فتاوى دينية.. أم فرمانات لتقسيم العراق

سميرة رجب/البحرين

لم تعد الخطة الأمريكية لتقسيم العراق مجهولة أو سرية، كما لم تعد الاتفاقيات (السرية) للتعاون الأمريكي الإيراني في غزو واحتلال وتقسيم العراق مجهولة وبحاجة إلى الإثبات.. فبعد مرور سنتين ونصف على الغزو والاحتلال والاستهداف الطائفي اليومي للمدنيين العراقيين والمذابح الجماعية والحرب الإعلامية وحرب الفتاوى ومجازر المليشيات الإثنية والطائفية التي تسير باستراتيجية محكمة نحو التفتيت والتقسيم، بعد كل ذلك، صارت تلك الخطة والاتفاقيات قاب قوسين وأدنى، لتقسيم العراق الذي يحاول الأمريكان أن يظهروه، زوراً وبهتاناً، كمطلب مُلِح ولا بد منه لتحقيق الأمن والسلام في العراق والمنطقة..

منذ بداية الغزو وحتى اليوم، قطعت إدارة الاحتلال والمليشيات العميلة للمخابرات والحرس الثوري الإيراني، شوطاً كبيراً في تأجيج الصراع الطائفي الشيعي السني في العراق بكل الوسائل الإجرامية المتاحة، مع التركيز على القتل الجماعي عند دور العبادة والأماكن المقدسة والتجمعات العمالية والآمنة ذات الغالبية الشيعية العربية في المدن العراقية. وسارت تلك الخطة الإجرامية بالتزامن مع عمليات الجيش الأنغلو-أمريكي، تتقدمها «القوات العراقية« التي تشكّلت من تلك المليشيات العميلة، باكتساح مدينة الفلوجة وتشريد أهلها وتدميرها بالكامل، بحسب الخطة الأمريكية باستهداف 30 مدينة عراقية في «المثلث السني« (بحسب مصطلحات الاحتلال)، والتي شملت ما قبل وبعد الفلوجة، مدن الأنبار والسامراء والحلة، والحرب الطويلة في النجف، التي تقول التقارير الرسمية إن الهدف منها كان تدمير ضريح الإمام علي بن أبي طالب، بحسب خطة سرية تستهدف تغيير منهجية الحوزة الشيعية ونقلها إلى خارج الأرض العربية، والتي أفشلها جيش المهدي وقائده مقتدى الصدر (www.kurtnimmo.com/blog/index.thp?) أما الأحداث الأخيرة التي لازالت مستمرة في تأجيج النعرة المذهبية بصورة مباشرة، سواء ما تمارسها قوات بدر والمليشيات المتخفية بزي رجال الأمن، وجماعات تنتحل اسم المقاومة، بالقتل الجماعي على الهوية العربية، وليس المذهبية، في كل المدن العراقية، ومذبحة جسر الأئمة، وعمليات التفجير في الأحياء والمدن العراقية وعند دور العبادة السنية والأماكن المقدسة الشيعية، وما يتخللها من اختطاف وقتل وتعذيب وتشويه في الجثث التي بغالبيتها تحدث لرجال الدين وخطباء المساجد السنية، أو ما تقوم به القوات الأمريكية و(العراقية) بالهجوم على مجموعة أخرى من المدن العراقية مثل الأنبار وبعقوبة والحديثة وراوة والمدائن وتلعفر وما جرى فيها جميعاً من دمار شامل ومذابح جماعية، أوما تخلل تلك الأحداث من مطالبات علنية بالتقسيم بدءاً بأحمد الجلبي وطلب توزيع الموارد على الطوائف، مروراً بعبد العزيز الطباطبائي الحكيم والمطالبة بفيدرالية تضم الجنوب والوسط لحماية حقوق وأمن "الشيعة"، وانتهاء بفتاوى علي السيستاني في مسألة الفيدراليات المطروحة في الدستور، كل تلك الأحداث جاءت كعلامات بارزة أثناء صياغة ذلك الدستور الأثني والطائفي للعراق، وبعد إعلان انتهائه والاتفاق عليه، لفرض التقسيم وحتميته. منذ الغزو