زوبعـة سرقة الحقـوق.. مجازر وحشية ضد حُمـاة الوطن
محمد العبد الله/سوريا
المذابح الوحشية التي تشهدها مدينة تلعفر منذ بداية الشهر الحالي لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة، فهذه المدينة البطلة لم تتوقف فيها عمليات المقاومة الوطنية المعادية للاحتلال وإفرازاته منذ الأيام الأولى التي دنست فيها أقدام المحتلين تراب الوطن، فالمجابهات العديدة والنوعية التي واجه من خلالها سكان المدينة وفي مقدمتهم رجال المقاومة المسلحة، طلائع الغزاة من القوات الأمريكية وتوابعها من عناصر الاستخبارات (سي آي أي والموساد) المتخفون تحت أسماء شركات وهمية، أدت إلى الفشل المتلاحق في تحقيق خطة المحتل، تطويع المدينة وتحويلها إلى مركز دعم لوجستي ومحطة تجسس في شمال غرب العراق، والزج بسكانها البالغ عددهم ثلاثمائة ألف مواطن، للمشاركة في المهازل المتكررة التي يديرها المحتل عبر أدواته المحلية من انتخابات وكيانات شكلية بائسة. لقد اندفعت قوات العدو الخارجي والداخلي بمجموعات كبيرة، حوالي سبعة عشر كتيبة عسكرية، تضم ستة آلاف عنصر من القوات المحلية التي أنشأها المحتل من حرس وعقارب وذئاب، مع مجموعات من ميليشيات البيشمركة وفيلق غدر، مدعومة بأكثر من أربعة آلاف من جنود المارينز وفرق الخيالة المتوحشة، المسنودة بالطائرات السمتية والقاذفة، وبعشرات الدبابات وناقلات الجند والمدفعية، بهدف كسر إرادة المقاومة وتفكيك النسيج الوطني/ المجتمعي عبر عمليات تطهير مذهبية منهجية بغرض زعزعة وحدة المجتمع وحرفه عن مواجهة الغزاة، من أجل دفعه لمخاطر الحرب الأهلية التي يحرص أعداء العراق على إشعال فتيلها عبر عمليات التفجير والقتل ذات المدلولات المذهبية البغيضة. لقد جابه المدافعون عن مدينتهم قوات الأعداء بملاحم من البطولة والاستشهاد وبأساليب متطورة من حرب العصابات، دفعت بالمسؤولين عن الهجوم للقول "إننا نقاتل الأشباح، إنهم يختفون وينسحبون عبر أنفاق عديدة".
إن المذابح الجماعية التي ترتكب في تلعفر، تتشابه في وحشيتها وأهدافها مع مثيلاتها من مدن وبلدات وأحياء العراق (الفلوجة، القائم، الرمادي، راوه، سامراء، بعقوبة، الموصل، كركوك، حديثة ،البصرة، الزبير وبغداد..) فقد استخدم المحتلون كل مافي ترسانتهم من أسلحة تدميرية. وأكدت عدة مصادر (وكالات إغاثة، إعلاميون بالمدينة، ناجون من المذبحة) استخدام الجيش الأمريكي للأسلحة المحرمة دولياً، نابالم وغازات سامة. فأحياء السراي والمعلمين وحسن كوي شهدت قصفاً وتدميراً وحشيين، مما دفع بأحد المسؤولين بالصليب الأحمر الدولي ليقول "نسبة الدمار التي حلت بالمدينة قد بلغت مستويات خطيرة وغير متوقعة" أما محمد قاسم المسؤول في جمعية الهلال الأحمر العراقية فقد أشار إلى "وجود المئات من الشهداء المدنيين تحت أنقاض منازلهم التي أصابها قصف الطائرات والمدفعية" وإلى "تشرد ونزوح آلاف العائلات التي لم تسمح إمكانياتنا إلاّ بتوفير الخدمات والخيم لحوالي ألفين وخمسمائة عائلة" إذ أدت العمليات العسكرية إلى تدمير مئات البيوت وهدم تسعة مساجد وست مدارس والعديد من محطات الماء والكهرباء، وسقوط أكثر من خمسمائة شهيد (بيانات منظمات الإغاثة، تصريحات وبيانات قوى المقاومة، حزب الشعب التركماني العراقي) بالإضافة لعدة مئات من الجرحى مع تشريد أكثر من ثمانين بالمائة من سكان المدينة. وقد ارتكبت أدوات التوحش الرأسمالي الأمريكي - حملة مشاعل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان...كما يسميهم كتبة المارينز - عدة حوادث إغتصاب بحق النساء العراقيات، فالمعلومات المتسربة من المدينة أكدت قيام عساكر وحدة الخيالة الأمريكية المشاركة بالمذبحة باغتصاب ثلاثة نساء(فرح ...18 عاما، سعاد...22 عاما، لبيبة... 31 عاما،) وقد فارقت إحداهن حياتها نتيجة سادية ووحشية المعتدين. وتتوالى فصول المذبحة الجماعية بعيداً عن كاميرات الإعلاميين وتقاريرهم، فقد صرح (أحمد خليل الموصلي) المتحدث باسم نقابة الصحفيين العراقيين، فرع محافظة نينوى بأن "القوات الأمريكية اضطهدت الصحفيين ومنعتهم من دخول المدينة، كما أنها تحتجز سبعة عشر صحفياً داخل ثكنة عسكرية لمحاولتهم دخول المدينة دون علمها مؤكداً على أنها قامت بهذه الخطوة "للتغطية على جرائمها، وللتعتيم على ما لحق بها في تلعفر من خسائر فادحة على أيدي عناصر المقاومة" مشيراً إلى "أن المدينة الآن يتواجد فيها فقط ثلاثة صحفيين وهم يعملون بالخفاء، وفي حال ظفرت بهم قوات الاحتلال فسيكون مصيرهم مثل باقي الزملاء المحتجزين".
