إلى دعاة العملية السياسية...؟!
د. فيصل الفهد
لا يختلف اثنان على أهمية تكامل الأدوار التي تؤديها الفصائل والقوى الوطنية في أي بلد لتخليص بلدهم من نير الاحتلال، وتجارب الشعوب تدلل بوضوح على وجود مثل هذه القوى التي كان لها حضورها في تقديم العون والإسناد وتهيئة الرأي العام للتعبير عن المواقف الرافضة لوجود الاحتلال ولعرقلة أي ممارسة يقوم بها المحتل لتثبيت وجوده ومنها على وجه التحديد تنصيب حكومات عميلة له تأخذ على عاتقها تنفيذ كل أهداف الاحتلال وتمهد لاستمرار هيمنته على مقدرات البلاد لأمد غير محدد.
وفي ضوء هذا الفهم لطبيعة الأدوار يضطلع كل الفرقاء بأدواره أي الفريق الوطني الذي حملته الظروف على اختيار المقاومة السياسية في مواجهة المحتل، والفريق الذي ربط إرادته ومصيره مع المحتل واختار طريق العمالة والخيانة أسلوباً لتحقيق أهدافه التي تلتقي مع أهداف المحتلين وترتمي في أحضانهم. ورغم وضوح هذه الحقائق وثبات الخطوط الحمراء بين الوطنية والخيانة فإن أفراداً وجماعات بعينها لا تزال تتصرف وفق منهج متعرج (زكزاك)، فتارة تدخل على خندق الوطنية وتارة أخرى تدخل في خانة الاحتلال إلى درجة تثير الحيرة والشكوك وعلامات الاستفهام حولها؟ ورب قائل يقول أن هذا نوع من التكتيك! وآخر يضعه في خانة عدم الوضوح في الرؤيا أو يعده جهلاً سياسياً أو.. أو... وغيرها من التفسيرات التي يراد بها تبرير أخطاء بعضهم بحق قضية شعبهم ووطنهم وتحديداً في قضية العراق.
وأياً كانت هذه التبريرات فإنها لا يمكن أن تفهم إلا في إطار هوية أصحابها وإصرارهم على ذات المنهج الذي أصبح واضحاً للجميع... على إنه منهج ملتوي يضر بمصلحة العراق الذي انتهت فيه (بعد عامين ونصف) ظاهرة تداخل الخنادق وتوضحت الصورة فيه، فهناك خندق المحتلين وعملائهم وفي الجانب الآخر خندق الحق العراقي والمقاومة الوطنية الباسلة ولذلك لا توجد أية مسوغات مهما كانت تلزم أشخاص أو جهات لأن ترمي نفسها بأحضان الاحتلال، وإن حصل فإن ذلك يعني أن هذه الجهات اختارت الطريق المعادي لتحرير العراق واستعادة استقلاله.
وتأسيساً على ما تقدم ولكي نبعد الالتباس ونزيل التشابك بين الخندقين لبعض من الذين يتظاهرون (بسلوكهم) بوجود غشاوة على أبصارهم نقول لهم أن المقاومة الوطنية السياسية تستدعي من الذين آمنوا بها واختاروها طريقاً للإسهام في تحرير بلدهم ومناصرة شعبهم ودعم وإسناد المقاومة الوطنية المسلحة أن يجسدوا كل ذلك عبر مواقف سياسية واضحة (لا لبس فيها) تدلل على أن أصحابها قطعوا العهد على أنفسهم واختاروا طريقاً لا عودة عنه في مقارعة الاحتلال وأعوانه ويعملون بكل إمكانياتهم لإفشال المشاريع والخطط والبرامج التي يحاول المحتلون فرضها على الشعب العراقي وتحويلها إلى (أمر واقع).
