تل عفر تصحح مسار التاريخ بعد مائة عام

د. ثائر دوري/سوريا

استولى الاتحاديون، الأتراك،على السلطة في الدولة العثمانية عام 1909 بعد أن أزاحوا السلطان عبد الحميد، وهذا الأمر لم يكن هذا حدثا عابرا في تاريخ السلطنة العثمانية،أو كغيره من أحداث الصراع على السلطة التي حفل بها تاريخ هذه الدولة، سواء داخل العائلة الحاكمة أم من خارجها، بل كان انزياحاً عن جوهرها، وانغماسا إلى الحد الأقصى في علاقات العصر الرأسمالية.

إن (جمعية الإتحاد والترقي) التي تشكلت في ميناء سالونيك، الميناء التجاري الكبير الذي يغص بالتجار واليهود، كانت على علاقة وثيقة بالجمعيات الماسونية، والماسونية أكثر من يعبر عن روح العصر الرأسمالي، فوصل قادة هذه الجمعية إلى السلطة مشبعين بخلاصة الفكر الغربي الإمبريالي، وكان هاجسهم الأول إنشاء دولة على الطراز الغربي، ولإنشاء دولة على الطراز الغربي يجب أن تكون لك مستعمرات لتنهبها وتراكم فائض القيمة في المركز الاستعماري وقد رأينا هذا الوضع في أوربا في الحالتين الألمانية والإيطالية بشكل خاص، فما إن استكملتا وحدتهما القومية حتى بدأتا تبحثان عن مستعمرات في جنوب العالم لنهبها، وها قد جاء دور الاتحاديين ليقلدوا هذه النماذج ولاسيما أنهم حسبوا أن الظروف مواتية لبدء سياستهم هذه لأنهم أتراك ويسيطرون على بقايا الدولة العثمانية المتعددة القوميات، فدفعوا الدولة العثمانية في اتجاه آخر مغاير لمسارها، لقد دفعوها باتجاه استعماري........

حتى لحظة تولي (الإتحاد والترقي) السلطة كانت الدولة العثمانية دولة اتحادية، لا قومية، لا مركزية، تضم العرب والأتراك والألبان والشركس، وتضم أغلبية إسلامية وأقلية مسيحية معتبرة، وكانت الجماعات المكونة للدولة متساوية في الحقوق والواجبات، أما مشكلة الظلم واختلال توزيع الثروة فقد كانت من الأمور التي ترتبط بإشكالية علاقة السلطة بالمجتمع وهي إشكالية موجودة في كل المجتمعات وعبر كل العصور بدرجات متفاوتة حسب طبيعة السلطة وحسب نظامها الاقتصادي...الخ، ولم تكن هذه المشاكل ذات بعد ديني أو قومي أو طائفي إلا في المراحل المتأخرة من تاريخ الدولة بسبب النفوذ الغربي ونشاط القنصليات والسفارات، لقد كان الإطار الجامع لهذه الدولة هو الإسلام، دينياً وحضارياً بالنسبة للمسلمين، وحضاريا بالنسبة لغير المسلمين، لكن استيلاء (الإتحاد والترقي) على السلطة قلب طابع الدولة فتحولت إلى دولة قومية شوفينية، قوميتها المركزية المستعمرة (بكسر الميم) هي الطورانية التركية، والقومية المضطهدة الأساسية المستعمرة (بفتح الميم) هي العربية، واخترع قادة هذه المجموعة نظريات تمجد القومية الطورانية وتعتبر الأتراك أصل الحضارة الإنسانية إلى آخر ما هنالك من سخافات التفوق العرقي، كما حاولوا أن يطبقوا سياسات التطهير العرقي على بعض المجموعات الدينية والقومية، والتتريك على مجموعات أخرى ليحولوها إلى قوميات مستعمرة (بفتح الميم) تمارس القومية التركية النهب عليها لتراكم الثروات في المركز الاستعماري، لقد وقع العرب ضحية هذه السياسة لأن الدولة لم تعد تضم سواهم والأتراك بعد خسارة الامتداد الأوربي للدولة، فقام من بين العرب، وكرد فعل على السياسات القومية الشوفينية، من تبنى بدوره فكرا قومياً عرقياً متأثراً بالغرب، ومقابل التمجيد الفارغ للطورانية، صار هناك تمجيد عرقي سخيف للعروبة، ونحب أن نوضح أمرا هنا كي لا نقع في سوء الفهم، وهو أننا نعتبر القومية العربية حالة حضارية وثقافية وليست عرقية، فهي حالة إنسانية متقدمة تقوم على الإرث الحضاري والثقافي، وليست قومية عرقية تقوم على أوهام العرق الصافي والأصل المشترك، كما أننا نعتبر أن أسخف النظريات القومية هي النظريات التي تستند إلى الأصول العرقية ونقاء الدم، وإننا نعتبر نظريات الصفاء والتفوق العرقي طريقاً للانزلاق نحو النازية.

