"حراس الأرز".. وعودة الروح الانعزالية!

عبد اللطيف مهنا/كاتب من فلسطين المحتلة يقيم في سوريا

هل من الجائز استهجان البعض ما ورد في بيان "حزب حراس الأرز" اللبناني، أو استغراب آخرين لما طرحه هذا الحزب في المؤتمر الصحفي لقيادييه الجدد الثلاثة، أو الحرص على إبداء الشعور بالصدمة حيال كل ما جاء في مناسبة إعلانه لبرنامجه تحت عنوان لبنان الجديد والذي جاء إيذاناً ببدء عودته إلى نشاطه العلني الذي كان مضمراً؟!

إذا كان من حق، بل واجب، العديد من الفعاليات والقوى السياسية والثقافية اللبنانية تحديداً، استنكار مثل هذه الفضيحة وشجبها والأمر نفسه بالنسبة لسواهم من العرب عموماً، وهذا ما تم على أية حال، فليس من حق الجميع التعامي عن حقيقة لا يجادل فيها إلا مغرض، أو منافق يضمر الموافقة على ما طرحه هؤلاء الانعزاليون العائدون وينكره عليهم علناً، تقول:  إن البيئة السياسية اللبنانية الراهنة في ظل انتقال لبنان إلى الموقع الآخر ومعطيات هذا الانتقال الجديد، التي تتم تحت رعاية ما يطلق عليه اللبنانيون دول الوصاية، وكذا البيئة العربية الراهنة الرازحة تحت طائلة مرحلة الانحدار المزري وغياب الإرادة السياسية الذي طال، تشكلان المناخ المواتي، بل الحاضنة الدافئة والظرف المشجع، لهكذا أنواع من "الحرّاس" وهكذا مقولات تنضح بالحقد الانعزالي المزمن والأطروحات العنصرية البغيضة.

لذا، لا مبرر لاستهجان ولا استغراب، ولا ما يفاجئ فيصدم، لأن الأرزيين هؤلاء لم يفعلوا أكثر من تدوير أفكار وبرامج وأطروحات قديمة سبقت الحرب الأهلية اللبنانية ونمت في ساحتها، ولم يزيدوا على ما انتقاه الانعزاليون عموماً، في ذلك الحين وحتى قبله بعقود، أو استعاروه مما لامس هواهم من العقائد الفاشية الأوروبية... بل يمكن القول، إنهم كانوا أكثر جرأة أو جنوناً، بحيث قالوا جهاراً : اليوم ما ربما يكتمه أو يضمره الكثيرون من الحراس غير المعلنين في البيئة الطائفية الموبوءة والكريهة التي ابتلى بها لبنان... إنه ببساطة عودة للروح الانعزالية في بيئة ظلت صالحة لهذه العودة، وغدت اليوم أكثر خصوبة، لانتشاء هكذا حالات في ظل المناخ الذي تشيعه وترعاه الأم الحنون الجديدة أو ما يعرف بدول الوصاية الخارجية حيث الوطنية يراد لها اليوم في ظل هذا المناخ أن تغدو خروجاً على الذات، أو هروباً من الجلد واللجوء إلى التبعية المعلنة، مع إشهار العداء المبتذل للعرب والتنكر المسف للهوية التاريخية حضارة وقيم وثقافة... أو باختصار إحلال العدو العربي محل الأجنبي، ورفع فزاعة التدخل العربي بديلاً عن حقيقة الخطر الصهيوني، لدرجة أن العمالة للعدو عبر المطالبة بالعفو عن اللحديين الذين تعاونوا مع الاحتلال ورحلوا معه، أصبحت مبررة، والمقاومة عبر المناداة بتطبيق القرار 1559 مستهدفة.

ماذا طرح الأرزيون في مؤتمرهم الصحفي إياه، والذي تصادف مرور الذكرى السنوية لمجزرة صبرا وشاتيلا المعروفة التي ارتكبها الانعزاليون اللبنانيون في حينه بإشراف مباشر من الجنرال أريئيل شارون وجاهر "حراس الأرز" بمشاركتهم في ارتكابها... وأيضاً ذكرى اجتياح الجيش "الإسرائيلي" لبيروت؟

بالمناسبة، قتلة صبرا وشاتيلا هم الآن أحرار يسرحون ويمرحون في لبنان دون ملاحقة، وبعضهم يقيم في فلسطين المحتلة أو فرنسا والولايات المتحدة وكندا وأستراليا وسواها من البلدان الغربية، والأدهى أن بعض من قادوهم هم نوابُ الآن في البرلمان ويشاركون في الائتلاف الحاكم!

أما ما طرحوه، فقد قالوا: إنهم ليسوا في حاجة لبرنامج جديد لأن القديم، أي برنامج 1977، ما زال صالحاً في زمننا الراهن، وعليه يطالبون عبر هذا القديم الجديد بما يلي:

محاكمة السياسيين التقليديين، وبناء جيش جبار يؤمن بالله وبلبنان، تعديل قانون الانتخاب، إبعاد الفلسطينيين الغرباء نهائياً ومصادرة أملاكهم.

