أمريكا.. إمبراطورية قيد الانهيار
فهد الريماوي/رئيس تحرير صحيفة (المجد) الأردن
بين انفجار مفاعل تشيرنوبيل في الاتحاد السوفياتي عام 1986، وكارثة إعصار كاترينا في الولايات المتحدة هذا الأوان، علاقة مصاهرة واضحة لا تخطئها العين الناقدة، وهمزة وصل كبيرة لا يمكن إنكارها أو تجاهلها أو القفز عنها.
فحين وقع انفجار تشيرنوبيل في جمهورية اوكرانيا التي كانت يومذاك جزءاً من المنظومة السوفياتية، وقف العالم مذهولاً أمام الحقائق التي فضحها ذلك الانفجار على صعيد الوضع الداخلي المفعم بالتسيب والإهمال والخراب، والمتعاكس على طول الخط مع مظهر الدولة النووية العظمى التي تحسب لها الأمم والشعوب والمحافل الدولية ألف حساب.
ولعل فضيحة المفاعل تشيرنوبيل قد أسهمت ليس في تشجيع الغرب الرأسمالي على الاستهانة بقوة الاتحاد السوفياتي، وتشديد الضغوط عليه فحسب.. وإنما في إغراء غورباتشوف الذي كان يتبوأ موقع الرجل الأول يومذاك، بتسريع إجراءات البيرسترويكا الارتجالية أو الخيانية التي قوضت هذه الدولة العظمى من داخلها خلال خمس سنوات فقط.
قبلها كان الجيش الأحمر قد تورط في أفغانستان، وعجز عن حماية النظام التقدمي هناك، ومني بخسائر وانكسارات هائلة أمام جماعات "المجاهدين الأفغان" الذين جندتهم ودربتهم وسلحتهم أمريكا، وأوكلت لهم مهمة استنزاف المجهود الحربي، ومفاقمة الوضع الاقتصادي والسياسي والاجتماعي لدى الاتحاد السوفياتي.
وهكذا تكشفت هزيمة الجيش الأحمر في أفغانستان، وكارثة مفاعل تشيرنوبيل في اوكرانيا، عن دولة هزيلة ومنخورة بالفساد والاستبداد والبيروقراطية، رغم أنها قطب عالمي عظيم ومدجج بأنياب نووية، ومهيمن على نصف أوروبا الشرقي.
نتفق مع ماركس في أن التاريخ لا يكرر ذاته إلا في صيغة مهزلة أو مأساة، غير أننا نتفق أيضاً مع هيغل في حديثه عن "مكر التاريخ".. ذلك لأن التاريخ الماكر كثيراً ما يسير في دوائر متقاطعة، ويوفر للإمبراطوريات نهايات متماثلة ومصائر متشابهة.. فالولايات المتحدة التي ضبطها إعصار كارترينا بالجرم المشهود، وتكشفت أمام العالم عن إمبراطورية هزيلة ومفككة من داخلها، لا تختلف كثيراً الآن عما كان عليه حال الإمبراطورية السوفياتية عام 1986.
كان لا بد لإمبراطورية الشر الأمريكية من دخول الامتحان العراقي، كي تكتشف أن غزو الشعوب ومهاجمة الأوطان ليس لعبة، بل ورطة عانى منها الجيش الأحمر في أفغانستان، كما يعاني منها الآن الجيش اليانكي في العراق.. وبقدر ما أدت إلى تأزيم الأوضاع الداخلية السوفياتية آنذاك، سوف تؤدي إلى مفاقمة الأوضاع الداخلية الأمريكية راهناً ومستقبلاً.
كان لا بد لإمبراطورية رعيان البقر من دخول امتحان الإعصار كاترينا، كي تكتشف حقيقتها كنمر من ورق، وعملاق من فخار، وأكذوبة كبيرة صنعتها هوليوود.. فهي في واقع الأمر دولة منخورة بالإهمال والعنصرية والعصابات الإجرامية والتفاوت الطبقي والسيطرة (...) والهوس الانجليكاني.. وهي دولة ديناصورية تتسم بضخامة الجسم وضعف الحواس، بل ضعف الجهاز العصبي والعقلي الذي أتاح لفتى غشيم وسكير من طراز بوش أن يتسلم عجلة القيادة فيها، وأن يعبث بمقدراتها وأولوياتها ومصالحها العليا.
إعصار كاترينا لم يدمر مدينة نيواورليانز وأخواتها وجاراتها فقط، ولم يدمر مكانة أمريكا في نظر الدنيا فحسب.. بل أشر على قرب نهاية هذه الإمبراطورية الغبية التي أصيبت عقب انهيار القطب السوفياتي بأقصى درجات الغرور، وتوهمت أن القوة العضلية يمكن أن تغني عن قوة العدل والحق والعقل، وتخيلت أنها "المستثنى بالا" من حركة التاريخ الذي استسلم لإرادتها، ووجد نهايته بين يديها، أو ربما تحت قدميها!!
