قانون وقف التحريض على الإرهاب...!!
أيـن، ومتى، وكيف، وما هـو "الإرهاب"؟
محمد ح. الحاج/سوريا
تبنى مجلس أمن " الأمم المتحدة " قراراً يقضي بوقف التحريض على الإرهاب، هكذا وبكل بساطة، وبجملة بسيطة قصيرة، وربما ترك هذا المجلس تحديد مفهوم الإرهاب، وطرق التحريض على ممارسته، وزمن حدوث ذلك ومواقعه، للدول القادرة على فرض ذلك خلافاً لكل المفاهيم السابقة واللاحقة، وخلافاً للقوانين والمواثيق الدولية، وحتى الأعراف التي سادت منذ مطلع البشرية وحتى اليوم.
قبل الخوض في موضوع تعريف التحريض، وطرقه، وأساليبه والجهات التي تمارسه، لا بد من تعريف الإرهاب ذاته، وهذا أمر مختلف فيه، وعليه، ولا تكاد تجد عدداً من الدول يساوي أصابع اليد الواحدة يتفقون على مفهوم واحد للإرهاب، وفي العقود الأخيرة بدأت تنقلب المفاهيم بفعل التضليل الإعلامي الواسع، فأصبح الإرهابيون بحكم قانون القوة هم المدافعون عن الإنسانية، والعدالة، والديمقراطية، والمدافعون عن حريتهم وحقوقهم وأرضهم،... هم إرهابيون، ولم يشفع لهم التاريخ ولا ما تتضمنه صفحاته من إشراقات ونصوع على طريق التحرر والكرامة، الإعلام الموجه – المضلِلْ والمضَلَلْ، أصبح هو القوة المسيطرة، وبلغت قدراته حدوداً لا نهاية لها حتى ليعجز المرء عن تصديق نفسه بأنه يدافع عن حريته وكرامته، أو أنه "إرهابي"... هكذا وبكل بساطة، من يقف بوجه التوسع والتمدد الصهيوني... هو " إرهابي "، ومن يقف بوجه المصالح الأمريكية التي لا تتوقف عند حدود هو " إرهابي "، وبالتالي يصبح من المؤكد أن التحريض على الإرهاب سيأخذ منحى مغايراً وبعيداً عن الحقيقة وواقع الأمر، وسيطال حتى الكتب المقدسة، ودساتير الشعوب التي تحض على الدفاع عن النفس والأرض والعرض، وستطالبنا الدول المقتدرة (وهي اليوم أمريكا ووراءها الصهيونية) بتعديل القرآن الكريم، والنص في الدساتير على أن الطاعة واجبة علينا تجاه الغازي والمحتل، وأن مقاومته أو الحض عليها ضرب من ضروب الإرهاب، وأن القانون الدولي يعاقب على ذلك وقد تصطف دول كبرى، وكثيرة إلى جانب أمريكا لإيقاع العقاب على من يتجرأ، مجرد التفكير والقول بأن الدفاع عن الأرض، والثروة والكرامة هو واجب وطني – أو قومي، أو حتى أخلاقي وملزم، ولو بأضعف الإيمان..!!.
ليس الخطر في تبني مجلس الأمن لهذا القرار، إنما الخطر في فشل هذا المجلس في وضع تعريف للإرهاب، وتعاريف للطرق والأساليب التي تحرض على الإرهاب، وترك ذلك للاجتهاد، وهو أمر مجحف بحق الدول والشعوب الصغيرة العاجزة عن امتلاك القوة اللازمة للدفاع عن نفسها، أو آرائها، وهي على كل حال، المستهدفة بمثل هذه القوانين، وما من شك في أن الكثير من دول العالم من الصف الأول أو الثاني تعلم علم اليقين أن مثل هذا القانون لم يوضع ليطبق بطريقة صالحة أو عادلة، وإنما للاستفادة من هوامش التفسير التي تمارسها جهات قادرة على المراوغة والمناورة...، فلقد خسرنا من عمر أراضينا ما يقارب النصف قرن تحت الاحتلال، والجدل يدور حول: الأراضي التي احتلت، أو أراض احتلت بعد الخامس من حزيران، ويبقى أننا الأعجز على وجه الكرة الأرضية في موضوع الاستفادة من المنظمة المسماة الأمم المتحدة وهي الأداة القادرة على العمل لصالح الأمم المنتصرة.. فقط.. الولايات المتحدة.!.
الإرهاب: فعل تتم ممارسته، ونوايا مبيتة للممارسة ضد الآخر الآمن، الأعزل، الذي لا يملك القدرة على الدفاع عن النفس / المدنيون هم الأقل قدرة على الدفاع عن أنفسهم في كل أنحاء العالم.
الإرهاب: آني، متنقل، محلي... فردي، أو شبه جماعي منظم، وهو بالكاد ناتج عن أحد أمرين، إما فعـل بسبب الانحلال الأخلاقي والأطماع والاعتداء، أو رد فعـل على عدوان أو انتقام وثأر... الخ.
