الانسحاب من غزة تحرير أم تكريس لمشاريع الاحتلال؟!

سوسن برغوتي *

حققت "اسرائيل" نصراً إعلامياً بانسحابها من غزة، رغم التخريب والدمار اللذين ألحقتهما بالبنية التحية في القطاع، وعلى صعيد آخر، يحتشد الكثير من الفلسطينيين للاحتفال بهذا الانسحاب، معتبرين هذه الخطوة انتصارا لإرادة المقاومة. ومع أنه ليس بمقدور أحد أن ينكر الدور الرئيسي الذي لعبته المقاومة الوطنية في قض مضاجع العدو، وتكبيده الكثير من الخسائر في اقتصاده وجنوده ومعداته العسكرية، وخلق حالة مستمرة من عدم  الشعور بالأمان جراء العمليات الاستشهادية البطولية، لكن من الصعب التسليم بأن انسحاب العدو من غزة  قد جاء من جانب واحد، ومن غير قيود أو شروط، ذلك لأن المحتل، ببساطة، لا يمنح ولا يعطي مقابل لا شيء.

سوف يدفع العرب جميعاً ضريبة خروج الصهاينة من غزة، وسوف يختزل الوطن الفلسطيني إلى بقعة من الأرض لا تتعدى الـ 1% من حجم فلسطين التاريخية، ولن تعود زهرة المدائن وقدس الأقداس، كما كانت في قاموسنا السياسي لأكثر من ثلاثة عقود لعاصمة للدولة الفلسطينية المرتقبة، بل لن تكون هناك دولة فلسطينية بحدود ومعابر ومياه إقليمية وسلطات معترف بها، وسيصادر ثمنا لذلك، وبشكل نهائي حق الفلسطينيين في تقرير المصير، ليس في الشتات وحده فقط، ولكن في قطاع غزة ذاته وفي مدن الضفة الغربية، وسوف يغدو القطاع كانتونا باهتا، مكتظا بالغالبية المسحوقة من المحرومين والجياع، محاطا بحصار قاس، من كل الاتجاهات.

سيجري العمل منذ الآن، إن لم يكن قد بدأ بالفعل، على إغلاق  ملف القضية الفلسطينية، وستطوى صفحات من صراع تاريخي طويل ومرير بذات الحجج التي تساق الآن هجوم السلام، ومشروع الشرق الأوسط الجديد، والتعايش مع عصر عولمي جديد. وسوف تنفرط السبحة فيتداعى الحكام العرب، الواحد تلو الآخر للاعتراف بالدولة الاستيطانية العبرية، وستحتشد البضائع "الإسرائيلية" على الرفوف في أسواقنا العربية، وفي مخازن الأغذية والأدوية، وربما في مناهجنا الدراسية، وأماكن عباداتنا أيضا؟!

والأنكى من ذلك أن ما يجري على أرض فلسطين سيصبح، بالنسبة للقوى الإمبريالية، نموذجا  مثاليا جاهزا ومفصلا، ينبغي تطبيقه في بقية أنحاء الوطن العربي الذي أصبح عالما عربيا، بل لنكن أكثر دقة فنقول عوالم عربية. أوليس مشروع الفيدرالية والدستور هما الوجه الآخر للديموقراطية والتنوير في منطقتنا؟!

فالمقاومة العراقية التي تتصدى ببسالة أسطورية لأكثر أنواع الاحتلال سطوة وتدميرا، ولظروف تاريخية وموضوعية تمركزت في الوسط العراقي، باعتباره قلب المعادلة، رمز الشموخ والعنفوان في تاريخنا، وعاصمة المنصور ومدينة السلام، وحاضرة العرب في عصرهم الذهبي... سيجري العمل على أن يبقى الوسط محاصرا بدولة كردية في الشمال، وأخرى شيعية تابعة تستمد العون والدعم من الإمبراطورية الصفوية في الجنوب. وربما تكون هذه مجرد مرحلة أخرى من التفتيت، فستكون في الوسط أيضا، محافظات "شيعية" وأخرى "سنية" تبحث عن حكم ذاتي هنا وهناك، ليتحول العراق إلى أقاليم صغيرة يهيمن عليها بشكل مباشر الأمريكيون، وتعطى ألقاب الحكم لأمراء الطوائف.

وهكذا فإن ما سوف يأخذ مكانه على أرض فلسطين، رغم المهرجانات والكرنفالات، لن يكون سوى حصار شامل للفلسطينيين المقيمين في القطاع، سيمتد إلى بقية فلسطين، و يستتبعه إجلاء فلسطينيي ـ48 ، بل وربما تطهير عرقي معلن لسكان يافا وعكا وصفد والناصرة المحتلة، على أساس أن لهم دولة محررة تتمثل في غزة!. وسوف يحتفل شارون بتتويجه بطلا للسلام. وبالتأكيد سيكون التخلص من القطاع مبعث ارتياح بالنسبة له، فقد تخلص من قطاع طالما كبد دولته الخسائر،ليتجه لتثبيت دعائم الدولة العبرية بالضفة، وليبني مزيدا من المستوطنات، ويتفرغ لتصفية رموز المقاومة الفلسطينية الباسلة، وما محاولة اغتيال الشيخ حسن يوسف بالأمس القريب، إلا خطوة على هذا الطريق.

إلى متى تستمر سياسة الضحك على الشعب الفلسطيني، وإلى متى يستمر مسلسل بيع فلسطين ودماء شعبها ببورصة عرابي الاستسلام والامبريالية العالمية؟!. لن يحتفل الفلسطينيون بانتصارهم إلا إذا كان الانسحاب خطوة حقيقية نحو التحرير، تأخذ مكانها على الأرض من خلال التمسك بالثوابت الوطنية، وتغليب صوت المقاومة.. المقاومة الحقيقية.

* محررة وناشرة موقع مبدعون عرب