تلعفر.. مجزرة دامية وصمت مريب

ياسر سعد - كندا

المآسي الدامية تتواصل في العراق الأمريكي الجديد، والكوارث والفواجع الإنسانية تتوالى. فبعد الفلوجة والنجف وجسر الأئمة وتلعفر والقائم وغيرهم جاء دور تلعفر مرة أخرى. المجزرة والجرائم الإنسانية في تلعفر تتم في إطار صمت عربي وعالمي شبه مطبق وتجاهل إعلامي كبير. في المرات السابقة تحرك الإعلام ناقلا الصور المأساوية وتظاهر الناس في المدن العراقية احتجاجا على الهجوم على إخوانهم في الفلوجة وهددت تركيا بمنع القوات الأمريكية من استخدام أراضيها إذا لم تتوقف العمليات العسكرية على تلعفر، وبالفعل أوقفت القوات الأمريكية هجومها في حينها. فيما العالم يشهد هذه الأيام مأساة دامية وجرائم حرب مروعة في تلعفر بجمود ولامبالاة وكأنه يراقب فيلما مملا أو مسرحية معادة.

وكالات الإغاثة في العراق دقت ناقوس الخطر من احتمال وقوع كارثة إنسانية في تلعفر حيث تواصل القوات الأمريكية والعراقية عملية عسكرية مكثفة ضد المقاومين في المدينة. في حين حذر الهلال الأحمر العراقي في بيان نقلته وكالة "فرانس برس" من أن الوضع الإنساني في تلعفر "حرج"، وأكد حصول موجة من النزوح الجماعي. وأضاف أن ما بين 5 إلى 7 آلاف عائلة غادرت المدينة الواقعة في شمال العراق، وأعلن عن إنشاء مخيم شرق تلعفر بهدف إيواء النازحين حيث تم إرسال فريق من الأطباء والمتطوعين إلى الموقع. وحسب موقع "بي بي سي" فقد طلب الهلال الأحمر العراقي المساعدة من المنظمات الإنسانية في تركيا وقطر والنرويج، مشيرا إلى انه تلقى مساعدة من منظمة الأمم المتحدة لرعاية الطفولة (يونيسيف) -في الوقت الذي تنهال فيه ملايين الدولارات من التبرعات العربية إلى ضحايا إعصار كاترينا- وقال طبيب تفقد مخيمات مؤقتة أُقيمت خارج تلعفر، إن النازحين أخبروه بوجود دبابات وصواريخ وقنابل في أنحاء شتى من المدينة مضيفين أن كثيرين لقوا حتفهم وأن بعضهم دُفنوا تحت أنقاض منازلهم. وقال الطبيب سلام اسماعيل العبيدي من منظمة "أطباء من اجل العراق" إن العائلات التي تغادر مواقع الاشتباك يتم فصل أفرادها عند الحواجز الموجودة خارج المدينة. وأضاف إن النساء والأطفال يتم إرسالهم إلى مخيمات اللاجئين في حين يعتقل الرجال ويتم أخذهم بعيداً.

الأمر المثير للسخرية المرة، أن المسؤولين العراقيين المتحالفين مع الاحتلال يستهجنون من الحكومات العربية عدم تقديمها العزاء ولا مبالاتها في ضحايا حادث جسر الأئمة أليم. لقد أدت تصرفات وتصريحات وأفعال سياسيوا الاحتلال إلى جعل موت العراقيين وبأعداد غفيرة أمراً اعتيادياً لا يستحق التوقف والتأمل. فلم نسمع بتصريح ولو من النوع الدبلوماسي الخفيف يعاتب الأمريكيين يوما على ممارسات القتل الجماعي أو على مصرع أشهر طبيب قلب عراقي على أيديهم مؤخراً. الأنكى من ذلك أن هؤلاء السياسيون ارتضوا لأنفسهم أن يكونوا غطاءا للجرائم الأمريكية فهم يزعمون أنهم من يعطي الأوامر لشن الاعتداءات والهجمات على المدن الآمنة رغم أن الجميع يعرف أنهم لا يملكون من الأمر شيئاً إلا أن يكون أحجار على رقعة الشطرنج الأمريكية، وإلا أين هي السيادة ومقومات الدولة إذا كانت شركة بريطانية خاصة للأمن تستطيع إغلاق مطار بغداد الدولي؟ ثم لماذا يعهد لشركة (غلوبال) البريطانية مقابل مبالغ فلكية بالقيام بحراسة المطار وليس للقوات العراقية مثل "ألوية الذئب والثعلب والعقرب"؟ أم أن مهمة تلك القوات تنحصر في قتل العراقيين والتهيئة للحرب الأهلية حماية للاحتلال وإخفاء لتجاوزات وجرائم وسرقات أتباعه؟ وعندما تم الكشف عن التجاوزات الأمريكية الآثمة في أبو غريب صرح جلال الطالباني مدافعا عن التصرفات اللانسانية بأنها لا تقارن إذا ما تذكرنا تجاوزات النظام السابق.