والاحتلال الأنغلو-أمريكي للعراق تخصص جانب من الحرب الإعلامية باستثمار الفتاوى الدينية والمذهبية في صالح مخططات المحتلين والشعوبيين في العراق والمنطقة. فبجانب فتاوى الكثير من المعممين "السنة والشيعة" في منطقتنا بشكل عام، كان هناك اهتمام إعلامي خاص باستثمار الفتاوى الصادرة باسم السيد علي السيستاني، بواسطة نوابه وممثليه من مكان إقامته في العراق، من دون أي تأكيد إعلامي موثق بالصوت والصورة عن صاحب الفتوى، سوى صورة الختم الخاص به التي عرضت لمرة واحدة... كانت آخر الفتاوى الصادرة عن السيستاني هي تلك التي ظهرت أولاً في رفض التقسيم الفيدرالي للعراق، لتلحقه بعد فترة وجيزة (كالعادة) فتوى أخرى بقبول ذلك التقسيم... وبينما مجازر الإبادة الجماعية الأمريكية والشعوبية مستمرة على الشعب العربي في مدينة تلعفر العراقية، إذ بالسيستاني يخرج من صمته مرة أخرى، ليس لطلب إيقاف تلك المجازر، بل بفتوى مقاطعة ثلاث دول عربية هي سوريا والأردن والسعودية اقتصادياً وسياسياً، بدعوى تصديرها للارهاب الى العراق، ليستكمل بذلك هدف عزل العراق عربياً، ووضع الأسفين النهائي بين العراق وجذوره العربية، وتحقيق أمنية إلحاق وسط وجنوب العراق بإيران. والعجيب في الأمر إن اتفاقيات وعمليات تدريب "الجيش العراقي" في الأردن لا تزال سارية، ولا تزال المصارف الأردنية تتسلم يومياً ملايين الدولارات نقداً لتودع في حسابات أعضاء "الحكومة العراقية"... دون أن ننسى أن شخصيات في «الحكومة العراقية الحالية«، ومن لف لفهم، كانوا مقيمين في سوريا قبل الاحتلال ولا تزال مصالحهم وأنشطتهم التجارية قائمة هناك، ومن بينهم مصالح "وزير الداخلية الحالي"، صولاغ جبر... ومن أولئك من استلم ملايين الدولارات من الحكومة السعودية عندما كان «معارضاً«... فماذا جرى يا ترى؟ لتسوء العلاقات لحد القطيعة؟؟؟.. أما الأعجب أن هذه الدول العربية ليس لها أي تاريخ توسعي نحو العراق، بينما التهديد والامتداد التوسعي الاحتلالي نحو العراق ومنطقة الخليج العربي كان ولا يزال يأتي من الجهة الأخرى، من إيران... إذ لا تزال إيران تحتل ثلاث جزر عربية عند مدخل الخليج منذ عام 1971، وإقليم الأحواز العربية منذ عام 1925، ومدن عراقية حدودية مثل قصر شيرين وسربيل زهاب وغيرها منذ فترات مختلفة... دون أن ننسى التنويه بأن هذا الدور التوسعي الإيراني كان ولا يزال يتم بمباركة الاستعمار البريطاني ودعمه، وهذا التذكير نوجهه إلى أنظمتنا الخليجية خصوصاً والعربية عموماً، لنؤكد لهم بما يخططه الأمريكان والبريطانيون لمستقبل المنطقة ضمن مشاريعهم الجديدة. والأكثر عجباً وتعجباً هو انه، إذا كانت الجارة إيران تسرح وتمرح في العراق علناً بمختلف الأشكال المدنية والعسكرية، لتثبيت أقدام مؤسساتها بانتظار إقرار الدستور وتقسيم العراق وتسليم الجنوب والوسط العراقي بيد ممثليهم ممن يحملون الجنسية العراقية لتفرض قبضتها الحديدية على المنطقة، فما الذي يمنع الأشقاء العرب من التواجد المؤسسي في العراق عن طريق دعم الأطراف العراقية الرافضة للتقسيم والفيدراليات التي ستجلب على المنطقة الويلات؟... فهل هو الخوف من تهمة (مهزلة) الإرهاب، أم لأسباب أخرى؟!!.