بدأ الشرخ يكبر بين الطرفين، العرب والأتراك، تحت حكم (الاتحاديين) حتى كان خيار الشريف حسين بالتحالف مع بريطانيا ضد الدولة العثمانية وما تلا ذلك من خديعة البريطانيين للشريف حسين، وبقية القصة المعروفة من انهيار الدولة العثمانية إلى تفكيك المشرق العربي بواسطة معاهدة "سايكس بيكو"، وإنشاء الكيان الصهيوني.

لقد علت الأسوار بين العرب والأتراك خلال قرن كامل، فالأتراك اتهموا العرب بالخيانة لأنهم تحالفوا مع الغرب، رغم أن ذلك كان رد فعل، ورد العرب بوسم الدولة العثمانية بسمة الاستعمار مع أن هذا غير حقيقي، وإن كان هناك سياسة استعمارية عثمانية فهي لا تتعدى سنوات حكم (الإتحاد والترقي)، وكان المستفيد من هذا الشرخ بين العرب والأتراك هي القوى الغربية فقد استخدمت الأتراك ضد العرب والعرب ضد الأتراك، كما ساهمت الأنظمة التابعة برفع مزيد من السواتر بن الشعبين حتى وصلنا في مرحلة من المراحل إلى وجود من يقبل بالصلح مع الكيان الصهيوني ولا يقبل بذلك مع الأتراك!!

لكن اليوم وعلى أرض العراق وفي تلعفر تحديداً يدور التاريخ دورة كاملة، ليقف العرب والتركمان في خندق واحد ضد الاحتلال الأمريكي فيمتزج الدم العربي بالدم التركماني، وفي شوارع تلعفر المقفرة حيث تسطر المقاومة العراقية أروع ملاحم التاريخ ضد الهمجية الأمريكية تمتزج دماء العرب والتركمان بشكل يعيد تلك اللحمة التاريخية، التي استمرت عشرة قرون من الدولة العباسية وحتى القرن العشرين قبل أن يفصل الغرب الشعبين عن بعضهما منذ مائة عام، إن العرب والتركمان بتلعفر يشاهدان بشكل واضح أنهما مستهدفان بنفس الدرجة وإن القاتل الأمريكي لا يفرق بين عربي وتركماني.

إن الإستراتيجية الأمريكية الثابتة هي تفتيت الأمم والشعوب وتمزيق المكونات الحضارية، وقد شاهدنا ما حل بالدولة السوفيتية، وكيف تم تفتيتها إلى قوميات متناحرة خائفة من بعضها، وقد جاء الأمريكي إلى العراق ليطبق سياسة التفتيت والتمزيق هذه، فالعربي يجب أن يتقاتل مع الكردي، والكردي مع التركماني، والسني مع الشيعي، ليتسنى للأمريكي بعد ذلك حكم العراق كما يريد، وإن هؤلاء الذين يظنون أنهم ناجون من مشروع التفتيت الأمريكي إما بسبب تحالفهم الآني مع الأمريكان أو بسبب بحثهم عن مكاسب ضيقة، هم واهمون لأن الأمريكان يطبقون في العراق استراتيجية كونية فإن نجحت فستعمم على المنطقة ومن ثم على العالم، فالعراق الذي هو من أكثر دول العالم تجانسا سكانياً لأن أكثر من ثمانين بالمائة من سكانه من القومية العربية هو نقطة انطلاق المشروع الأمريكي، فإذا فتت العراق المتجانس فهل يحسب الإيرانيون أن دولتهم بمعزل عن مصير مماثل؟!! لاسيما أن التعدد القومي في إيران أكبر بكثير منه في العراق فأقل من نصف سكان إيران فقط ينتمون إلى القومية الفارسية، ويتوزع الباقي بين أكراد، وعرب، وأذريين، وكذلك الوضع في تركيا، وسوريا، ودول الخليج، وباكستان........الخ. وإني أجزم أن التفتيت في هذه الحالة سيعم العالم من بريطانيا العظمى إلى سور الصين العظيم، فداخل كل دولة من هذه الدول وكل أمة من هذه الأمم تعدد عرقي أو لغوي أو ديني أو مذهبي يجعله ذريعة مناسبة للتفتيت في حال نجاح المشروع الأمريكي، لذلك تساءل الكاتب نصر شمالي في إحدى مقالاته ((هل سيصبح العالم خمسة آلاف دولة؟)) بالتأكيد سيصبح كذلك إذا نجحت سياسة التفتيت الأمريكي في العراق، وما أضيق أفق هؤلاء الذين يتناسون هذا البعد الخطير مقابل مكاسب آنية صغيرة لا يلبث أن يخسروها في حال تقدم المشروع الأمريكي!!!