المتحدث باسم رئيس الوزراء العراقي عدنان علي زعم أن الحكومة اتخذت الإجراءات الضرورية لتجنب الخسائر في الأرواح في تلعفر. وأضاف إن الحكومة وزعت منشورات تدعو السكان إلى الرحيل. بطبيعة الحال لم يخبرنا عدنان علي عن الإجراءات الضرورية المتخذة من قبل حلفاء الاحتلال والتي يبدوا أنها انحصرت في دعوة السكان للرحيل إلى المجهول.  فيما بشرنا وزير الدفاع المقدام سعدون الدُليمي العراقي بأن القوات الحكومية مستعدة لضرب المسلحين في أربع مدن أخرى بشمال غرب البلاد. ونقل عنه القول في مؤتمر صحفي "إننا نقول للذين في الرمادي وسامراء وراوه والقائم إننا قادمون". لقد تحولت ما سمي بعملية إعمار العراق إلى تدمير الكثير من مدنه وتسويتها بالأرض.

الجعفري صرح بأنه تم القيام بتلك العملية في تلعفر لأن المسلحين يحاولون عزل المدينة عن بقية العراق والعملية السياسية. وقال بيان لرئيس الوزراء "بدأت القوات العراقية تمام الثانية صباحا (بالتوقيت المحلي) وبناء على أوامر أصدرتها، عملية لإزالة كافة العناصر الإرهابية المتبقية من مدينة تلعفر". فهل يقصد الجعفري بأن العمليات العسكرية تهدف لمنع المحافظات الغربية من الاستفتاء بحرية على الدستور الممسوخ لضمان عدم إسقاطه. فيما دافع حيدر العبادي المتحدث باسم رئيس الوزراء العراقي مساء السبت عن هجوم تلعفر قائلا إن الحكومة العراقية عليها مسؤولية أخلاقية وقانونية يجب أن تتحملها في الحفاظ على الأمن وحماية المواطنين في المدينة. وأشار المتحدث في مقابلة مع تلفزيون العربية، إلى أن أهالي تلعفر تعرضوا خلال الأشهر الثلاثة الماضية إلى عمليات اختطاف وقتل واغتصاب لمنازلهم وأنهم تقدموا بطلبات كثيرة لتدخل الحكومة. وأضاف العبادي أن الحديث عن وقوع مجزرة في تلعفر هو مجرد مزاعم بعيدة تماما عن الصحة والدقة. هل يصدق العبادي أن هناك من يصدقه؟ فإذا كان أهل تلعفر قد قدموا طلبات كثيرة خلال ثلاثة يستنجدون بالحكومة "الرشيدة" فأين كانت تلك الحكومة خلال الأشهر الماضية ولماذا لم تلبى نداءات واستغاثات المواطنين؟ وإذا كان المواطنون متعاونين مع حكومة الاحتلال وبإعداد غفيرة فلماذا عجزت قوات الاحتلال وعملائها عن اقتحام المدينة المبتلاة لأيام طوال على الرغم من القصف الشديد ولدرجة أن بعض التقارير الإخبارية أشارت إلى استخدام قوات الاحتلال أسلحة محظورة دولية.

لقد كانت طروحات القادمين على ظهور دبابات الاحتلال والمسوقين له تتركز على خروقات النظام السابق ومجازره ومن بعد المقابر الجماعية المزعومة. الآن أصحاب العمائم كما أصحاب ربطات العنق من المتعاونين مع الاحتلال يتبارزون في التبجح والتفاخر بعمليات الإبادة والقتل والتدمير والتشريد لقطاعات عريضة وكريمة من الشعب العراقي كل ذلك يترافق مع تدمير لمرافق الحياة في العراق الجديد ونهب لمقدراته وثرواته. إن ما يحدث في العراق عموما وفي تلعفر على وجه الخصوص هي جريمة ضد الانسانية لا تقترفها قوات الاحتلال والقوات المتعاونة معها فحسب، بل يشارك فيها المجتمع الدولي والحكومات العربية وبعض المراجع والرموز الدينية بصمتها غير المبرر ولا المقبول. أليس من المثير للسخرية أن يعيّر سياسيوا الاحتلال بين الحين والآخر الحكومات العربية عن صمتها على تجاوزات النظام الحالي فيما يقومون هم بارتكاب جرائم أفظع في ظل صمت عربي ودولي ولكنه في نظرهم محمود ومشكور هذه المرة.