تغطية الفشل بالدم!
نواف أبو الهيجاء/كاتب وروائي من فلسطين المحتلة يقيم في الأردن
وهذه مجزرة أخرى في الكاظمية وقودها العراقيون الأبرياء.. ولا بد من القول أن ما يجري في العراق من استباحة للمدن والبلدات والقصف الذي لا يميز بين الحجر والبشر والشجر، والتصريحات المتواترة عن الاستعداد لحوار الطائرات والدبابات والصواريخ في عدد كبير من المدن العراقية، من بينها، ليس تلعفر حسب بل القائم وسامراء والرمادي وراوة وحديثة وسواها لا يمكن أن يخفي الحقائق التي أثبتتها شهور الاحتلال، الثلاثون، من أن المشروع الأمريكي في العراق قد فشل. لقد فشل في "مشروعيته" كما فشل في "إعادة إعمار العراق" وفشل في تثبيت دعائم الأمن والاستقرار وفشل في منح العراقيين الحرية، وصناعة عراق حر ديمقراطي موقد سيد ومستقل. وفشل في إثبات قدرة القوة الغاشمة على تطويع الشعوب، وفشل في إثبات نظرية أن من يقاوم المحتل هو ذاته "الإرهابي المتسلل" إلى بلاد الرافدين لأن شعب العراق يستطيع أن يميز من يستهدفه ومن يستهدف الغزاة وأدواتهم وأركانهم وأوكارهم.
إن محاولة إلقاء اللوم على الدول المجاورة عموماً وعلى سورية خصوصاً لا ينقصها العبث ولا الفشل لأن المحتل يقر ويعترف أن المقاتلين الأجانب قلة قليلة وأن المقاومين العراقيين يمثلون أكثر من تسعين بالمائة من مجموع الذين يتصدون للاحتلال وأدواته، كما أن محاولة إخضاع الغالبية العظمى من العراقيين الأجندة الاحتلال عبر الدستور لاقت الفشل مسبقاً وإن جاءت العمليات العسكرية الراهنة لإخراج نسبة كبيرة من العراقيين من عملية "الاستفتاء" على الدستور لمعرفة أكيدة لدى المعنيين أن هذه النسبة إن دخلت العملية الديمقراطية بالاستفتاء فسوف تحبط الدستور وتفشله وتسقطه.
أما اللجوء إلى حرب الإبادة فهو طريق أثبتت التجربة أنه مغلق وعبثي بدليل ما كان قد حدث في الفلوجة وفي سامراء والرمادي سابقاً. وبدليل أن هناك عودة جديدة لاستهداف هذه المدن بعد ثبوت الفشل.. وهكذا تعود أمور المحتلين إلى الدوران في حلقات مفرغة. وكل محاولات تصدير الأزمة التي وصل إليها الاحتلال وأدواته لن تغيب الحقيقة المرة التي تدرج على أرض العراق، إن كان ذلك عبر فقدان الأمن، أم عبر فقدان أبسط وسائل العيش، من ماء وكهرباء ووقود، وعمل حيث البطالة وصلت إلى أرقام قياسية وصار كثير من العراقيين لاجئين في وطنهم... بعدما فقدوا الأمن والبيت والمال والعيال بطريقة أو بأخرى، وحيث أن الدم العراقي تحول إلى رقم جامد وبارد، وحيث ينصرف العرب المعنيون عن الشأن العراقي وكأنه لا يعني أحدا منهم مع أن كل ما يجري في أي أرض عربية يعني العرب كلهم، بل ويعني المسلمين وأبناء الإنسانية في الكرة الأرضية.
لقد تحولت أهداف الغزو من أسلحة الدمار الشامل ومن تنفيذ المهمة ومن "بناء عراق ديمقراطي حر وأنموذج" إلى الساحة الرئيسية في الحرب على "الإرهاب"، وهذه الأكذوبة أكثر وأكبر من أن تنطلي على أي عراقي، لأن كل العراقيين يدركون أن "الإرهاب" صناعة واردة من الاحتلال ومع الاحتلال.. وهي وسيلة للتدمير والتمزيق والإبادة، لكي تنتشر المساحة المرسومة للحرب إلى ابعد من العراق وبكل الوسائل المتاحة وغير المشروعة.
كان الغزو قد تم قفزاً من فوق الإرادة الدولية.. ثم كان الاحتلال إقراراً من مجلس الأمن الدولي وكون الولايات المتحدة دولة محتلة، فإن اتفاقيات جنيف والقانون الدولي يفرضان عليها واجبات ويجردانها من الحقوق. ومن الواجبات حماية السكان المدنيين، فما الذي يفعله الاحتلال الأمريكي في العراق غير التدمير والقتل والحرب المجنونة التي تنتقل من مدينة إلى أخرى ومن محافظة إلى أخرى؟ أين المتباكون على الشرعية الدولية وحقوق الإنسان؟ أين الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي ومجلس الأمن من حمامات الدم التي تجري في العراق على قدم وساق وعلى أيدي المحتلين الذين يذبحون المدنيين من السكان وينسفون بيوتهم على رؤوسهم ويدفنونهم أحياء تحت أنقاضها؟ أين العالم من الدم العراقي الذي يتفجر في مدن العراق ليحيل هذا العراق إلى بحر من الدم يختلط فيه كل شيء؟