الإرهابي: الحقيقي، لا يتمتع بأي قدر من الأخلاق أو الإنسانية، ويبرر فعله بتحقيق غايات يعتبرها ضرورية وهامة، وربما يصور للآخرين أن بقاءه يتوقف على ذلك..، المأجور المزيف، أيضاً لا يمتلك أي قدر من الأخلاق أو الإنسانية، وصفاته أدنى بكثير من الأول، فهو لا يستطيع حتى تبرير فعله مطلقاً، لكنه يمارس الإرهاب لمجرد النزوة المقرونة بالفائدة المادية... مرتزق.
الإرهابي: قد يكون فرداً، أو جماعة، وهؤلاء تطالهم قوانينهم المحلية، والدولية أيضاً، وقد ينحصر نشاطهم ضد جهات محددة، أو سلطة، أو حزب، أو جماعات معادية لهم، وقد يكون الإرهابي قائداً لدولة، أو زعيماً لمنظمة تسيطر على دفة الحكم في دولة كبرى، وهنا يكون الفعل الإرهابي... إرهاب دولة، وقد لا تطاله قوانين الدول المحلية، لكن القانون الدولي يطاله بكل الأحوال، إلا إذا كان مارقاً وخارجاً على القوانين الدولية، أو يمتلك القدرة على تسخير هذه القوانين لخدمة مصالحه، والعسف والظلم بحق الآخرين الذين من حقهم مقاومته ورد عدوانه.
إرهاب الأفراد والجماعات الصغيرة مؤذ إلى حدود يمكن تصورها، كما يمكن مقاومته ومعالجته، والحد منه، وحتى القضاء عليه إذا ما زالت أسبابه، وأما إرهاب الدول، بما تمتلكه من وسائل وآلة عسكرية، وقدرات مالية، أو ما يمكن لها أن تحشده من تأييد بفعل الضغوط – المالية – العسكرية، وبحيث يتم إسكات كل صوت معترض فهو الأكثر أذية، وانتشاراً وتوسعاً، وهو الأصعب والأكثر استعصاء على المعالجة ووضع حدود له، وهو هنا الأكثر تحريضاً على ردود الأفعال والتي تجنح إلى ضربات مؤذية في مواقع غير متوقعة، وزمن غير متوقع بسبب عدم مقدرتها على إظهار نواياها وخططها كما تفعل القوى الكبرى – أمريكا، وبريطانيا، وتابعهما "إسرائيل".
الولايات المتحدة الأمريكية تجند الدول والأفراد من كل الجنسيات، وتبحث عن المرتزقة في طول العالم وعرضه، وتضغط على الدول الحليفة، وحتى بعض الدول الفقيرة للمشاركة، وتقدم الإغراءات المادية لتوفير القدرة على العدوان على الآخرين، واحتلال أراضيهم والاستمرار في نشر أكبر قوة عسكرية على وجه الأرض، ثم أنها لا تعتبر خسارة هؤلاء المرتزقة ضمن الخسائر الأمريكية، هم مجرد أدوات للاستعمال مرة واحدة، وينطبق عليهم توصيف الإرهابي – المأجور المزيف، وأما هي فإنها الإرهابي الحقيقي الذي يبرر احتلاله وانتشاره العسكري بأنه لمقتضيات الأمن القومي الأمريكي، وكأن ليس للآخرين أمنهم ومصالحهم حتى على أرضهم..!!.
آلاف الأسئلة تراود الذهن البشري، ويجد عليها أيضاً آلاف الأجوبة، إذا كان العدوان على أرض الغير، وثرواته، واحتلال هذه الأرض، ونهب هذه الثروات هو إرهاب بامتياز، أفلا يكون بحد ذاته تحريضاً على رد الفعل.؟. الذي يأتي أيضاً بشكل أقرب إلى الإرهاب، مع أن الفعل هو الأصل ورد الفعل هو الظل، وهو هنا مبرر، وبدقة أكثر، أليس احتلال الأراضي العربية بعد حزيران 1967 هو إرهاب دولة مارسته الصهيونية بتشجيع ودعم من أمريكا "العظمى"..؟ فلماذا يكون الرد عليه ومحاولة دحره نوعاً من الإرهاب وليس دفاعاً عن النفس وهو مشروع بموجب القانون الدولي الذي اعترف صراحة بأن هذه أراضٍ محتلة وأن " إسرائيل " دولة احتلال. ثم أليس الانتشار العسكري الأمريكي على أراضي دول كثيرة، دون موافقة شعوبها، هو إرهاب يستدعي الرد المشروع، وهو أيضاً تحريض على الإرهاب..؟ أوليس ما مارسته، وما تمارسه الولايات المتحدة في طول العالم وعرضه من تمويل وتدريب لمجموعات إرهابية ضد دول كثيرة هو إرهاب بحد ذاته، وتحريض على رد الفعل الذي تسميه إرهاباً..؟ وهل يجب تذكير قادة أمريكا بعدوانهم الدائم والمتكرر على شعوب العالم الأخرى واضطهادها ونهبها، والتدخل في خصوصياتها، دون وازع من أخلاق، أو انصياع لقانون دولي..؟ وإذا كان احتلال أفغانستان مبرراً بسبب وجود نظام الطلاب الذي قدم المأوى لزعيم القاعدة – وهو مجرد عذر شكلي وأخفى الغاية الحقيقية من الاحتلال، فهل احتلال العراق بسبب الإرهاب، أو التحريض على الإرهاب...؟ خصوصاً بعد انكشاف المخططات المسبقة والتي أكدت أن مخطط احتلال العراق كان الأسبق من احتلال أفغانستان، ولأسباب ودواع بعيدة عما تم الادعاء به، وليس لتحرير ودمقرطة شعب العراق، وهذا الفعل بحد ذاته شكّلَ الدافع الذي حرض كل المعادين لأمريكا "لمقارعتها على أرض العراق"، (وربما بتخطيط أمريكي، ولخدمة أهداف الاحتلال) وبالتالي هي من حرضت على ما يسمونه الإرهاب الحالي على أرض العراق، والحقيقة أن الجزء الأعظم منه هو مقاومة شريفة للاحتلال، وتحت ستاره - ولتشويه سمعته-، تقوم منظمات إرهابية متجددة قد تكون نسخة عن الهاغانا أو شتيرن بعمليات قتل جماعية على أرض العراق، لأكثر من غاية - الدفع باتجاه حرب أهلية على قاعدة مذهبية، أو حتى عرقية،.. وتوفير المبرر الضاغط على القوة الأمريكية لممارسة حدود القسوة العظمى وزيادة حجم ضربات رد الفعل، واستمرار التواجد وعدم التفكير بالانسحاب، أو وضع جدول زمني لذلك، بل وحتى زيادة عديد القوات وهذا ما يفسح في الوقت لحكومة الصهاينة لتنفيذ مخططاتها في فلسطين، وتطويق ما بقي من ممانعة في دول الجوار (سوريا ولبنان) وخلق المزيد من المشاكل لهذين الكيانين، بعد كل الاختراقات السياسية التي وفرتها لدولة الصهاينة اتفاقيات اسطبل داود ووادي عربة، أو أوسلو، وسلسلة الاتفاقيات اللاحقة مع الفلسطينيين والتي انقلب عليها العدو في كل مرة ليحصل على المزيد من التنازلات والمكاسب.
دول العالم تدرك بلا شك أن مفهوم التحريض على الإرهاب واسع وبلا حدود، وتدرك حقاً أن الغاية من تبني هذا القانون هو خدمة التفسير الأمريكي – الصهيوني لأساليب التحريض التي تريانها وتحددانها وبما يخدم مصالحهما، وبحيث تكون الأمم المتحدة وأدواتها مسخرة لخدمة المقررات الأمريكية، وسنداً لباطلها دون إمكانية اعتراض أحد، وخاصة من المعنيين والمستهدفين بها، وهم على الأغلب – نحن - في منطقة المشرق العربي – سوريا الطبيعية، ويبقى أن من العار أن نسمع أصواتاً تردد ما تبتدعه أمريكا ومن معها من مصطلحات حول مفاهيم بعيدة عن الواقع، لنجد أنفسنا في النهاية غير قادرين على فهم السلوك البشري الإنساني الذي يتطور إلى الوراء باتجاه شريعة الغاب – شريعة القوة الأمريكية، وليس باتجاه العدالة الإنسانية والحفاظ على حقوق البشر.
من المعيب، إن لم نقل من العار أيضاً ألا ترتفع الأصوات في كل العالم العربي من مغربه إلى مشرقه رافضة هذا القانون الجديد، إلا أن يصدر عن المنظمة الدولية (إن كانت لا تزال منظمة دولية) تفسير يحدد ماهية الإرهاب، وطرق التحريض على ممارسته، والسبل الكفيلة بوقفه دون التعرض لمعتقدات الشعوب ودياناتها، ودون التعرض للموروث من الأعراف في حق الدفاع المشروع بوجه الغزاة والمحتلين ورفض مبدأ تصدير الديمقراطية والمثل الأمريكانية ففي العالم مُثل وأعراف أكثر عراقة وحضارة مما تمتلكه أمريكا ودون أن تترافق وغطرسة القوة والعنجهية والتفكير والتعامل الفوقي غير الأخلاقي الصهيو – أمريكي البائس.
هل بعد كل الذي تسرب عن خطط البنتاغون الأمريكي لاستخدام الضربات النووية المحدودة ضد دول أو تنظيمات تعتبرها خطراً، أو تشكل خطراً مستقبلياً على المصالح الأمريكية، يقدم قادة العالم في اجتماع الأمم المتحدة الأخير هذا القانون لقادة أمريكا وكأنه هدية على طبق من ذهب لاستخدامه في توصيف سلوكيات بعض الدول التي تحافظ على حقوقها وكرامتها بأنها قد تشكل خطراً على أمن أمريكا ومصالحها ثم تلجأ تحت هذا المبرر لضربها بالقوة النووية المحدودة كما يقول رامسفيلد..؟.
قد لا ننتظر طويلاً لنرى ونلمس حقيقة الأهداف التي صدر القانون من أجلها، ولن ينفع الأسف أو الندم بعد.. وقوع الفأس في الرأس.