هل تحسن الأموال والبروباغنده صورة أمريكا !!..
ابراهيم العبسي/لندن
أن تعترف الإدارة الأمريكية، بأن صورة أمريكا آخذة في التدهور حتى الحضيض لدى الشعوب العربية والإسلامية وحتى لدى الرأي العام العالمي، فذلك أمر جيد حتى لو جاء هذا الاعتراف متأخرا جداً. لكن أن تعتقد هذه الإدارة أن بإمكانها تحسين هذه الصورة عبر ضخ المقالات والتحقيقات الصحفية المفبركة والمزيفة التي بدأت بنشرها عبر وسائل الأعلام الأمريكية والأوربية والعالمية وحتى بعض وسائل الأعلام العربية عن طريق الأموال الطائلة التي خصصها البنتاغون لشراء الأقلام والذمم والبالغة أربعمائة مليون دولار، حسب ما نشرته صحيفة (يو أس أي تودي) قبل أيام، فليس ذلك إلا محاولة بائسة أخرى للثقافة الأمريكية المادية البراغماتية التي تعتقد أن الأموال يمكن أن تشتري ضمائر الناس وعقولهم وتلغي مشاعرهم وأحاسيسهم وتعمي عيونهم وتقلب الأبيض اسود وتحول القرد إلى غزال، تماماً كما اعتادت أن تفعل مع العديد من الأنظمة الفاسدة في هذا العالم، متناسية أو متجاهلة أو غير عالمة بأن ثمة فرقاً كبيراً وشاسعاً بين الأنظمة والشعوب. فما الذي يمكن أن يفعله مقال مفبرك يكتبه صحفي أو إعلامي مأجور يبشر فيه بـ"أن أمريكا لا تخوض الحروب ضد الدول والشعوب إلا من أجل نشر قيم الحرية والديمقراطية والعدالة وحقوق الإنسان"، فيما تنتهك أمريكا في هذه الحروب حريات وحقوق الناس وتصادر استقلالهم وسيادتهم وتدمر مكتسباتهم المادية والحضارية وتعيدهم إلى عصور الاستعباد والاستعمار، ولكن في صورة إمبريالية أمريكية جديدة هي أشد خطراً وأكثر ضراوة من عصور الاستعمار التقليدي!!
وكيف يمكن لتحقيق صحفي مزيف تبرير السياسات الأمريكية التي باتت تتدخل في كل صغيرة وكبيرة في شؤون الشعوب والدول لاسيما الشعوب العربية والإسلامية، فتمارس الضغوط الشرسة وتفرض العقوبات الجائرة السياسية والاقتصادية، وتهدد بشن الحروب إذا لم تصدع هذه الشعوب والدول للاملاءات والمطالب الأمريكية التي غالباً ما تكون لصالح واشنطن وتل أبيب!! بل كيف يمكن لمثل هذه المقالات والتحقيقات المفبركة والمزيفة أن تبرر الدعم الأمريكي الهائل وغير المحدود للكيان الصهيوني سياسياً وعسكرياً وتشجيعه على مواصلة احتلاله للأراضي الفلسطينية ومصادرتها وإقامة المستوطنات الصهيونية إضافة إلى ضم القدس العربية "للدولة العبرية" ورفض عودة اللاجئين إلى ديارهم، ناهيك عن الصمت الأمريكي على استمرار اجتياح المدن الفلسطينية وإشاعة الموت والدمار والخراب في هذه المدن، وتحويل حياة الفلسطينيين إلى جحيم بات العالم يعرفه جيداً، والأهم من كل ذلك هو تعطيل أمريكا لكافة القرارات الدولية المتعلقة بالانتصار للقضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني منذ قيام الكيان الصهيوني عام 1948 وحتى هذه اللحظة.
عبث إذن هو ما تحاول الإدارة الأمريكية أن تفعله لتحسين صورة أمريكا وصورة هذه الإدارة التي تزداد بشاعة وانحرافاً عن طريق ضخ الأموال وشراء الذمم والضمائر والبروباغندة المكشوفة التي اعتادت عليها.
إن تحسين صورة أمريكا في عيون العرب والمسلمين وفي عيون الرأي العام العالمي لن تتحقق على الإطلاق، إلا باعتراف هذه الإدارة أولاً بأن سياساتها في المنطقة العربية والعالم هي سياسات خاطئة، بل سياسات ظالمة ومعادية لتطلعات الشعوب في استقلالها وسيادتها وامتلاكها لحريتها في ثقافتها واقتصادها وسياستها الداخلية والخارجية، وبالتالي لا بد أن تتوقف أمريكا عن انتهاج مثل هذه السياسات التي جربها العالم في العهود الاستعمارية التقليدية الماضية ولم تحصد منها البشرية سوى الخراب والدمار ومشاعر الحقد والكراهية، وربما كان الشعب الفلسطيني هو أكثر الشعوب التي لم تزل تعيش الظلم والقهر كنتيجة لهذه السياسات الاستعمارية التي تواصلها الإدارة الأمريكية الحالية على نحو أكثر فظاعة وقسوة، الأمر الذي جلب عليها كراهية الشعوب العربية والإسلامية.
ولذلك يمكن القول أن تحسين صورة أمريكا يبدأ بتصحيح المواقف والسياسات الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني عن طريق رفع الظلم الأمريكي عن هذا الشعب ومساعدته في الحصول على حقوقه الوطنية كاملة غير منقوصة وحسب قرارات الشرعية الدولية.