تقرير ميليس جزرة أم عصا؟
د. عصام نعمان *
كان رئيس تحرير صحيفة (لوموند) الفرنسية سابقاً اندريه فونتين يقول "ثلاثة أمور يجهلها المرء: الله والمرأة وسوريا"! لعل هذا القول يصدق هذه الأيام على أمريكا أكثر مما يصدق على سوريا. ذلك بأن دمشق، وربما غيرها من العواصم الإقليمية، تجهل موقف واشنطن الحقيقي منها: هل قررت إزاحة نظامها أم أنها ما زالت بحاجة إليه؟
ثمة من يعترض في سوريا كما في المنطقة على صيغة السؤال الأخير ويقول بثقة، إن أمريكا ربما تكون قررت إزاحة النظام في دمشق، لكن هل تراها قادرة على ذلك؟ للتدليل على شكوكٍ متزايدة في قدرة واشنطن على إسقاط النظام، يشير المشككون إلى تعثّر سياسة أمريكا في العراق ناهيك بالخسائر البشرية والمادية التي تتكبدها هناك. كما يشيرون إلى إعصار كاترينا الذي أزهق أرواح ألوف الأمريكيين، ودمر العمران في ثلاث ولايات، وكلّف الاقتصاد الأمريكي خسائر تقدر بمائة مليار (بليون دولار)، مع العلم أن تكلفة أعمال الإغاثة وإعادة البناء ستبلغ، حسب تقديرات رئيس الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ السيناتور هاري ريد، أكثر من 150 مليار (بليون دولار). وهذه الأعباء الثقيلة ستنعكس، بالضرورة، على قدرة أمريكا على متابعة حروبها وتدخلاتها في الخارج.
أكثر من ذلك: اعترفت أمريكا أخيراً بأن حربها على الإرهاب قد أخفقت تماماً. الاعتراف جاء في صيغة معلومات سرّبها إلى صحيفة (يو أس نيوز أند ورلد ريبورت) الأمريكية كل من نائب وزير الدفاع للشؤون السياسية دوغلاس فايث، ونائب مدير الحرب على الإرهاب لدى هيئة الأركان المشتركة للجيوش الأمريكية الجنرال روبرت كالسن. ففي عددها الصادر في الأول من آب/ أغسطس الماضي كشف المسؤولان الأمريكيان الخطوط العريضة لوثيقة بعنوان "الخطة الوطنية الاستراتيجية للحرب على الإرهاب" وذلك بعد 18 شهراً من البحث والتنقيب والتنقيح والتصحيح.
خلافاً للمقاربة السابقة التي جرى اعتمادها عقب أحداث 11 أيلول/ سبتمبر 2001 المتمحورة حول اعتقال أسامة بن لادن أو قتله، فإن الخطة الجديدة تتميز بالمحاور الثلاثة الآتية:
- فحص طبيعة الحرب المضادة للإرهاب في العمق، ووضع خريطة طريق لتنفيذها، وإنشاء سجل لتحديد مواقع التقدم جرّاءها وتواريخها.
- التعاون مع الدول التي ينشط فيها الإرهابيون أو يختبئون اذ لم يعد في وسع الولايات المتحدة أن تتولى الحرب على الإرهاب بمفردها وبمعزل عن الدول الأخرى.
- التركيز على ثماني نقاط ضغط يمكن أن يكون الإرهابيون حيالها غير محصنين وقابلين للعطب: الدعم الإيديولوجي، الأسلحة، التمويل، الاتصالات والحركة، الملاذ الآمن، الجنود المشاة، الوصول إلى الأهداف، والقيادة.
هذه التحديات والمعوّقات والمتغيرات تدفع بعض المراقبين إلى التشكيك في قدرة واشنطن على إسقاط النظام السوري. صحيح أن ثمة حملة واسعة على سوريا في هذه الفترة، غير أنها تنطوي على أقاويل ومزاعم ومعلومات غير موثقة لدرجة أنها تعطي نتائج عكسية. مثال ذلك إن موقع (انتلجنس أون لاين) الباريسي أورد أن أجهزة استخبارات عربية وأمريكية توصلت منذ بضعة أشهر إلى دفع العقيد محمد صافي مدير مكتب رئيس المخابرات العسكرية السورية اللواء حسن خليل، إلى الفرار ثم استجوبته قبل ان يستمع إليه رئيس لجنة التحقيق الدولية ديتليف ميليس مرتين في جنيف. غير أن مصادر مطلعة في بيروت نقلت عن مسؤولين سوريين نفيهم وجود ضابط في الجيش السوري باسم محمد صافي. ثم عادت المصادر نفسها إلى القول إن العقيد صافي كان ضابط احتياط يعمل في لبنان، ولوحق بتهم تزوير وحُكم عليه بالسجن ثلاثة أشهر، وانه توجه في شهر أيار/ مايو الماضي إلى ماربيا (إسبانيا) للالتحاق بجماعة رفعت الأسد قبل أن يأتي إلى باريس طالباً اللجوء السياسي.
