المجرمون في حق الإنسانية، من يعاقبهم؟!!

سميرة رجب/البحرين

أعرب وزير الخارجية الأمريكي السابق كولن باول، عن "أسفه" بسبب الخطاب الذي ألقاه أمام مجلس الأمن التابع لهيئة الأمم المتحدة في فبراير (شباط) 2003، وما أعلنه حينها من مبررات كاذبة لغزو العراق، مبدياً "ألمه"من سعيه إلى التدليل على امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل، وهي الأدلة التي وصفها بأنها كانت "خاطئة" وكانت الذريعة الأولى في غزو واحتلال العراق، موضحاً أيضا انه "لم يكن هناك أي دليل حول الربط بين العراق وبين هجمات 11/9، على الولايات المتحدة".

ولكن كل ذلك الاعتراف والتوضيح جاء في مجال أسفه الشديد على أن خطأه هذا يعتبر "سبة" في جبين توازنه ورصيده السياسي، وليس اعتذارا للشعب العراقي على الكوارث التي حلت عليهم، بفعل الجرائم التي ارتكبها هو ودولته في العراق، قبل وبعد ذلك الخطاب.. ولم يقل لهذا الشعب الأعزل إن كان اعترافه هذا سيعيد الحياة إلى مئات الألوف من العراقيين الذين استشهدوا في أبشع حرب شنتها بلاده عليهم بعد أن قتلوا أكثر من مليون ونصف عراقي بأبشع حصار اقتصادي في التاريخ البشري مدة ثلاثة عشر عاما من دون أي سبب سوى تلك الأكاذيب التي صنعها وتبناها هو وإدارته السياسية، ولا تزال ترددها كل أجهزة الإعلام الأمريكية والغربية وأجهزة الإعلام العربية الغبية والبليدة.. ولم يقل للأمهات الثكالى في العراق إن كان يمكن أن يعيد هذا الاعتراف الحياة لأبنائهن الذين قتلوا في هذه الحرب الغادرة، وإن كان ذلك الاعتراف كافيا لإرجاع كرامة وحياة العراقيات اللاتي اغتصبهن جنود بلاده، أو سيرجع للعراقيين بلدهم الذي فقدوه نهباً وسلباً وتدميراً، وكيف يمكن أن يُرجع الأمن للعراق، والأمان لعقول وقلوب وعيون أطفال العراق... وكيف يمكن أن يُرجع للطفل علي عباس ذراعيه اللتين قطعتهما قنابل الحضارة والديمقراطية الأمريكية في ليلة ظلماء فقد فيها ستة عشر من أفراد عائلته بمن فيهم والده وشقيقه ووالدته الحامل، ليبقى وحيداً يصارع الموت بلا يد يمسح بها دموعه.

وبعد كل ذلك نتساءل هل يفهم أولئك الرجال، ماذا يعني "التاريخ الوطني الشريف"؟!. وإن كان (باول) على هذه الدرجة من القلق والحساسية على "تاريخه"، فيا ترى هل سيتمكن هذا الإنسان أن يتحلل من الشعور بالذنب!! ومن استعادة إنسانيته، بعد كل ما ارتكبه من جرائم؟!. ولأننا متأكدون من زيف كل تلك المشاعر التي عبّر عنها الجنرال (باول)، القائد العام لعمليات "عاصفة الصحراء"، فإننا لا نملك غير أن نقول فليذهب كولن باول واعترافاته وكل "الديمقراطية" التي يتشدقون بها إلى الجحيم، لأن (باول) وكل رفاقه، وباسم "الديمقراطية" حولوا هذا العالم إلى مكان خال من كل القيم الإنسانية، ليصبح مكاناً مليئاً باليورانيوم المشع القاتل للبشرية... فلم يعد أي معنى لتلك الادعاءات بـ "تاريخ الوطنية الشريفة" في قاموس اللعبة السياسية الأمريكية القائمة على قوانين الربح والخسارة وممارسات المافيا الدولية.

وأخيراً، يا ترى هل فهمت أنظمتنا العربية اللعبة الدنيئة التي شاركت بها لتدمير العراق، أم أن كل تلك الاعترافات التي تتوالى علينا من الغرب، بهدف ترتيب الأوراق في مواجهة أي احتمال لمحاكمات دولية مستقبلية، ما زالت غير كافية لإرجاعهم إلى الوعي.