إلى متى تستمر المهزلة؟؟
الهادي المثلوثي - تونس
ليس لبوش آذان ليسمع ولا عيون ليرى، ولكن له عقل محشو بالحقد وعليه أمر تنفيذ هذا الحقد وهو القضاء على أعداء الصهيونية والواقفين صدا ضد التطبيع مع الصليبية الأمريكية الجديدة.
وللوصول إلى هؤلاء صمم اتباع سياسة عمياء صماء وخوض حرب تدمير شامل على كل الدول والمجتمعات التي تحتضن أعداءه المزعومين والدوس على كل القوانين والشرائع التي تحول دون بلوغه أهدافه المرسومة. كالخنزير يمضي برعونة إلى مستنقعه غير آبه بروائح أكاذيبه العفنة التي تسبق قدومه وتستهوي دون ريب من ترعرعوا مثله في حظائر التعبيد الصهيوني ومن أخذ فيهم الخوف من مكائد اللوبيات الخفية مأخذه أو بلغ بهم الطمع حد بيع أنفسهم ورهن أوطانهم مثل نواطير النفط والمبسملين بصداقة أمريكا والراكعين تبجيلا للتطبيع مع "إرهابيل" أي ربة الإرهاب في المنطقة "إسرائيل".
يمعن بوش غبيا مستغبيا الناس من حوله ليثبت أنه مسير وليس مخيرا في فرض نهجه الجنوني على النظام العالمي والاستمرار في عدوانه بذريعة ملاحقة الإرهاب. لقد أصيب هذا الرجل-البغل بحاسة الإلهام الخادع وعبقرية الكذب القاطع وقد لا يفي بالغرض وصفه بـ"المسيح الدجال". وهو لا محال إله الدجل دون خجل ورب الكذب دون وجل.
فتراه يهذي باسم صدام بمناسبة أو من دونها وباسم بن لادن وحماس والجهاد وكل من انخرط في رفض الغطرسة الأمريكية والصهيونية العنصرية الاستعمارية. لا يملك بوش وجدانا إنسانيا بل روحا صليبية قانطة ونفحة صهيونية جارفة ولا يستطيع العيش دون دفع العالم إلى الخراب والدمار لأنه من المدرسة التي ترى في الحروب محركا للتاريخ وعامل دفع لتقدم الشعوب بنفض غبار السكون والركود من خلال التصادم والتقاتل.
بوش ليس إلا قديس لعقيدة الحقد الموروث والناشئ والذي يستمد جذوره من مرحلة استعمارية ممتدة أنجبت بالنتيجة جملة من الكيانات اللقيطة التي أقامها رعاة البقر على أرض أمريكا بعد إبادة أصحابها الأصليين. ومن حسن حظ بوش أن وجد في الغرب أنصارا له بل أتراب له من نفس المدرسة مثل بلير وأزنار وفأر اليابان وغيرهم كما وجد في الوطن العربي والعالم الإسلامي كمشة من الحكام الجهلة والجبناء فاتخذ منهم تكية لتنفيذ عقيدته وتحقيق مشاريعه الاجتثاثية المستهدفة للقوى الحية الرافضة والمناهضة للعدوان والاستعمار. يقود بوش حروبه المقدسة لتطهير العالم من الإرهاب وكأنه يريد بذلك أن يكون الإرهابي الوحيد على وجه الأرض ومن خلفه أنصاره من خريجي المحافل الماسونية والصهيونية وعلى خطاه يسير عبيده من حكام المنطقة العربية الإسلامية حيث يمعنون وكأنهم يريدون أن يسبقوه في قتل أبنائهم وملاحقة من تخول له نفسه مواجهة ورد العدوان ورفض الإذلال والاستعباد. فهذا ملك ومالك الجزيرة العربية يشن حربه على حافظي العقيدة وحاملي لواء الجهاد وهذا علي الطالح باليمن يدك الجبال بالمدافع ليضع شعبه راكعا للرغبة الأمريكية وهذا فرعون مصر يبذل كل جهد ليكون فرعونا حقيقيا لا يتزحزح عن عرشه إلا محنطا في جبحه الأبدي، وأكثر من ذلك فهو يرغب بكل ما لديه من قوة ليكون حارسا أمينا على أمن "الدولة العبرية" وسجانا وفيا لأبناء غزة الأبية، وهذا مقعد الكويت يضخ أموال شعبه وعائدات نفطه لتمويل جيش الغزاة الفاتك بشعب العراق المجاهد، وهذا الشبل وهو من ذاك الأسد يسعى إلى غلق حدوده أمام المجاهدين ليفلت من العقاب رغم أنه لم يُقصّـر في المساهمة إلى جانب حلف الشر في تدمير قوة العراق، وهذا الهاشمي الثاني لم يبق على نفسه لوما فقد باع ما لديه وابتاع تاج الذل والخيانة، وهذا وذاك من بقية الجوقة الحاكمة المستبدة والمرتدة على شعوبها حيث لا ترى فيها من يستحق أن يكون مواطنا كامل الحقوق جديرا بالاحترام والمساهمة في صنع القرار، وكأني بهم يرون شعوبهم برؤية بوش لهم كحكام يسند غباءهم جبنهم، يأمرهم سيدهم بالإصلاح فيجيبونه بمزيد الانبطاح، ويطالبهم شعبهم بقليل من الديمقراطية فيواجهونه بكثير من الديماغوجية وأشكال جديدة من الدكتاتورية. وإذا قلت لأحدهم "كفاية" يأتيك بألف حكاية وحكاية ويلف ألف لفة ولفة ويعود بك إلى نقطة البداية وهي أن الديمقراطية تأتي جرعة جرعة وبلا كفاية، وقد لا تأتي لأن مرض الاستبداد مرض مزمن وأن صناديق الانتخاب محفوفة برعاية المستبدين فلا تخذل مزيفيها.
