350 مليارديراً دولارياً يحكمون العالم!
نصر شمالي- سوريا
تحدّثت آخر تقارير الأمم المتحدة، التي صدرت قبل أيام، عن اتساع الهوّة وتعمقها أكثر بين خمسة أسداس العالم الفقيرة وبين سدسه الثري، وأعطت مثالاً على ذلك بالمنتوجات الحيوانية من الألبان والأجبان واللحوم التي يستحوذ السدس الثري على 80% منها! وهذا الاستحواذ يشمل منتوجات جميع قطاعات الحياة الأخرى بنسب تزيد قليلاً أو تنقص قليلاً، غير أن ما نقلته الصحف عن تقارير هيئة الأمم لم يذكر حصة الولايات المتحدة لوحدها من الثمانين بالمئة التي تستولي عليها دول الشمال الغربي الثرية المتخمة، فهذه الحصة لا تقل بأية حال عن 20% من 80%! ولا يدري المرء كيف يمكن أن تستقيم أية قراءة موضوعية لأحوال العالم البائسة من دون الانطلاق من هذه الحقائق الرقمية المريعة، حيث تصرّ واشنطن أن هذا العالم بأفضل حال، ولا يعكّر صفوه ورخاءه ويهدّد أمنه سوى الإرهاب الذي ظهر من فراغ، حيث الإرهابيين ليسوا سوى عدميين، عبثيين، يعبدون الموت حسب وصف وولفويتز، ويفعلون ما يفعلونه من أجل الموت فقط!
الربط بين الظواهر والمراحل
إنها لمأساة أن يعجز العالم عن توصيف الأسباب الحقيقية لهذه الحرب العالمية التي تشنها الولايات المتحدة ضدّ الأمم بحجة مكافحة الإرهاب، وما يزيد المأساة قتامة وفظاعة تواطؤ معظم النخب الحاكمة وغير الحاكمة في الجنوب مع واشنطن في محاولاتها المستميتة لطمس الأسباب الحقيقية لبؤس وعذاب البشرية، فهذه النخب توافق بصمت على النظرية السخيفة القائلة بنهاية التاريخ، وترضخ مذعنة لإرادة واشنطن في قلب المعاني، وذلك بإدانة الضحايا وتبرئة القتلة! ولأن التاريخ انتهى، حسب زعم الليبراليين الأمريكيين الصهاينة، فإن الموقف المطلوب من الجميع يتلخص في مجرّد الانحياز إلى أحد الطرفين المتحاربين الآن، وبالطبع الانحياز إلى الأمريكيين الأخيار في حربهم ضدّ الأشرار، من دون تفكير ولا تحليل و لا ربط بين الظواهر، كظاهرة الإرهاب وظاهرة الاستئثار بثمانين بالمئة من المنتوجات الحيوانية مثلاً! ومن دون العودة إلى السياق التاريخي العام في مراحله المتتالية المترابطة التي تفسّر كيف آلت أوضاع العالم إلى ما آلت إليه اليوم من فظائع فريدة.
وكيف نستطيع أن نفهم ما تفعله الإدارة الأمريكية، في فلسطين والعراق خاصة، إذا لم نعد قليلاً إلى الوراء، مثلاً إلى عام ،1910 لنرى كيف كان الوضع المالي الدولي في بداية صعود واشنطن إلى مركز القيادة الأول في العالم? ففي ذلك العام كان حجم الكتلة المالية الدولية في حدود 600 ألف مليار فرنك، تستأثر أربع دول بمبلغ 479 ملياراً وهي بريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا، وتتقاسم المبلغ المتبقي، وهو 121 ملياراً، دول جميعها أوروبية ما عدا اليابان فقط!
توصيف الأخيار والأشرار بالأرقام!
لنأخذ أمثلة أخرى نوعية تفسّر لنا الأسباب الحقيقية وليس الأسباب الملّفقة لما يحدث في العالم اليوم، خاصة في العراق وفلسطين، فقد كان متوسط استهلاك الفرد الواحد من الطاقة في البلدان الصناعية الثرية بحدود ستة آلاف كغم، أما في بلدان الجنوب حيث أربعة أخماس سكان العالم فكان الاستهلاك الفردي في حدود ثلاثمئة كغم، أي أن النسبة كانت 1 إلى 20 حسب إحصاءات الأمم المتحدة لعام 1971! وكان الاستهلاك الإجمالي العالمي للطاقة في عام 1971 بحدود سبعة مليارات طن، موزعة على النحو التالي: الولايات المتحدة تستأثر لوحدها بكمية 2500 مليون طن من الطاقة، والاتحاد السوفييتي ودول حلف وارسو والصين الشعبية تستهلك جميعها 2000 مليون طن، ودول أوروبا الغربية ومعها اليابان تستهلك جميعها أيضاً 2000 مليون طن، أما جنوب العالم بكل دوله، أي ما يسمى بالعالم الثالث، فيستهلك فقط 500 مليون طن!