على الجميع أن يدرك أنه في العراق سيتقرر مصيرنا جميعاً، فإن اقتتل العرب والتركمان في العراق فلا يمكن بعدها أن تقوم علاقة سليمة بين العرب والأتراك، وإذا اقتتل السنة والشيعة فإن التوتر سيسود بين العرب والإيرانيين وستحل علاقة الاحتراب بينهما، وقس نفس الأمر على علاقة الأكراد بالتركمان والأكراد بالعرب.......الخ. وهذا الأمر ليس في مصلحة أي شعب من شعوب هذه المنطقة، ولا أية قومية من قومياتها لاسيما وأن الأمريكي يتربص بها جميعاً و يتحين فرص الانقضاض.

إن ردنا على إستراتيجية التفتيت الأمريكية يجب أن يكون بتبني استراتيجية توحيدية وهذا يتطلب التسامي على جروح الماضي ونسيان خلافاته والتركيز على نقاط اللقاء وهي كثيرة وإبعاد نقاط الخلاف، وعلينا أن ننتهز الفرصة التاريخية التي أتاحتها ملاحم المقاومين البطولية في العراق لإعادة اللحمة لهذه الأمم، العرب والأتراك والأكراد والإيرانيين، وهي أمم تنتمي إلى وعاء حضاري واحد، ومصالحها مشتركة، والعدو المتربص بها واحد وإن توهم البعض أنه صديق أو حليف، كما أن مستقبل هذه الأمم مرتبط بشكل لا فكاك منه إلا إذا كان المرء يستطيع أن يهرب من التاريخ والجغرافيا، ويبدو أن بعض ضيقي الأفق يفكرون بالهرب من التاريخ والجغرافيا!! لقد صهرت حضارة الإسلام الخالدة هذه الأمم في بوتقة واحدة........

إن الرد الوحيد على المشروع الأمريكي في العراق يكون بمحاربة جوهر هذا المشروع التفتيتي وذلك بمزيد من التوحيد، كما ذكرنا، وإبداع صيغ حضارية للعلاقة بين هذه الأمم وبذلك يتحول العراق إلى مركز إعادة بناء الفضاء الحضاري العربي – الإسلامي وعلى أسس عصرية تستفيد منه ليس شعوب هذه الأمم فقط وإنما كل شعوب العالم. لأن هذه المنطقة هي قلب العالم وخلاص البشرية مرتبط بخلاصها، ويبدو أن تلعفر بعربها وتركمانها المقاومين للهمجية الأمريكية يقدمون درساً بليغاً بهذا الأمر، لأن الوحدة التي تكتسب في ساحات المعارك لا يمكن أن ينفصم عراها بعد ذلك فهي وحدة معمدة بالدم، أما هؤلاء الذين ما زالوا يراهنون على مهادنة المحتل مقابل مكاسب آنية فنحن متأكدون أنهم سيدفعون ثمنا باهظاً لهذه السياسة قصيرة النظر وذلك عندما يتفرغ العدو لهم، أو عندما تقتضي مصالحه تبديل تحالفاته.......

إن طريق تلعفر هو الطريق الوحيد لخلاصنا جميعا (عرباً وأكراداً وأتراكاً وفرساً) من هذه الرأسمالية المتوحشة، بل هي طريق خلاص لكل البشرية فمعارك العراق معارك كونية وفيها يتقرر مصير البشرية، فإما الفناء على يد الرأسمالية المتوحشة وإما نظام عالمي جديد، فتمعنوا جيداً في الدرس الذي تقدمه تلعفر.