أما أعداء لبنان الذين أخذ الحزب على عاتقه أن يناضل ضدهم فهم، كما أعلن عضو هيئة القيادة الجديدة ناجي عودة في مؤتمره الصحفي ثمانية:

السياسيون التقليديون، الحركة العروبية، الغرباء، الطائفية، الرأسمالية الحادة، الإيديولوجيات اليسارية المستوردة، الصحافة المأجورة والفلسطينيون!

وقد نستفيض في تتبع ما ورد في المؤتمر الصحفي الذي عقده قادة "حراس الأرز" الجدد الثلاثة: المحامي ناجي عودة، والصحفي حبيب يونس، وجوزيف الخوري طوق، لكن نكتفي بإيراد شعار من شعاراته، وهو:

على كل لبناني أن يقتل فلسطينياً... وبعضاً من مقتطفات وردت في البيان الذي أذيع في هذا المؤتمر، ومنها هذه العبارات:

ملاحقة رئيس حزبهم اتيان صقر (أبو أرز)... المتحالف مع "إسرائيل"، وصاحب مقولة أمن لبنان من أمنها، والحدود بينها وبين لبنان مصطنعة، وهي الصديق الوحيد للبنان في محيطه الجغرافي، والذي رحل مع "الإسرائيليين" بعد تحرير جنوب لبنان... بأحكام غيابية جائرة وجاهزة مسبقاً، وملاحقة عناصر قيادية بتهم باطلة وسجنهم ظلماً. ضرورة انسحاب لبنان من جامعة الدول العربية لأنه ليس جزءاً من هذه الدول. السوري أسوأ من "الإسرائيلي" لم تأت العروبة على لبنان إلا بالضرر، لن يبقى فلسطيني على أرض لبنان، على كل لبناني أن يقتل فلسطينياً وإلغاء اتفاق 17 أيار/مايو هو غلطة العمر، والعروبة فكرة متخلفة لم تجلب للبنان إلا الكوارث!

إلى هنا، وإحالة النيابة العامة قادة حراس الأرز الثلاثة إلى التحقيق يعد أمراً منطقياً ومطلوباً، لاسيما وأن ما بدر منهم يعد خروجاً على الدستور اللبناني والتوافق الوطني على الخروج من مرحلة الحرب الأهلية ولكن، وعودة إلى استهجاننا لاستهجان نراه في غير محله لطروحاتهم، لأننا نرى أنها لم تأتِ من فراغ، وإنما من نبت بيئتها الطائفية وتنمو في ظل مناخات التحول الجاري، الذي أقل ما يقال عنه: إنه انتقال لبنان إلى الموقع الآخر، نقول: إنه حتى لو تم التحقيق معهم قضائياً، لا سيما وقد أعلن الحزب بعد التحقيق مع قادته الثلاثة، أنه يصر على تمسكه بشعاره التاريخي: لن يبقى فلسطيني على أرض لبنان، فماذا عن تلك البيئة الانعزالية الأم التي بدأت في الانتعاش والتي يعبر "حراس الأرز" عنها أصدق تعبير؟!

ماذا عن الحالة العربية المتردية، حيث ينطبق عليها حال المريض الذي ما إن يهن جسده ويفقد مناعته حتى تبدأ الأمراض الكامنة فيه تعلن عن أعراضها، أي يبدأ السقم يتناهشها من أعضائها الأضعف... هل يمكن فصل برنامج وشعارات "حراس الأرز"، مثلاً، عن مطالبة رئيس الجمهورية المؤقت لعراق ما بعد الاحتلال قوات الاحتلال بالبقاء في بلاده لإرهاب الجيران؟

أوليس هناك خيط يربط بين ما يدبر لأرض السواد وسفوح الأرز وصولاً إلى عاصمة الأمويين؟

وما الفارق بين أحلام "حراس الأرز" في لبنان ومهام ألويه الذئب في العراق؟!

بالمناسبة، الكل يعلم أن الفلسطينيين في العراق يواجهون تحت طائلة الصمت المتواطئ أرزيين آخرين يريدون اجتثاثهم ونفيهم مرة أخرى.

وأخيراً أوليس الحق كل الحق مع بعض اللبنانيين الذين يجزمون بأن "حراس الأرز" هم الأبناء غير الشرعيين لما سميت ثورة الأرز؟!

أوليس الحق معهم أيضاً، عندما يعبّرون عن خشية لم يعد بالإمكان كتمانها من أن تتحول مهمة لجنة التحقيق الدولية المستقلة في لبنان إلى ما يشبه مهمة سالفتها الاونوسكوم في العراق، وأن يلعب الألماني ديتليف ميليس، لا سمح الله، نفس الدور الذي سبق وأن لعبه الأسترالي ريتشرد بتلر؟

قد نسترسل في المخاوف في بيئة لبنانية صالحة لتوقع ما هو مخيف، وبيئة عربية أشمل يعد ترديها المسف مدعاة للإحساس بكل ما هو مفجع ومهين... أي يظل حراس الأرز من بذار الأولى، لكنه بذار لا ينمو إلا في تربة يوفرها سوء حال الثانية!