محاكمة عرفات؟
محمد ملكاوي/باحث أردني مستقل
التجريم الشخصي للقادة ومحاكمتهم وحصارهم أحياء أو أموات يشكل ذلة لما تبقى من عزة وكبرياء الأمة التي يحكمون، ولا يرتضيها له شعبة مهما كبر ذنبه، وعلى من يهللون لمحاكمة فلان وعلان من القادة أن يتخيلوا مكانه أي زعيم رمز يعتزون به ويحترمون شيئا فيه، لاحظنا ما يدور في فنزويلا عندما أرادت، ومازالت تحاول، أمريكا الإطاحة بحكم هوغو شافيز، فانقلبت الطبقات الشعبية لتصطف من خلف قيادتها متجاهلة لما قد يكون اقترفه شافيز من أخطاء أو تجاوزات، فالشعب والأمة توحدا مقابل الخطر خارجي الذي هدد كيانهم.
وعندما عجزت الإدارة الأمريكية عن مسعاها مباشرة، تسلط عليه غضب الرب عبر رجال الكهنوت المسيحي، فأحد الكهان يدعوا لإخراج الشياطين من رأس شافيز، وآخر يحرض على اغتياله وينادي علانية باغتياله؟!، طبعا دون أن تدان هذه الأفعال من قبل آباء الكنيسة أو الدول التي تحتضن أصحابها بدعوى كونها محرضة على الإرهاب!، ماذا لو رد شافيز بالمثل، و سلط (فقط) هلوسات رجال الدين على بوش؟ لن تقعد الدنيا!
مأساة اليوم التي ابتدأت بابتزاز البنك العربي لكون بعض التحويلات و الحسابات المالية كانت لرجال من المقاومة الفلسطينية، فهل البنك العربي أو بنوك أمريكا مسؤولة عن سلوكيات عملاؤها؟ وهل يعمل البنك كوصي على المودعين شخصيا؟ وهل تم تحريم أو تجريم المقاومة ضد الاحتلال! بينما يعطى الاحتلال الصفة الشرعية، وتعده فرنسا أم الحرية، عملا ايجابيا، ولا تعتذر عنه؟
هذه المهزلة التي يحاسب البنك العربي ماليا (لما يمثله ومؤسسيه من رمز نجاح)عليها لا تكاد تذكر بالقياس مع المهازل الأخرى، فهناك محاكم باتت تجرم السلطة الوطنية الفلسطينية وتطالبها بدفع أموال لأسر قتله ذوي جنسيات مزدوجة سقطوا بيد المقاومة، فيما لا أحد يدفع فلسا حمرا للاف سقطوا بأسلحة أمريكية في صبرا وشاتيلا وجنين وغزة وغيرها في مسرحيات دموية مما بات يستعصي معه العد والحصر، فهل بات الدم العربي مستباحا!
وفي الوقت الذي تدعي فيه أمريكا التزامها بتحقيق السلام في فلسطين، تقوم المحاكم الأمريكية بتجميد أرصدة السلطة في أمريكا بدل أن تقدم يد العون لإزالة المستعمرات التي بنيت وهدمت فوق الأرض الفلسطينية من أموال دافعي الضرائب الأمريكان، وفي نفس الوقت تهرول الغربان بالحب الأعمى إلى بيت طاعة الأشقاء الأمريكان، متعامين عن حال أبناء جلدتهم، (ما أعظم ما صنع النفط العربي بنا)، أوووه، يا الله!، هذه الجملة الوحيدة التي تعبر عندي عن الشعور العظيم بالمرارة التي تستوقفني في هكذا حال و أحس بالفعل بحاجة إلى اللطم.
خلال تقديم العرب للملايين والمليارات كمساعدات للاجئين الأمريكيين في نيو اورليانز، يفتح مكتب التحقيرات (التحقيقات) الفدرالية الأميركي بالتعاون مع "الإسرائيليين" في 3/9/2005، تحقيقا جديدا حول عرفات، والغريب في التحقيق، غريب أيضا عن هذا التحقيق، حيث أنه لم يأت لمعرفة سبب وفاة عرفات (كما الحال مع الحريري) والتي أجمعت مصادر رسمية فلسطينية على كونها اغتيالا، بل لمعرفة دور عرفات في قتل مستوطنة "إسرائيلية" مزدوجة الجنسية، وحيث أن التحقيق في مقتله معروف منتهاه، يأخذ مسار التحقيق اتجاهه لتغريم السلطة بتجريم رمزها!، ومن يعش قد يرى بعدها محاكمات مسرحية للتاريخ العربي والعالمي، بدءا من غيفارا، وشكسبير، وطارق بن زياد، وصولا إلى نبوخذ نصر واشوربانيبال وميشع بن كموش حتى جالوت و....!!
مثل هذه المحاكمات لا تخرج عن ممارسة أسلوب السطو المسلح و الابتزاز بتهم الإرهاب، من نمط الخاوات والإتاوات، التي يمارسها رجال العصابات، والرعايا الذين تقوم أمريكا بواجب تحذيرهم من دخول مناطق الاضطرابات، بازدواجية جنسيتهم، يشكلون في فلسطين سببا رئيسا للاضطرابات، فيما لم نعهد من أمريكا التحذير منهم، بل هي تحميهم!
عقب سبتمبر تساءل الأمريكان متجاهلين تاريخهم المعاصر، بلماذا يكرهوننا!!، فيما أجاب عليهم القرصان ديونيدس قبل ألفي عام في جوابه للاسكندر المقدوني، (انك تستولي على العالم بأسره، وأنا استولي على سفينة صغيرة واحدة بدافع الحاجة، ومع ذلك أسمى أنا لصا، وأنت تسمى إمبراطورا، لكونك من أصحاب القوة)! وهذا هو حال محبتنا.. وبعد، أنا لست ضد الاسكندر) في محنته، لكن ضد أن يبتزني بقوته.