وحتى الجماهير ولكثرة ما اكتوت بنار الاستبداد باتت لا ترى في التغيير والتجديد والإصلاح ما يقنعها باقتحام صناديق الاقتراع وتضمينها خياراتها واختياراتها، والمثال الحديث أمامنا أن بلعوط مصر له من إرادة الشعب أقل من الربع بعد عشرة طويلة مع جماهيره ووعود كثيرة أشبعت مصر إلى حد التخمة. أليس هذا أكبر تعبير عن مكانة حكامنا وشرعية حكمهم ورغبة الناس فيهم؟، لو كنت مكان هذا السيد العائد إلى السلطة بغياب الناخب لاحترمت نفسي واحترمت إرادة الغائبين ورفضت أن أكون رئيسا بلا إرادة على شعب لا يريدني، وهكذا أغلب حكامنا هم بعروشهم وبطانتهم وإعلامهم ووعودهم ومشاريعهم في واد والشعب بهمومه وتطلعاته في واد آخر.
ما يربط بين الحاكم والمحكوم هي قوانين الردع والمنع ومشاريع التسلط والنهب بما جعل الحياة عندنا مبنية على التصادم بين النظام الحاكم والشعب المسلوب الإرادة وبما جعل الخوف أيضا سلوكا سائدا لدى الطرفين أو بالأحرى بين الخصمين. وقد طالت الخصومة بين الحاكم والمحكوم وجمّدت أي تحوّل أو تطوّر فلا المجتمع المدني تشكّل بصورة طبيعية ولا المعارضة وجدت لها مكانة طبيعية بين الجماهير ولا اعتراف حقيقي بها لدى السلطة الأمر الذي سيُبقي مرة أخرى صناديق الانتخابات بأي نسبة اقتراع كانت تصبّ في مصلحة مُرشّح النظام الحاكم وتبقى لعبة الديمقراطية المزعومة لعبة، الرابح فيها أولا وأخيرا من يملك أجهزة الترغيب والترهيب وهو الحزب الماسك بمقاليد السلطة.
الفرق بين حكامنا وأسيادهم من حكام القوى المهيمنة، أن بوش مثلا هو مسؤول أمام شعبه ومحكوم بإرادة منتخبيه وهو كذلك مسئول على حكامنا وعلى التحولات في أوطاننا. والحاكم عندنا مسؤول أمام أسياده ولهم عليه كامل الطاعة والولاء، وله علينا كل الحصانة فلا حق لنا في مساءلته ومحاسبته مهما كانت الأخطاء أو الجرائم التي يرتكبها في حق الشعب والوطن، أللهم إذا أخذت بأولئك الأسياد رحمة بنا فيتدخلون بمقتضى مصالحهم لتخفيف الاستبداد عنا.
والمثير للجدل أن البعض من النخب السياسية والثقافية من بيننا خيّرت الاستجداء والاستنجاد بأسياد أوليائنا للظفر بالدعم المادي والمعنوي لإدخال بعض الإصلاحات لعلهم يجدون فيها دورا لهم أو جزاء عنها، وخير مثال ما نشهده من طوابير الخيانة والطامعين في المكاسب الذاتية على حساب المصالح الوطنية وحتى على حساب خراب أوطانهم والبادرة الفريدة من نوعها جرذان المنطقة الخضراء ببغداد من أمثال الجعفري والحكيم والطلباني والبرازاني والجلبي والجوقة الإعلامية المنخرطة في الدفاع عن الخيانة الموصوفة وهي بيع الوطن والمساعدة على التنكيل بالشعب والتشجيع على استمرار مسلسل الأكاذيب ومن خلاله تقتيل أبناء العراق واغتيال علمائه ونخبه الشريفة.