كثيرة هي الإمارات والمؤشرات التي كانت تدل على وجود خلل كبير، بل عيوب فادحة داخل الجسم الأمريكي المتورم.. أولها وأبرزها استسلامه للنفوذ (...)، بل الليكودي الذي سخّر القدرات الأمريكية لخدمة "الدولة العبرية" والحركة الصهيونية، ولعلها المرة الأولى في التاريخ التي تتمكن بموجبها دولة صغيرة من السيطرة على إمبراطورية عظمى، فالأصل والأساس أن يحدث العكس بحيث تتسخر الدول الصغرى لخدمة القوى الكبرى.
أما ثاني هذه الدلالات والمؤشرات، فهي النتيجة المفجعة التي تمخضت عنها الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي أعادت الفتى بوش مجدداً إلى رحاب البيت الأبيض، وأثبتت أن الناخب الأمريكي دون مستوى مسؤولياته، بعد أن كان العالم كله يتوقع أن يحدث العكس، جراء سلسلة المثالب والإخفاقات التي منيت بها سياسات بوش وممارساته خلال الفترة الرئاسية الأولى.
ثالث هذه المؤشرات والإمارات، هجمة بوش الظالمة والآثمة والمفتقدة لأي سند شرعي أو قانوني على العراق.. ذلك لأن هذه الهجمة التي عارضتها كل شعوب الأرض، جسدت كل معاني الغطرسة والغرور والتهور التي قد تليق بالعصابات الإجرامية، ولكنها بالقطع لا تليق بالدول المتحضرة، والقوى العظمى التي تستحق أسماءها.
رابع هذه الدلائل، حرب بوش الرعناء والهوجاء على "الإرهاب"، والتي طاشت سهامها، وأدت إلى عكس المعول عليها.. فبدل أن تؤدي هذه الحرب المذيلة بتوقيع "المحافظين الجدد" إلى تقليص بؤر "الإرهاب" وتجفيف منابعه، أدت إلى انتشاره وازدهاره وازدياد شعبيته وتوفير مراكز وساحات إضافية ومجالات حيوية لوجوده ونفوذه.
خامس هذه الدلالات وأخطرها، عودة المكارثية الجديدة إلى الآفاق السياسية الأمريكية، وابتعاد النخب الذكية والقيادات الإبداعية عن مراكز صنع القرار لدى إدارة بوش التي اكتظت بالحمقى والمهووسين والمدسوسين والثأريين وقصار النظر، حتى لكأن آلية إنتاج وتمكين القادة والمسؤولين الأمريكان راهناً، قد تماهت تماماً مع مثيلاتها في العالم الثالث لجهة تقديم الطالح على الصالح، وإحلال المتهور والمتكبر محل العاقل والعادل.
قبيل الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة تساءلنا في مقال منشور في هذا المكان، إن كان الشعب الأمريكي قادراً على تصويب المسيرة الأمريكية من داخلها، وذلك بانتخاب جون كيري، أسوة بما فعله الشعب الفرنسي حين هب عن بكرة أبيه لانتخاب جاك شيراك بدلاً من المرشح العنصري جان ماري لوبين الذي كان قد فاز بنسبة ملحوظة في المرحلة الانتخابية الأولى.. غير أننا فجعنا، شأن باقي أحرار العالم، بإعادة انتخاب جورج بوش الذي يبدو انه كان الأقرب إلى المزاج العنصري والأصولي لدى السواد الشعبي الأميركي، وبالذات في الولايات الجنوبية المتدينة.
هذا الأوان، وبعد خراب البصرة ونيواورليانز معاً، وبعد أن وقعت الفأس في الرأس كما ذاب الثلج وبان المرج، نود أن نعيد طرح السؤال.. هل يقوى الشعب الأمريكي على تدارك أوضاع بلاده، وتصويب المسار الوطني من داخله، وإعادة أمريكا إلى مكانة الدولة العظمى.. أم يبقى سادراً في العبث والغياب والإذعان والسلبية القاتلة؟؟
هل يقوى الشعب الأمريكي على التحرر من النفوذ (...)، والكنيسة الانجليكانية، والمحافظين الجدد، والغطرسة العدوانية التي تباعد بينه وبين سائر شعوب العالم؟.. أم يترك لهذه القوى والجماعات أن تقوده إلى المزيد من الكوارث والنكبات والانهيارات التي سوف تسرع في تقويض الإمبراطورية الأمريكية المتداعية؟؟
أخيراً.. يتعين على الشعب الأمريكي كله أن يرى صورته الحقيقية في مرآة الشعوب العالمية، من خلال التمعن فيما قاله الشاب السيريلانكي ساجيوا شيناتاكا لوكالة (رويترز) للإنباء، في معرض المقارنة بين تبعات إعصاري تسونامي وكاترينا، حيث قال "أنا اشعر بالاشمئزاز من الجاري في أمريكا، فحين ضرب إعصار تسونامي بلادنا حاول شعبنا - حتى من فقدوا كل شيء - مساعدة الآخرين الذين كانوا يعانون، ولم يتعرض سائح واحد أو متجر واحد للسلب أو النهب.. أما الآن وفي ظل ما يحدث في أمريكا، فيمكننا أن نرى بسهولة أين يقع الجزء المتحضر من العالم".