلسطينيين وحدهم، ولطالما خرج علينا منتسب إلى فلسطين بمثل هذا القول، لمواجهة مثل هذه التصريحات التي خرجت عن النص المألوف في هذه المرحلة، إن ترديد مثل هذه المقولة أغرقتنا نحن الفلسطينيين في بحر من الدم والعذاب، وأوصلنا إلى الحلول السياسية الهزيلة التي مزقت ما ظل من فلسطين، وتركته بين الأنياب "الإسرائيلية".

"دولة إسرائيل" لم تصمت، ولم تقف مكتوفة الأيدي أمام هذا الرجل الذي ظهر من خلف ظهر "الإسرائيليين"، وتسلق على زمانهم الممتد من واشنطن حتى تل أبيب، مروراً بلندن، ولاسيما بعد أن ظنوا أن المنطقة العربية قد دالت لهم، وأن "الشرق الأوسط" بات يتبع مزرعة مليكهم شارون في ريشون ليتسون، وأن الدنيا قد صعرت خدها لليهود، "إسرائيل" لم تصمت، وهي تسعى إلى تطبيق الإرهاب الفكري والعسكري الذي مارسته على بعض العرب ضد أحمدي نجاد، بل ستعمد إلى تصدير الخوف الذي عرشت داليته على بيوت العرب ليتسلق بيوت الإيرانيين.

لقد انشغلت البرامج الإعلامية "الإسرائيلية" بتصريحات أحمدي نجاد، وأخذتها على محمل الجد، ونقلت تصريحاته مباشرة "الإذاعة العبرية"، وعلق أحد المحللين "الإسرائيليين" في "الإذاعة العبرية" صباح 9/12/2005 قائلاً: "لا نعرف ماذا يدور في العقل الصغير لهذا الرجل، عديم الخبرة السياسية، سننتظر إلى أن ينصحه، ويوجهه إلى  الرشاد ذوو التجربة السياسية في إيران، وإلا ستكون العواقب وخيمة مع هذا التفكير".