وهنا نكشف نقطة تلاقي المصالح بين زعماء الغطرسة والحروب العدوانية وطوابير الخيانة وسماسرة المعارضة والمقعدين من حكامنا وهي خسة القيم التي يسيرون على هداها.
وإلا كيف تستمر مهزلة انتهاك حق الشعوب في تقرير مصيرها سواء بالكفاح المسلح في فلسطين والعراق أو من خلال الممارسة الديمقراطية التي وعدنا بها كلاميا وحرمنا منها عمليا. وكأنهم بذاك يزيدون في التنكيل بنا وقتلنا حرمانا واستخفافا مثلما وعد الشعب العراقي بالحرية فإذا به يغرق في العبودية وبالأمن فإذا به يغرق في حمامات دماء وتصفية سياسية ومذهبية حتى أن الأجهزة الأمنية العراقية الجديدة من جيش وشرطة ومليشيات واستخبارات
قد صارت أشد فتكا بالمواطنين من جيش الاحتلال نفسه ولا غرابة فهي بالأساس من صنع الاحتلال ومن أدواته وقاعدتها الأخلاقية الخيانة ولا شيء غير الخيانة طالما هناك من يدفع ثمن هذه الخيانة. إيران دفعت فلبى فيلق الغدر النداء بتصفية عروبة العراق وفرض المرجعية الصفوية على مسلمي العراق والصهيونية تدخلت فلبى الملالي والبشمركة الدعوة فاستبسلت في تفكيك وحدة العراق وسلخه عن محيطه القومي وأمريكا وعدت وعرب النفط دفعوا فلبى كل الخونة والحاقدين مهمة إسقاط النظام الوطني والقومي و"اجتثاث حزب البعث" ومحاكمة قادته وقبل ذلك تدمير العراق ونهب تراثه وثرواته ولا زالت المهزلة مستمرة، لأن في بلاد الرافدين ما هو أقوى من مجاميع الخونة وجحافل الاحتلال، هناك رجال وأبطال، هناك مجاهدون ومقاتلون يحاصرون الاحتلال في آلياته وقواعده وفي "المنطقة الخضراء" حيث تنتصب حكومة الجرذان العاجزة عن تحقيق أدنى الخدمات والقادرة فقط على تطوير مسلسل القتل والتخريب وتكريس إرادة الاحتلال، فيا للخسة في زمن يكاد يفقد الإنسان فيه عقله.
فلولا المقاومة وفعلها المقتدر على قهر الاحتلال وجعله رهينة حرب استنزاف وجعل إفرازاته السياسية عبئا ثقيلا عليه في بقائه وعند انسحابه، لما كان لدى الكثير منا أمل ولما بقي فينا نبض للحياة، فأي مستنقع بلا قرار وقع فيه حلف بوش والراقصين على أنغام أكاذيبه وأراجيفه وأي خسة تخيم على عروش الشركاء من الحكام العرب والمسلمين في خيانة العراق ومحاصرة المقاومة؟. تحية للمجاهدين الأسود في عرونهم وعلى جبهات القتال وللصابرين المؤمنين في سجون الاحتلال. وبشر المؤمنين الصادقين أن النصر من الله وهو الواعد القدير وبشر الذين في غطرستهم متمادون أنّنا بالحق وللحق بعون الله منتصرون على الإرهاب ومن صنعه وعلى كل المعتدين لأننا أمة تأبى الضيم ولا تحبط لها إرادة حتى يبلغ الثأر مداه ويندحر الغازي ويرينا قفاه. وعلينا سجّل أن "لا يردع الإرهاب إلا الإرهاب" ولن يرضى عنك الروم وبنو صهيون حتى ترد إرهابهم وتقوّض الأرض تحت أقدامهم، وإنا لفاعلون جهادا واستشهادا كما تملي سنة الحياة وفروض العقيدة، فقد جنت على نفسها طواغيت العدوان والاحتلال وأحلاف الغدر والخيانة من بني العمومة والجيران.
فمهما عظمت قوى الشر وأرعدت وعصفت ونالت من المستضعفين، فلا شك أن المنتصر الأخير هي ثورة المضطهدين وإرادة المؤمنين، فبارك الجهاد وحي المقاومين في أرض الوحي وديار المسلمين في انتظار عودة الوعي للمحبطين وباقي المظلومين.