من قانون بريمر... إلى دستور زلماي خليل زادة..!

عبد اللطيف مهنا/كاتب من فلسطين المحتلة يقيم في سوريا

قيل الكثير، وسوف يقال، حول مشروع "الدستور العراقي". سيظل مثار الجدل المستمر ومدار الخلاف الدائم. وحيث هو المطروح في ظل الاحتلال، ويدوّن تحت رعايته في سابقة لم يعرف التاريخ لها مثلاً، فقد غدا العنوان الذي يختصر عملية إعادة تشكيل عراق ما بعد الغزو وتظل عملية أعداده رهن وصفة من وصفات المصالح الاستراتيجية الأمريكية الجاهزة. وهو وأن أصبح في حكم المقر، وإن لا زال يخضع لعمليات ترميم وتجميل متواصلة بغية استمالة قطاعات عراقية واسعة ترفضه، فليس هناك ما يؤكد إمكانية فرضه على العراقيين. وحتى وإن فرض فلا ضامن لقبوله وبالتالي استمراره، في بلد شهد أسرع عملية بدء مقاومة عرفها التاريخ اندلعت بعد الاحتلال، وفيه اليوم، باعتراف الغزاة أنفسهم، وبشهادة كل العالم، مقاومة متصاعدة تتسع وتنتشر في مجمل خارطته، وتتعاظم لدرجة ما يحكى عن سيطرتها الكاملة لفترات زمنية على مدن بكاملها، كما حدث في مدينة القائم مثلاً، وتزداد مع الأيام جرأةً في مهاجمة أهدافها، كما هو حالها عندما هاجمت مجموعاتها في وضح النهار معقلاً له فرادته وخصوصيته الأمنية كوزارة الداخلية في بغداد... لعل أدق ما يقال عن هذا "الدستور" هو ما أجملته شخصية بوزن وصراحة الزعيم الكردي الدكتور محمود عثمان، أحد واضعيه المفترضين، أو المفاوضين في بازار صياغة بنوده، والمرافق الدائم لكامل خطوات تأسيس عراق ما بعد الغزو، ومنذ ما عرف بـ"مجلس الحكم الانتقالي" في زمن بريمر... وحتى في تحضيرات ما سبق الغزو في مؤتمري لندن وصلاح الدين، اللذين جمعاً كل من عادوا مع الاحتلال... قالها الرجل بصريح العبارة: "بعث الأمريكان لنا دستوراً كاملاً لنوقع عليه"، وما قاله محمود عثمان ليس بجديد أو في حكم غير المعلوم، لأن جذره أو ما تأسس عليه يعود، كما يجمع المتابعون، إلى ما عرف بقانون إدارة الدولة الذي صاغه نوح فيلدمان ووقعه بريمر ووافق عليه أعضاء "مجلس الحكم الانتقالي" الذين عينهم الأخير، أي أن هذا الدستور أُستند في وضعه إلى ذاك القانون وبُني عليه. بل لا يخطئ من لهم إلمام معقول بالعربية أن لغته المجمع على ركاكتها، رغم التعديلات والتحسينات اللاحقة عليها، تدل كما نوّه الكثيرون على كونها مترجمة عن أصل لا يمت بصلة إلى لغة الضاد.

ما سبق يشي به استعجال الرئيس الأمريكي الزائد لفرض هذا الدستور الذي يعد عنده "مصدر إلهام" لأنصار الديمقراطية الأمريكية المرادة للمنطقة، ويؤكده دور زلماي خليل زادة، السفير الأمريكي في بغداد في إنجازه، ودأبه على بذل المستطاع لإقراره، ثم وصفه من قبل هذه العراب بامتياز لعملية إخراجه بأنه "الأكثر تقدماً في العالم الإسلامي"... وأنه وإذا ما وافق عليه رافضوه فلسوف يشكل، كما قال، إجماعاً عراقياً "سيساعد على استراتيجية مكافحة التمرد، كما سيساعد على وضع خريطة طريق مشتركة لمستقبل العراق"!

إذن، وإذا كان قانون إدارة الدولة هو عائد لمن ينسب إليه أو تفتقت ذهنيته عنه، بعد أن أجهز على الأسس التي قامت عليها الدولة العراقية، فوضعه من ثم ليرسم الخطوط التأسيسية العريضة للعراق الذي يريده مستقبلاً، أي الحاكم بريمر، فإن الدستور اليوم، أو مسودته المقرة اللا مقرة، باعتباره وليد تلك الخطوط، ويرى النور، أو يراد له أن يراه، في عهد خليفته السفير زلماي خليل زادة، يمكن نسبته لهذا الخلف المجتهد على خطى سلفه. وعليه، هل الأصل البريمري واستعجال الرئيس بوش لفرضه، وامتداح العراب زادة له، يكشف المراد أمريكياً منه؟!

