جريمة الإبادة في تلعفر
السيد زهره/البحرين
في نفس اليوم الذي كان فيه وزراء الخارجية العرب مجتمعين في القاهرة منذ ثلاثة أيام، كان أهالي مدينة تلعفر العراقية يوجهون نداء استغاثة إلى العرب والعالم. قال أهالي تلعفر في نداء الاستغاثة إن آلافا من قوات الاحتلال والقوات العراقية تحاصر المدينة منذ الثالث من الشهر الحالي وطلبت من أهلها ترك بيوتهم والرحيل عن مدينتهم. وقالوا أيضا إن قوات "فيلق بدر" أقامت نقاط تفتيش وتقوم بإيقاف النازحين والاعتداء عليهم والاستيلاء على أموالهم وعلى مصوغات النساء.
ومنذ يومين تشن قوات الاحتلال الأمريكي وتابعتها قوات حكومة الجعفري عدوانا همجيا شاملا على المدينة، سقط فيه العشرات من أبناء المدينة قتلى. والتقارير اليوم تقول إن أكثر من 300 ألف هم كل أهل المدينة تقريبا تم إجبارهم على الرحيل عن مدينتهم قسرا وقهرا تحت نيران العدوان الغاشم، وهم الآن بلا مأوى.
وزراء حكومة الجعفري كان لديهم من البجاحة ما يكفي كي يعلنوا أن هدف العدوان الهمجي هو "تحرير" المدينة من "الإرهابيين"، أي أنهم يفترضون أن كل أهل المدينة بلا استثناء "إرهابيون"، وأنه من حق قوات الاحتلال الأمريكي أن تقوم "بتحرير" المدينة من كل أهلها بلا استثناء.
الذي حدث في تلعفر ليس له من توصيف بحسب القانون الدولي سوى أنه جريمة إبادة جماعية وتطهير عرقي ارتكبتها قوات الاحتلال وحكومة الجعفري تحت سمع وبصر العالم كله. وهي ليست جريمة الإبادة الأولى. سبقتها جرائم الإبادة في الفلوجة، وفي القائم، وغيرهما من مدن عراقية. نداء الاستغاثة الذي أطلقه أهالي تلعفر يوم كان وزراء الخارجية العرب مجتمعين في القاهرة، نزل على آذان عربية صماء وقلوب من حجر وبصائر عمياء. لم تخرج كلمة واحدة من أي عاصمة عربية تدين المذبحة، أو تطالب بوقف جريمة الإبادة والتطهير التي تجري في تلعفر. هذا الصمت هو جريمة عربية تستعصي على الفهم.
ليكن ما يكون موقف الحكومات العربية من الاحتلال ومن الحكومة التابعة للاحتلال في العراق.. ما الذي يبرر الصمت عن جريمة إبادة وتطهير لأهالي مدينة بأسرها بهذا الشكل الهمجي؟..
ما الذي يمنع الحكومات العربية من أن تدين الجريمة وتطالب بوقفها استنادا على الأقل إلى القانون الدولي الذي يجرم أي استهداف للمدنيين وممتلكاتهم في الدول الخاضعة للاحتلال؟
في ظل هذا الصمت العربي المخزي، لم يكن غريباً أن يعلن وزراء حكومة الجعفري أن هذه الجريمة في تلعفر، سوف تنتقل في الفترة القادمة إلى مدن أخرى حددوها بالاسم، القائم وسامراء وفي الرمادي. أي أن هذه المدن بانتظار عدوان همجي غاشم وعمليات إبادة وتطهير مثل ما حدث في تلعفر.
الحادث اليوم إذن أن عدداً كبيراً من المدن العراقية مهددة بحرب إبادة وتطهير طائفي على يد الاحتلال وحكومة الجعفري. وسوف يمضي هذا المخطط قدما طالما ظلت الحكومات العربية على هذا الحال من الصمت والعجز حتى عن أن تقول لا لإبادة الشعب العراقي.
وإذا كان هذا هو حال الحكومات، فأين المنظمات الأهلية العربية، وأين جماعات الحريات وحقوق الإنسان في الوطن العربي؟.. ما هو مبرر صمتها هي الأخرى؟!