دمار المدن العراقية

تلعفر والبقية تأتي

وليد الزبيدي/كاتب عراقي *

(1)

ما الذي حققته قوات الاحتلال الأميركي، في تدميرها للمدن العراقية، منذ أن بدأت بالتلويح بهذا التوجه ، منذ بداية نيسان/أبريل عام 2004، حتى الآن، وهي تشن هجومها المدمر على مدينة تلعفر العراقية، هذا سؤال يبحث عن إجابة حقيقية، لا تكتفي بالجمل الشعارية، والخطابية الفارغة، التي تتضمنها البيانات الأميركية بصورة يومية، وتتبناها وسائل الإعلام العربية، التي تعمل لصالح إعلام واشنطن ولندن، وتفرد له المساحات الواسعة من صفحاتها، ومن شاشات فضائياتها.

لنبدأ بقصة مدينة الفلوجة، ثم نأتي على المدن الأخرى، مثل النجف وسامراء والقائم والكرابلة وراوه وأخيراً، وليس آخرا مدينة تلعفر.

في جميع البيانات الأميركية، التي صدرت ابتداءً من أواخر آذار/مارس 2004، تحدث المسؤولون الأميركيون، عن مهمة محددة لقواتهم، فيما يتعلق بمدينة الفلوجة، وتنحصر هذه المهمة، حسب زعمهم، في زاوية إخراج المسلحين، من هذه المدينة، وظلوا يرددون، ومعهم يردد ذلك "رئيس الوزراء السابق" علاوي ووزراءُه مثل النقيب والشعلان، وقالوا أنهم يحرصون على سلامة المدينة وأهلها. لكن الذي حصل، أن القوات الأميركية، شنت حرباً مدمرة شعواء ضد الفلوجة وأهلها، ومثلما استخدمت القوة بصورة مميتة ومدمرة ضد مدينة هيو الفيتنامية عام 1968، فقد حصل ذات الشيء ضد الفلوجة، واعترف الأميركيون بهذا الأسلوب المدمر، وبعد أسابيع من المعارك الشرسة، استخدمت فيها قوات الاحتلال الأميركي جميع أنواع الأسلحة الفتاكة، أحالت الفلوجة إلى مجموعة من الأحياء المخربة المدمرة، وقتلت الكثير من أبنائها، واعتقلت الكثير منهم، الذين ما زال مصيرهم مجهولا.

بعد أكثر من تسعة أشهر على اجتياح وتدمير الفلوجة، لم تسمح القوات الأميركية لوسائل الإعلام بالدخول إلى المدينة، ونقل حجم الخراب والقتل والتدمير. فإذا وضعنا تصريحات وادعاءات كبار ضباط الجيش الأميركي، وإلى الأسفل منها ما قاله المسؤولون في السلطة حينذاك، الذي تركز بقوة على حرص هؤلاء على إنقاذ المدينة، وجئنا بجميع صورة التخريب والدمار والقتل والاعتقال، ووضعناها إلى جانب تلك الشعارات، لاكتشفنا بدقة حقيقة ما جرى، ولتبين لمن مازالت على أعينهم غشاوة، حجم القتل والتدمير والتخريب الأميركي في العراق.

ذات الشيء حصل في مدينة النجف وفي أحياء ببغداد، وفي القائم وحصيبه والكرابلة. ويحصل الآن في تلعفر.

(2)

استكمالاً لحديثنا عن مدينة تلعفر، وما حصل لغيرها من المدن العراقية الأخرى، نقول إن الخطة التي أعلنها وزير الدفاع العراقي سعدون الدليمي، حددت مدن الرمادي وسامراء والقائم وراوه، والمناطق والقرى القريبة منها، وفي واقع الحال، لم يتحدث المسؤول العراقي، عن الأسباب التي أجبرت قوات الاحتلال الأميركي، على اتخاذ هذا القرار، الذي يرمي إلى تدمير المدن العراقية الأخرى، ابتداءً من مدينة تلعفر وصولاً إلى الأماكن البعيدة المتناثرة في تلك المناطق.

إن المدن والمناطق، التي تم الإعلان عنها، سبق للقوات الأميركية أن اجتاحتها، ودخلت معارك شرسة جداً مع قوات المقاومة العراقية، ورغم ما تملكه القوات الأميركية من أسلحة ودعم لوجستي كبيرين جداً، والسيطرة المطلقة على الجو، والمساندة الكاملة من القوات العراقية من جيش وشرطة وأجهزة أمنية كبيرة العدد، إلا إن الأميركيين تكبدوا خسائر فادحة جداً، خلال المعارك التي دارت بشراسة في تلك المدن. وأصرت الإدارة الأميركية، على منع وسائل الإعلام من رصد وتوثيق تلك المعارك، لكم من المؤكد، والذي يعرفه العراقيون، أن الأفلام الموجودة بحوزة القوات الأميركية، تكشف حجم الهزائم التي منيت بها قواتهم في معارك القائم الأولى والثانية، والمعارك التي حصلت قرب حصيبه وفي محيط مدينة راوه، والمواجهات العنيفة، التي حدثت في الرمادي وداخل الفلوجة وفي محيطها، وما تكبدته هذه القوات خلال هجومها على مدينة النجف، حيث قاتلها هناك أتباع مقتدى الصدر بشراسة وبسالة كبيرتين، وذات الشيء حصل في مدينة سامراء ولمرات عديدة، ومثل ذلك أثناء معارك الرمادي، والهجمات التي حصلت في ديالي ومحيط بغداد، والضلوعية ويثرب والاسحاقي والخالدية وبيجي وأبو غريب ومناطق كثيرة أخرى. كما إن العراقيين، سجلوا بذاكرتهم الحية مئات بل آلاف المشاهد، التي رأوها بأم أعينهم، وتكبد فيها الأميركيون الخسائر المذهلة، عندما تحصل أمامهم مصادفة هجمات واسعة للمقاومة العراقية.

هذا يعرفه العراقيون، ويعرفه الأميركيون الذين يعملون في دائرة القرار العسكري والسياسي، لكن على نطاق ضيق، وأكثر من يعرف ذلك هم جنود الجيش الأميركي، الذين ذاقوا ويذوقون يومياً مرارة الهجمات العراقية، التي تحصد منهم المئات.

لكن الذي لا يتحدث به البعض، هو الأسباب التي تدفع الأميركيين وبإصرار على تدمير المدن العراقية، وتصميهما على ذلك.

* عن (الوطن) العمانية