مع استمرار تصاعد دخان حرائق القصف والتدمير، وانتشار جثث الأطفال والنساء في مدينة تلعفر نتيجة عمليات القتل والاغتصاب، التي أطلق عليها المحتل وأدواته تسمية "إعادة الحقوق"، بينما هي استكمال لمحاولة سرقة الوطن، التي بدأت في العشرين من شهر آذار عام 2003، فقد أعلنت قيادة قوات المحتل أن مناطق جديدة من محافظة الأنبار "الرطبة تحديداً" أصبحت داخل دائرة موت جديدة وفوق أرض محروقة أخرى، تحت عنوان مستحدث من ماكينة الإثارة الإعلامية العسكرية، لمذبحة جديدة يشهدها غرب العراق تحت تسمية "الزوبعة". إن (سعدون الدليمي) المسمى في حكومة الجعفري وزير دفاع مؤقت، يتوعد العديد من المدن والبلدات بقوله "إننا قادمون" وستحمل كتائب وفرق الموت للسكان الدمار والعقاب لموقفها الوطني الرافض له ولحكومته المعينة، ولأسياده في المنطقة الخضراء، والتي هي بحق (المستعمرة الصفراء). إن التصعيد الحاصل الآن في حملات العقاب الجماعي للمدن، يشير إلى طبيعة المأزق السياسي الذي يعاني منه المحتلون وعملاؤهم، فمع اقتراب موعد الاستفتاء على مسودة الدستور والمقرر له بعد حوالي الشهر، وفي ظل حالة الرفض المتنامية لعدم المشاركة بهذه المهزلة الجديدة، من حيث رفض الذهاب للصناديق وتعميم المقاطعة الكاملة، بعيداً عن اجتهادات البعض عبر وضع كلمة (كلا) بالصندوق،تبرز ضرورة التعبير الناري عن المأزق بالمذابح الجماعية، علـّها تكسر الممانعة والرفض، وهذا ما كانت تلجأ إليه قوى الاحتلال أمام استحقاقات كل مرحلة. فمجازر الفلوجة في شهر نيسان من العام المنصرم والمعارك في بغداد والنجف وكربلاء مع أنصار الصدر، جاءت على قاعدة العمل من أجل تمرير قانون إدارة الدولة المؤقت، كما جاءت المذبحة اللاحقة للفلوجة في شهر تشرين الثاني من نفس العام مع استحقاق ما سمي عملية (نقل السيادة وملحقاتها من تعيين حكومة مؤقتة كتمهيد للانتخابات التشريعية).
لم يتوقف الدليمي عند حدود الوعيد فقط، بل حاول كعادة كل الرموز التي عينها الغزاة، أن يجعل من المأزق / الأزمة الذي يعيشه، عابراً للحدود. فمنها يعبر المقاتلون، إذ أصبح المواطنون العراقيون الرافضون للإحتلال في معظم المحافظات، مقاتلون قدموا من خارج الحدود، على الرغم من أن قيادة البنتاغون واستخباراتها، تؤكد أن المقاتلين العرب من خارج العراق تتراوح نسبتهم بين اثنين وخمسة بالمائة فقط من مجموع المقاومين. وعبوره للحدود كان فقط باتجاه واحد مع سوريا، إذ تحولت نقاط العبور التي تنقل الغذاء والدواء والأهل عند الدليمي - الناطق باسم أسياده داخل المستعمرة الصفراء - من بوابات للخير إلى بوابات للشر. أليس الشر بذاته هو وجود المحتل على أرض العراق، أم أن أوركسترا التهديد والوعيد الأمريكية أضحت بحاجة إلى عازفين جدد ، لكنهم في حالة حكومة الجعفري مجرد هواة وصدى للآخر. ولم يتأخر (الآخر) قائد الأوركسترا على تأكيد حضوره، فقد أعاد (زلماي خليل زاده) حاكم العراق الفعلي من واشنطن تهديدات إدارته ضد سوريا ، بل أضاف لها نبرة تصعيدية جديدة " لقد نفذ صبرنا... وجميع الخيارات مطروحة " ويلمح إلى الخيار العسكري. لقد خرج الديبلوماسي البارع على كل تقاليد وأعراف العمل السياسي وظهر على حقيقته، إنه جنرال في هيئة الأركان العسكرية. لقد كشف السفير / الجنرال عن دوافع المذبحة ضد شعب العراق بقوله "تَرَدد سنة العراق في الموافقة على مسودة الدستور التي مازالت قيد المناقشة، ناتج عن تهديدات مقاتلين من المتطرفين السنة يتسللون إلى العراق من سورية حيث يقيمون معسكرات تدريب". بتصريحه هذا لم يتوقف عند حالة التسلل، بل زعم وجود معسكرات تدريب بدون تقديم أدلة واثباتات، مما يفقده المصداقية، ويؤكد بذات الوقت دخول حملة التصعيد والتهديد والوعيد مرحلة جديدة.
مع كل جريمة ترتكبها قوات العدو ضد شعب العراق الرافض للاحتلال ، تتسع دائرة المجابهة وتنضم قوافل جديدة للعمل المقاوم ، وتتصاعد المجابهات في أكثر من مكان، مما يتطلب الارتقاء في أشكال المقاومة السياسية /المدنية/ المسلحة لتتواءم مع الأهداف الوطنية، والتي ستحققها بالضرورة جبهة وطنية موحدة ، تكون الأداة الفاعلة والمحركة لقوى المجتمع المقاوم.