ما قاله بوش يعني أنه يريده أنموذجاً أو مثالاً هادياً ينسجم مع ما يرتئيه المحافظون الجدد في واشنطن لكيفية إعادة جدولة المنطقة العربية وجوارها الإسلامي، أو لما يدعى "الشرق الأوسط الموسع" برمته... وما يريده زلماي خليل زادة منه، هو ما قاله بصريح العبارة، المساعدة على مواجهة المقاومة العراقية للاحتلال ووضع خريطة طريق، أو هذا التعبير سيئ الصيت، الذي ضلل الكثيرين في فلسطين، والذي يكنى به الآن المخطط المرسوم لعراق المستقبل الذي يريده الاحتلال، أو بلغة أخرى ما يرمز إلى كيفية إعادة صياغة عراق ما بعد الغزو، والمساعدة بالتالي على إخراج الاحتلال من للورطة العراقية بسبب من كلفته الباهظة بشرياً ومادياً جراء مقاومة العراقيين له، وتعاظم مظاهر الاستنكار في الشارع الأمريكي، والانتقادات بين أوساط النخب، لعدم مسارعة إدارة بوش لالتماس وسيلة للخروج من هذه الورطة... وهذا لا يعني بحال وجود قناعة أو نية لدى الإدارة الأمريكية باتخاذ قرار جلاء جيوشها عن عراق زلماي خليل زادة، وإنما تشكيله بحيث يوحي فرض الدستور، كوسيلة رئيسة من وسائل هذا التشكيل، بشرعية ما تم تشكيله لكي يسهم من ثم بدوره في تشريع بقاء شكل ما من الاحتلال غير المباشر... يأتي باتفاق بينه وبين ما شكله أو كطلب يتم من قبل هذا الأخير أو من يوهم بكونه طرفاً ذا سيادة... لكي نصل، وكنتيجة، إلى ما أعلنه بوش بمناسبة الذكرى الستين لاستسلام اليابان: "أن القوات الأمريكية ستبقى في العراق لحماية حقول النفط ومنع وقوعها في أيدي الإرهابيين"!

...وحتى لو خرج الاحتلال، وهو سيخرج في نهاية المطاف، إما مطروداً، وهذا هو المحتم، وإما، واستباقاً، خروجاً منشوداً من ورطة تستفحل مع إبقاء الاستهدافات التي جاء أصلاً من أجلها، فإن السؤال الأهم الذي لا بد من طرحه في الحالة الأخيرة هو: ومن أي عراق يريد هذا الاحتلال الخروج؟!

وهنا، نأتي إلى الدستور المراد فرضه، ويكفينا في هذه العجالة التوقف أمام إشكاليتين أثارهما تظلان مدار خلاف عراقي وقلق عربي، ويرتبطان معاً من حيث الاستهداف، وهما: الفدرالية والهوية...

الهوية قيل مؤخراً إنها حُسمت، بمعنى أنه أقرت، في سياق مناورة لاستيعاب المفاوضين المعارضين، مسألة انتماء العراق إلى الأمة العربية، وطبعاً قدّم ذلك كتنازل كردي! أما مسألة الفدرالية فدون التخلي عنها خرط القتاد، باعتبارها الركيزة الأساس للتصور الإمبراطوري الأمريكي لإعادة تشكيل المنطقة وليس العراق فحسب، وهنا علينا أن نتذكر جيداً دعوة هنري كيسنجر ذات يوم إلى تقسيم العراق إلى ثلاثة دول: كردية شمالاً على أساس عرقي، واثنتين في وسط والجنوب على أساس مذهبي، أي سنية وشيعية... وهذا، إذا ما ذهبنا أبعد، هو هدف "إسرائيلي" قديم، وحلم راود بن غوريون، وما عرف بالآباء المؤسسين للكيان الصهيوني في فلسطين، باعتبار أن العراق ظل على الدوام، هماً استراتيجياً صهيونياً، بما يمثل من قدرات وإمكانيات تشكل على الدوام رافعة ذات دور فاعل في عملية أي نهوض عربي... وضمن فكرة أشمل هي محاولة تفتيت الوطن العربي إلى كيانات هزيلة إثنية وطائفية ومذهبية، ليسهل شطب هويتها العربية الجامعة، الأمر الذي يسهم في تحقيق الاستهدافات من وراء فكرة زرع هذا الكيان وتثبيته وتحويله من ثم مركزاً مقرراً في مستقبل المنطقة، والذي يتقاطع راهناً مع فكرة "الشرق أوسط الموسع" للمحافظين الجدد الأمريكيين، وهو ما أشرنا إليه آنفاً، أو ما اشتهر بمشروع الرئيس بوش الموسع... الموسع عن سابقة البيريزي ذاك المنسوخ بدوره عن مشاريع غربية سابقة معروفة... أي تحويل المنطقة برمتها إلى مزارع فسيفسائية أمريكية، أي كيانات هزيلة تابعة وبلا هوية ولا يخدم وجودها المشوه إلا المصالح الاستراتيجية الكونية للإمبراطورية الأمريكية... المصالح التي تندرج تحت مظلتها ذات الأحلام الإسرائيلية لأولئك المؤسسين المشار إليها.

