"إسرائيل" حين تحكم في العراق

السيد زهره/البحرين

الخبر الذي نشرته بعض المواقع الالكترونية منذ أيام يقول إن طائرة شحن عسكرية "إسرائيلية" تحطمت في مطار في شمال العراق. ماذا كانت تفعل في المنطقة الكردية في العراق؟ الإجابة سبق وقدمتها صحف فلسطينية تفصيلاً في معلومات نشرتها مطلع الشهر الحالي. بحسب هذه المعلومات، فقد عقد القادة الأكراد في العراق اتفاقيات مع "إسرائيل" بموجبها تقوم "إسرائيل" بإعداد "جيش كردي" تدريبا وتسليحا، وإقامة مطارات وقواعد عسكرية في المنطقة الكردية. وفي إطار هذه الاتفاقيات، تم إرسال وحدات عسكرية "إسرائيلية" تضم 300 ضابط وجندي إلى المنطقة الكردية في مطلع شهر أغسطس (آب) الماضي، وبدأوا تدريب الآلاف من قوات البشمرجة الكردية. وبحسب هذه المعلومات أيضا، يتلقى ضباط من البشمرجة الكردية حالياً تدريبات في معسكرات تدريب في "إسرائيل".

هذه المعلومات تتسق مع سيل المعلومات التي نشرت وأصبحت معروفة للكل عن أبعاد الاختراق "الإسرائيلي" للعراق منذ بدء الاحتلال الأمريكي. فمنذ بدء الاحتلال، لم يتوقف سيل المعلومات عن مكاتب المخابرات "الإسرائيلية" في العراق، وعن دور "الموساد" في قتل وملاحقة العلماء العراقيين، وعن شركات "إسرائيلية" اقتحمت سوق العراق، وعن تواجد "إسرائيلي" عسكري وغير عسكري مباشر في المنطقة الكردية بالذات. لكن الجديد الذي تحمله هذه المعلومات التي تكشّف منذ أيام أن التواجد "الإسرائيلي" في المنطقة الكردية أصبح "رسميا" ومنظما وواسع النطاق، ويرسي أسس وجود "إسرائيلي" دائم في شمال العراق. أو بمعنى أدق، هذه المعلومات تعني أن القادة الأكراد اتخذوا قرارا استراتيجيا باعتبار "إسرائيل" حليفهم الأول وحاميهم الأول. وليس خافياً أنه ما كان للاختراق "الإسرائيلي" أن يصل إلى هذا الحد الخطير السافر لولا أن تقسيم العراق إلى كيانات مستقلة أصبح مطروحاً رسمياً في "مسودة الدستور العراقي". لا بد أن نعيد التذكير هنا بأن أول مشروع استراتيجي طرح تقسيم العراق صراحة ومباشرة، كان "إسرائيليا". نعني بذلك الوثيقة التي أعدتها المنظمة الصهيونية العالمية في عام 1982 والمسماة "استراتيجية إسرائيلية للثمانينيات". هذه الوثيقة طرحت مشروعا لتمزيق الدول العربية بصفة عامة والعراق بصفة خاصة.

الشيء الذي لا يمكن أن يغيب عن ملاحظة أي قارىء للوثيقة "الإسرائيلية" هو أن ما تضمنته مسودة الدستور العراقي الجديدة، هو إعادة طرح في صياغة جديدة لما تضمنته الوثيقة "الإسرائيلية" بالضبط حول تصورات تقسيم العراق يكفي أن نورد بعضا مما جاء في الوثيقة "الإسرائيلية". جاء بها: "إن تفتيت العراق هو أهم بكثير من تفتيت سوريا.. إن في قوة العراق خطورة على دولة إسرائيل أكبر من الخطورة النابعة من قوة أية دولة أخرى - وسوف يصبح بالإمكان تقسيم العراق إلى مقاطعات إقليمية طائفية.. وبالذات يمكن إقامة ثلاثة دويلات أو أكثر حول المدن العراقية.. دولة في البصرة، ودولة في بغداد، ودولة في الموصل، بينما تنفصل المناطق الشيعية في الجنوب عن الشمال الكردي".. هذا التصور لتقسيم العراق هو بالضبط ما جاء في "مسودة الدستور العراقي" الحالية، وإن بصياغات مختلفة.

المشروع "الإسرائيلي" الداعي إلى تمزيق العراق وتمزيق كثير من الدول العربية يقوم على فكرة استراتيجية جوهرية هي أنه حين تتمزق المنطقة إلى كيانات قزمية صغيرة، ستكون "إسرائيل" هي الكيان الأكبر وصاحب الكلمة الأولى في المنطقة. لهذا، الذي يدركه أولا يدركه هؤلاء الذين يصرون علي تمزيق العراق إلى كيانات أنهم بهذا لا يريدون فقط إنهاء العراق كوطن ودولة واحدة، وإنما يفسحون المجال "لإسرائيل" كي تمرح وتسرح في العراق، ليس هذا فحسب، بل كي تحكم في العراق وتكون لها الكلمة الكبرى، والنفوذ الأكبر. والذي يجري اليوم في شمال العراق هو مؤشر كبير وخطير على هذا. فهل يفيق العراقيون، ويفيق العرب، ويعملوا على الحيلولة دون هذا الخطر الاستراتيجي الداهم على العراق وكل المنطقة؟