وحدة العراق في محراب المقاومة وتجزئته في خندق الخيانة
الدكتور غالب الفريجات/الأردن
الطائفية والإقليمية لا تبني وطنا ولا تسمو بأمة، لأنها ردة خيانية، لأن الحالة الوطنية نقية من شوائب التمييز العرقي والديني، ومن يحمل لواء الطائفية والعرقية يسير بالاتجاه الخاص بمصالح فئات محدودة، تسعى لحرمان بقية عناصر والفئات من مكونات الوطن والأمة من حقوقها المشروعة، وهذه تتنافى مع أبجديات الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان لغة العصر، التي تتبرقع وراءها الامبريالية الأمريكية، في السعي للهيمنة على مقدرات الشعوب وثرواتها كما يجري في العراق العظيم.
زمر الخيانة والردة الطائفية والإقليمية لا تملك القدرة في الوقوف على قدميها فهي تسعى على العكازات الأجنبية المعادية، وهي تستند إلى حائط أعداء الوطن ومصالح الشعب، وهذه مبثوثة في ثنايا كل مجتمع وفي كل زمان ومكان، إلا أن الحالة العراقية قد وصلت رائحتها حد التقزز والاحتقار لما تمارسه من صور طائفية وإقليمية بشعة جدا، بعيدة عن قيم العروبة والإسلام، وعن أبجديات التطور الحضاري، الذي تسعى إليه كل شعوب الأرض التواقة إلى الحرية والعدالة والوحدة الوطنية.
من عباءة الطائفية والإقليمية ظهرت مهزلة الفيدرالية، وتغلفت بالمصالح والحقوق المهدورة زورا وبهتانا، وداست على تراث وتاريخ وطن كان ولا يزال في مقدمة الأوطان التواقين إلى الرقي والتقدم واستنشاق عبير الحرية، ولأنه كذلك كانت وقفته في وجه الغطرسة الامبريالية الأمريكية، وكان عداءه للصهيونية على ارض فلسطين، ولهذا فان الذين تكالبوا عليه من عملاء وجواسيس وفرس في الخندق الامبريالي الأمريكي الصهيوني في السر والعلن، وقد كشف العديد منهم عن تحالفه وتبعيته وعمالته، وبدون خجل من هذه العلاقة الخيانية المشؤومة.
تجزئة العراق تصب في خندق الخيانة لكل أطراف التمزق والردة الوطنية من طائفيين وإقليميين، أياً كانت ادعاءاتهم، وأيا كانت الجدران الاستنادية التي يستندون عليها من امبرياليين وصهاينة وفرس، فهذا الثالوث غير المقدس هو الثالوث المعادي للعراق في وهجه القومي، وللإسلام في نقائه، وللعروبة في عنفوانها، لأن العراق والعروبة الخندق المعادي لكل طروحات الحقد والكراهية على الإنسانية ومنجزاتها الحضارية.
محاولات تجزئة العراق لن تمر بدون عقاب لكل هؤلاء المجرمين، الذين دنسوا تراب العراق، لان العراق ليس لقمة سائغة، كما تخيل لهؤلاء المجرمين عقولهم المريضة، وأحلامهم البغيضة، فمن كان قادر على بناء منجز حضاري، لا بل منجزات حضارية تعدت حدوده الجغرافية إلى الحدود الإنسانية، ومن كان قادر على صد كل الهجمات المعادية والوقوف في وجه الرياح الصفراء في الماضي، يملك القدرة في الحاضر على دحر كل المعتدين والحاقدين.
في العراق مقاومة لها وهجها الاستشهادي،ونقاءها العروبي، وعنفوانها التحرري، فيها وبها وفي محرابها يعيش العراق وحدته الجغرافية، ويقبض على سجله التاريخي، وتسطر ملاحم البطولة التي تدفع بالشر ليس عن العراق فحسب، بل عن الوطن العربي والعالم اجمع من غول الامبريالية المتوحشة والصهيونية المتغولة الحاقدة على الأمم وحضاراتها وعلى الشعوب ومنجزاتها.