فريق آخر من المراقبين لا يتوقف عند عثرات الجهات المعادية لسوريا ومزاعمها ويصرّ على أن واشنطن اتخذت قراراً بإضعاف النظام السوري وإزاحته على مراحل وذلك لعدم تكرار أخطاء مماثلة لتلك التي ارتكبتها في العراق. وقد تجمّع لدى عدد من المراجع والمتابعين للحملة الأمريكية على سوريا معلومات وفيرة عن مطالب واشنطن من دمشق، يمكن تلخيصها على النحو الآتي:
- المساعدة في تنفيذ البنود التي لم تنفّذ بعد من قرار مجلس الأمن 1559 وفي مقدمها نزع سلاح "حزب الله" بالتراضي، ودعم تحوّله إلى العمل السياسي بصورة كاملة بل إلى درجة يقتضي معها أن "يحلق أعضاؤه ومحازبوه ذقونهم ولحاهم ويرتدون ربطات العنق"!
- أن تنخرط دمشق في تعاون امني استخباراتي مع قيادة القوات الأمريكية في العراق للتعاون على مواجهة المقاومة وعمليات الإسلاميين المتطرفين.
- وقف أي شكل من أشكال الدعم السوري لمنظمات المقاومة الفلسطينية.
- وقف أي تدخل سوري في الشؤون اللبنانية.
- عدم معارضة سوريا لأي مشروع سيجري بحثه قريباً في جامعة الدول العربية في شأن الصلح مع "إسرائيل"، مقابل ضمان أمريكا بقاء النظام السوري وسلامته بقيادة بشار الأسد.
ماذا لو رفض الأسد هذه المطالب؟
يبدو، حسب المعلومات المتوافرة، أن التقرير النهائي لرئيس لجنة التحقيق الدولية في قضية اغتيال المغفور له رفيق الحريري سيكون الجزرة أو العصا في هذا المجال. إذا وافق الأسد على المطالب الأمريكية فإن تقرير ميليس النهائي سيكتفي باتهام القادة السابقين للأجهزة الأمنية، المعتقلين حالياً (اللواء جميل السيد، اللواء علي الحاج، العميد ريمون عازار، والعميد مصطفى حمدان) بالإضافة إلى النائب السابق ناصر قنديل، على أن تتم محاكمة هؤلاء أمام المجلس العدلي في لبنان، ولا تتدخل واشنطن في مسألة تجريمهم أو تبرئتهم. أما اذا رفض الأسد الموافقة على تنفيذ هذه المطالب خلال أسابيع معدودة فإن تقرير ميليس لن يكتفي بإدانة الضباط الأربعة بل سينتهي إلى إلقاء تهمة تخطيط جريمة الاغتيال والأمر بتنفيذها على عاتق النظام السوري!
يصعب، بطبيعة الحال، ان يصدق المرء انصياع ميليس لإرادة أمريكا بهذه البساطة. فالرجل قاضٍ مقتدر وحريص على سمعته واستقلاليته، ولا يعقل أن يضحي بكل هذه المزايا كرمى لعيني أمريكا. ثم هو ألماني الجنسية ولحكومة بلاده رأي في كل ما جرى من أحداث في لبنان، ولها في إطار الاتحاد الأوروبي رأي بما يجب ان يكون عليه الموقف من لبنان وسوريا في الحاضر والمستقبل. فمن يستطيع الجزم بأن موقف أوروبا من النظام السوري متطابق مع موقف أمريكا؟
المهم ان الصراع في لبنان وسوريا وعليهما ما زال محتدماً بين أطراف عدّة، بعضها قادر وبعضها الآخر متوسط القدرة. غير ان ثمة طرفاً لا يمكن عزله عن الصراع وعن المطالب والمطالب المضادة بين الأطراف المتصارعين. انه الإسلام الراديكالي، منظماتٍ وأفراداً، الذي حددته "الخطة الوطنية الاستراتيجية للحرب على الإرهاب" بأنه "العدو الرئيسي" لأمريكا في هذه المرحلة. هذا الإسلام الراديكالي لا يقف مكتوف اليدين مما يجري في المنطقة، خصوصاً في الصراع بين أمريكا وسوريا، وسوف تكون له، قياساً على ساحات مواجهات أخرى، مواقف وردود فعل عنيفة على الأرجح. مع العلم أن النظام السوري غير قادر، لاعتبارات وطنية وسياسية داخلية، على أن يصبح طرفاً في الحرب ضد الإرهاب، بمعنى الحرب على الإسلام الراديكالي. ذلك بأنه سيضطر، في هذه الحال، إلى القتال على جبهتين: ضد أمريكا التي تتربص به الدوائر، وضد الإسلاميين الأصوليين المتطرفين الذين لهم معه تاريخ وثارات.
هل ثمة طريقة للتنبؤ بما ستكون عليه علاقة أمريكا بسوريا في المستقبل المنظور؟
لعل المؤشر هو ذهاب الرئيس الأسد، أو عدم ذهابه، إلى نيويورك للمشاركة في أنشطة الأمم المتحدة، وللتفاوض مع مسؤولين أمريكيين كبار.
الآن بات واضحاً أن الأسد لن يذهب إلى نيويورك. علاقة أمريكا بسوريا ستكون، على الأرجح، مضطربة وصدامية ومفتوحة على شتى الاحتمالات.
* دكتور في القانون العام - محام بالاستئناف - وزير سابق للاتصالات - كاتب ومعلق سياسي من لبنان