إن مواقفاً واضحة كهذه لا غبار عليها وهي تدلل على حس وطني وإرادة مبدئية في الاتجاه الصحيح مثلما تدلل على أن أصحابها يعرفون ماذا يفعلون؟ ولماذا يفعلون ذلك؟ ومتى؟ وأين؟ وكيف؟ وهذا ما يعبر عن نضج سياسي واستيعاب حقيقي لآليات الصراع مع الاحتلال وعملائه وهذا ما يجعل أصحاب هذه المواقف في الجانب السليم ويعطيهم الشرعية الوطنية في ممارسة دورهم البناء في تحرير بلدهم العراق العظيم.
إلا أن المثير للجدل والاستغراب والشبهات هو وجود أناس حسبوا على مثقفي البلد ومنهم (للأسف) على سبيل المثال لا الحصر أساتذة جامعيون متخصصون في السياسة يتحدثون بطريقة ملفتة للانتباه تدلل على سوء فهم وضعف في التقدير والوعي والإدراك عبر ما يلي:
أولاً: عدم تفريقهم بين ما يسمى (بالعملية السياسية) وبين المقاومة السياسية.
ثانياً: ركونهم إلى ما يسمى (بالأمر الواقع) الذي فرضه الاحتلال على العراق.
وبخصوص النقطة الأولى نقول لهؤلاء المتحذلقون في السياسة وأشباههم الآخرين أن هناك فرق بين ممارسة كل عراقي شريف (غير قادر) على حمل السلاح المقاومة السياسية الداعمة للمقاومة المسلحة وهو أمر مشروع ومكفول شرعاً وقانوناً وبين الولوج في دهاليز العملية السياسية التي خطط لها المحتلين وينفذها عملائه في العراق لأن هدف المقاومة الوطنية السياسية هي دق إسفين بكل مرتكزات الاحتلال ووجوده في العراق في حين أن المشاركة في العملية السياسية تقوي الاحتلال وتدعم وجوده واستمراره في العراق لأن أية مشاركة من هذا النوع إنما هي بمثابة وقود إضافي يقوي الاحتلال ويصلب عوده ويدعم قوته وليزيد من إيذائه وبطشه بأبناء شعبنا في العراق وينجح مشروعه الاستعماري ليس في العراق فحسب بل في المنطقة والعالم.
أما ما يتعلق بالتعامل مع ما يسمى بالأمر الواقع في العراق فهي بدعة ابتكرها عملاء الاحتلال ومروجي مشروعه لأن كل ما زرعه المحتلين من مساوئ في الواقع العراقي لا تحمل مقومات الثبات فهي ليست أكثر من عوارض وقتية تزول بزوال الاحتلال ولذلك علينا أن نقضي عليها لا أن نثبتها.. أن نرفضها لا أن نتعامل معها... أن نمنع قبولها ونقف ضدها لا أن نعتبرها أساس لنتعامل في حياتنا على ضوئنا...!!
إذن هناك بون شاسع بين هذه المفاهيم مثلما هناك فرق شاسع في طريقة التعاطي معها لأن الإنسان العراقي الشريف أياً كان عنوانه ومؤهلاته لا يجد إلا طريقاً واحداً لا غيره ليعبر عن رفضه ومقاومته للاحتلال وهو طريق المقاومة الوطنية... فإن مكنه الله من حمل السلاح فهو أفضل الخيارات أما إن لم يكن كذلك فعليه بالمقاومة بماله أو لسانه وهذا ما يمكن وضعه في خانة المقاومة السياسية وهي أضعف الإيمان!!
أما الدخول في العملية السياسية فهي الخيانة بعينها وهي لا تقل ضرراً عن ما يقوم به العملاء والخونة والجواسيس من أدوار لخدمة المحتلين وإنجاح مشروعهم الإمبريالي الصهيوني في العراق وفي مقدمته تمرير مؤامرة ما يسمى بالدستور (الأضحوكة) الذي يهدف إلى تمزيق وحدة العراق أرضاً وشعباً ولذلك فإن هؤلاء (المتفلسفين جهلاً) قد وضعوا أنفسهم في خانة أعداء العراق وسيكون حسابهم مع الشعب العراقي وفقاً لهذه التسمية ولن ينفع هؤلاء ندم وتوبة متأخرة عن أوانها اللهم أشهد أننا بلغنا وأوضحنا!!