ألم نسمع عن كلام غربي يتحدث عن مصير عراقي متوقع شبيه للمصير اليوغوسلافي؟!

ألم يثبت الجدل العراقي الدائر الآن حول هذا الدستور عمق الخلافات العراقية العراقية، ونعني، بين من يسايرون الاحتلال ومن يرفضونه ويحض على المزيد منها؟

ألم يلغي هذا الدستور، ذو البصمة الأمريكية، فكرة المواطنة عبر تكريس المحاصصات الإثنية والمذهبية في المناصب العليا والسفارات والقوات المسلحة وحتى البعثات الطلابية، مكرساً التقسيم النفسي الذي أرسى الغزاة دعائمه إثنياً ومذهبياً، لتبدأ بنوده في تكريس التقسيم الجغرافي، وتغري فيروسات التفتت في بلد عرف موحداً عبر التاريخ... الفيروسات التي زرعها بريمر، لتنمو بذورها الخطرة مبشرةً بالحروب الأهلية التي يتعهد ينوعها زلماي خليل زادة اليوم ويريد قطف ثمارها غداً من يخلف الأخير؟

ماذا يقول الدستور حول الإشكالية التي اقتصرنا على تناولها من بين بنوده؟!

الجمهورية الفدرالية العراقية... أي أنه بخلاف المسارات المنطقية في عالمنا، أي حيث تتوحد فيه عادة الفدراليات لتشكل بلداً واحداً، يراد تقسيم بلد موحد طيلة تاريخه المديد إلى فدراليات إثنية ومذهبية برسم الانفصال... بدأنا نسمع عن سومر في الجنوب وكردستان في الشمال، وعن كومة من اللغات الرسمية، وليس المعترف بها فحسب، إلى جانب العربية: الكردية والتركمانية والفارسية، وحتى اللغات شبه المنقرضة أو التي يقتصر استعمالها على الصلوات في المعابد... والأدهى أن الأقلية الكردية، التي ترفض زعاماتها رفع العلم العراقي في كانتونها شبه المستقل، قد أسست عملياً دولتها المنفصلة غير المعلنة في الشمال، وتريد توسيع خارطتها اعتماداً على التقسيمات الإدارية العثمانية، لتبتلع كركوك الغنية بالنفط وجزءاً من الموصل وشمال شرق ديالي، وحتى شرق الكوت، بل وصولاً إلى العمارة جنوباً، ولا يكتم زعماء الأكراد المتحالفون مع الاحتلال أن إعلانها، أي الدولة، هو هدف نهائي لكن بعد نضوج الظروف المواتية، كما يتواطئون في هذا السياق مع الطائفيين من العرب لتغييب هوية البلد وتمزيقه، وحيث يجاهرون بأصولهم الآرية يكيل مثقفوهم يومياً السباب لما ينعتونها بالشوفينية العربية!

ألم يقل الزعيم الكردي مسعود البرزاني أن الدستور العتيد يلحظ وحدة اختيارية الأمر الذي يعني بالتالي أنه يجيز خيار الانفصال؟!

والأخطر، وفي سياق التواطؤ، ألا يحاول طائفيو الجنوب تقليد عرقيي الشمال باستنساخ كيان مذهبي على صورة كيانهم الإثني المفروض كأمر واقع بمباركة الاحتلال... الكيان الذي بدأ يمنح امتيازات التنقيب عن النفط في ربوعه دون العودة إلى العاصمة المركزية المحتلة بغداد، ويستقبل وفود الشركات السياحية "الإسرائيلية" وزبائنها الباحثين عن المقدسات اليهودية المزعومة في العراق، بجوازات سفرهم المدونة بالعبرية، كما يتوارد ذكره جهاراًَ في الصحافة "الإسرائيلية"؟!

إذن، وسلفاً، تتضح الصورة لمرامي خريطة الطريق المعدة لمستقبل العراق، والتي وضع خطوطها العريضة بريمر وأكمل تفاصيلها زلماي خليل زادة... وعليه، هل آن الأوان لأن تتضح المواقف العربية، ونعني الرسمية، حيث الشعبية واضحة ومعروفة، إزاء ما يتبع من خرائط الطريق التي ستتوالى بعدها مستهدفةً سائر كتلة الأمة... بدءاً بالبوابة الشرقية مروراً بالسودان، وحتى بوابتها الأطلسية غرباً!

...سؤال برسم أمة بكاملها غدت قيد التفتيت...