كيف يمكن تجاهل هذا الواقع الحقيقي الذي لا يلتفت إليه أحد تحت ضغط الضوضاء والصخب الأمريكي المفتعل? غير أن أوضاع العالم في نهاية التسعينات انحدرت إلى حالة من البؤس تجعل الذي ذكرناه آنفاً مجرّد حكايات لطيفة، ففي عام 1960 كان 20% من سكان العالم يستحوذون عنوة على 75% من مجمل ثروات العالم، أما في عام 1996 فإن هؤلاء العشرين بالمئة الأثرياء صاروا يستحوذون على 85% من مجمل المنتوج والاستهلاك العالمي!
وفي ذلك العام 1960 كان العشرون بالمئة الأكثر فقراً في العالم يحصلون بالكاد على 2.5% من مجمل ثروات العالم، أما في عام 1996 فإن هؤلاء صاروا يحصلون بشقّ الأنفس على 1.5% فقط!
وفي ذلك التاريخ نفسه (1960) كان 60% من سكان العالم يحصلون على 22.5% من مجمل ثروات العالم، وهؤلاء كانوا الأخماس الثلاثة من سكان الأرض الذين يشكلون ما يمكن تسميته بالطبقة الوسطى العالمية، أما في عام 1996 فإن هذه الكتلة البشرية الضخمة باتت تحصل بالكاد على 13.5%! ثم بدأت الطبقة الوسطى انحدارها المتسارع، لتنضم إلى الأقلية الأشدّ فقراً وتحوّلها إلى أكثرية عالمية ساحقة!
ديكتاتورية النهابين هي النهاية!
غير أن ما انكشف في العام 1998 فاق كل التوقعات، حيث صار 350 مليارديراً دولارياً عالمياً يستحوذون لوحدهم على ما يعادل مداخيل 45% من سكان العالم، ومن هؤلاء طبعاً آل بوش وآل تشيني وآل رامسفيلد وأمثالهم، الأمر الذي يفسّر لنا ضرورة الديكتاتورية العالمية من وجهة نظرهم، وهي الديكتاتورية التي أقامتها فعلاً هذه الحفنة من النهابين القتلة، وجعلتها علنية مباشرة منذ عام 2000! غير أن هذا التطور الخطير يشير، من جهة أخرى، إلى النهاية، فبعده ليس ثمة صعود، وليس غير الانحدار.
إن هذه الحقائق البسيطة والهائلة، القريبة والبعيدة، المفهومة والمعقدة، لم تكن في متناول الأمة بصورة كافية، كمادة رئيسية في كفاحها، حيث نجح العدو وأتباعه الإقليميون في تشويش رؤيتها، وفي إشغالها بالثانوي عن الرئيسي، وبالتالي في إرباك أدائها وجعله خبط عشواء لعشرات السنين، خاصة بعد أن استكمل سيطرته على بناها الفوقية السياسية والثقافية، وجعل هذه البنى تغرق في حمأة الخيانة، فتساهم في تضليل الأمة وتعطيل قواها.
ولكن، هاهو منطق التضليل والإرهاب الأمريكي يضمحل ويفقد فعاليته، وها هي عمليات القمع والتنكيل تعجز عن استئصال روح المقاومة، وها هي آلية النهب التي دمّرت كل جوانب حياتنا تنكشف بعد أن طال تخفيّها وراء أحداث أخرى ثانوية أو مفتعلة، أما الفضل في حدوث ذلك فيعود للمقاومة الفلسطينية الباسلة بالدرجة الأولى، خاصة منذ انتفاضة الحجارة الأولى، فهي التي أسست لنهوض المقاومة اللبنانية، ثم لانتصارات المقاومة العراقية التي تلخص باستراتيجيتها غير المرتدّة جميع نضالات أمتنا على مدى القرن العشرين، وتتضمن في ثناياها جميع أمانيها المشروعة وأهدافها العادلة.