في محراب المقاومة يعيش العراق وحدته وتاريخه وعروبته، وفي خندق التجزئة يعيش اللصوص والخونة والعملاء والجواسيس، بقلوب مرتجفة وأحلام مريضة، لن تطول لان ليل العراق ليس بطويل، ومن يقرأ تاريخه يجد انه كان قادرا على دحر الغزاة، الذين أرادوا به شرا، لا بل كان عنوان الفتح والأمل والنصر للأمة منذ آلاف السنين.
الصراع في العراق ما بين الوحدة والتجزئة، والنصر لن يكون إلا للوحدة، والصراع بين المرتدين والمؤمنين ولن يكون النصر إلا للمؤمنين، والصراع بين الخونة والعملاء من جهة والمقاومة وشعب العراق من جهة أخرى، ولن يكون النصر إلا للمقاومة، لأنها تمثل الكينونة الرجولية في نفس الإنسان، كينونة الإيمان بالحق لا كينونة التشبث بالباطل، فمن يمتشق سيفه في وجه الغزاة هو من يمثل العراق، ومن يركب دبابة أمريكية هو من أتباع الشيطان، الذين آلوا على أنفسهم إلا أن يكونوا أعداء الله والحق والإنسانية، فهاهم مسخ الرجال في العراق يرددون كالببغاوات ما يريده لهم الأسياد في طهران وواشنطن وتل أبيب، وهاهي أصداء المقاومة الباسلة تعيد للأمة تاريخها ومجدها، وتضع دينها في نصابه الصحيح، نصاب الجهاد الذي بدأ به الإسلام ولن يقوم إلا به.
وحدة العراق تعبير عن وحدة امة، وتجزئته تعبير عن امبريالية عدوانية متجددة جاءت في الأولى بالكيان الصهيوني، ولن يكتب لها النجاح في الإقليم الطائفي الشيعي الصفوي، لان العراقيين والعرب قد حفظوا الدرس من فلسطين المنكوبة، ولن تتكرر مأساة فلسطين، لأن العرب في العراق قد وعوا اللعبة وحضروا لمواجهتها، فكانت ردة فعلهم في بروز المقاومة بأسرع وقت، وكان ردهم بارتفاع وتيرة المقاومة يوما بعد آخر، وكان ردهم ان المشروع الامبريالي الصهيوني الصفوي لن يمر على جسد العراق، وأنهم قادرون على دحره ودفنه في وحل العراق، أياً كانت المؤامرات، وأياً كان مستوى التخاذل العربي الرسمي، فللعراق رجال يحموه، وللعراق رب يساند الحق في فعاليات هؤلاء الرجال الشجعان من أبطال المقاومة.
العراق لن يكون جثة هامدة بالتجزئة، لان العراق لا يقبل القسمة، فهو من آمن بالوحدة والتوحيد منذ القدم، والذين سيلقون على قارعة الطريق هم الخشب المسندة على روائح الإقليمية والطائفية، الذين جاءوا يلهثون وراء المجنزرات الامبريالية الأمريكية، وفي أيديهم قران كسرى وعقيدة التحالف ما بين كورش وبني صهيون، وهؤلاء لن يفلحوا في امتطاء صهوة جواد عربي أبى أن يسمح لغير العروبة سيدا.
لن نخاف على العراق من هؤلاء العملاء، لأن العميل أكثر مخلوقات الله جبنا، ولن نخاف على العراق من العدوانيين الامبرياليين، لأن التاريخ قد أكد الهزيمة المحتمة لكل الطغاة المعتدين، وما من مستعمر إلا وجر أذيال الخيبة والهزيمة، ولأننا على يقين أن رجال العراق ما قبلوا يوما الذل والخنوع لأجنبي، ولا لضعيف أو جبان حتى ولو كان من بني جلدتهم، وأننا على يقين أكثر أن المقاومة التي تمرغ أنف المعتدين الأمريكان وحلفائهم قادرة على حماية العراق ووحدته، فأن العراق سيعيش وحدته في محراب هذه المقاومة، وأن أرضه ستقبر عملاء التجزئة، وتدفن كل الرؤوس العفنة من مرتدين وطائفيين وإقليميين من أتباع الشعوبية الصفوية وجواسيس واشنطن وتل أبيب.