التيار القومي والشارع العربي

الدكتور عز الدين دياب/أستاذ محاضر في الانثروبولوجيا السياسية وباحث في القضايا العربية المعاصرة – سوريا

1- ملخص الدراسة:

تحاول الدراسة أن تجيب على سؤال محوري في الحياة العربية الراهنة، ومفاده كيف يعيد التيار القومي نفسه إلى الشارع العربي، ويشارك مشاركة نضالية مع التيارات الأخرى في عودة الشأن العام إلى الشعب من موقع أحقيته في التعبير عن نفسه، وإدارة قضايـاه دون وصايــة أو إنابة؟

وما السبيل أن يمارس التيار القومي دوره الوحدوي بنجاح وشعبية تؤكد شرعية نضاله، من أجل أهدافه في الوحدة والحرية والاشتراكية؟

هذه الأسئلة هي جوهر الدراسة وعناوينها العريضة. وهذا معناه أن إشكالية الدراسة تتكون من عدة محاور تفترق لتلتقي، تبدأ بإثارة الأسئلة حول المخارج التي تضع التيار القومي أمام مهامه الوطنية والقومية، والآليات المطلوبة للخروج من حالته الراهنة، واستلام زمام المبادرة الخلاقة في عمق الشارع العربي، بكل أطيافه المحلية والوطنية والقومية.

وهذا معناه أن تجيب الدراسة عن سؤال بدهي يأتي بوصفه أحد إجراءاتها المنهجية، وهو ما المقصود بالتيار القومي وعلى نحو آخر ما هو التيار القومي العربي؟

2 - دواعي الدراسة:

تداعى مجموعة من البعثيين من جيل الرواد، ومن في حكمهم. كل من موقعه وانتمائه وتوجهه بعد أن تعددت الطرق بينهم وتنوعت الغايات، واختلفت الوسائل. تداعى هؤلاء مدفوعين بقوة الانتماء إلى الأمة العربية للبحث في المخاطر التي تهدد المستقبل العربي، من خلال حال الأمة في الوقت الراهن وما آل إليه هذا الحال. بحيث أصبحت الأمة أسيرة لمشكلاتها. وحبيسة بانقساماتها، متنافرة بحكم قوة الانحياز والإقصاء، أو الإدعاء بامتلاك الحقيقة، والعقلية الثأرية.. الخ...

وكان صاحب هذه الدراسة مهموماً بعودة التيار القومي إلى الشارع العربي، وإعادة الشأن العام إليه بعد أن صادرته الأنظمة الاستبدادية التجزيئية، وضرورة فتح الحوار السياسي بين اتجاهات التيار القومي: بعثية وناصرية وقومية، وما أضافه الوعي الجديد بالمخاطر التي تهدد الأمة من اتجاهات جديدة. الحوار الذي يلتزم بثوابت الأمة العربية في الوحدة والحرية والاشتراكية. وتبين من النقاش الدائر بين جيل الرواد حول الأوراق المقدمة أن مفهوم التيار القومي ملتبس من قبل هذا وذاك من الحضور. ولذلك تساءلت بعض الأوراق تساؤلات مشروعة تبدأ ب: من نحن ؟ وماذا نريد ؟ وما هي وجهتنا؟

في حين أن أوراق أخرى نظرت إلى التلاقي بين الصحبة والأصدقاء على أنه دعوة للخروج من الانتماءات السابقة، ومدافعة الفكر القومي لأنه من وجهة نظرها لم يعد يفي بمتطلبات المرحلة الراهنة وتساؤلاتها وهذه المدافعة من وجهة نظر الدراسة مهمومة بتشكيل موقف قومي جديد.

كل ما تقدم، أقصد الأفكار والتساؤلات التي طرحت في هذه اللقاءات، شكلت دواعي لهذه الدراسة وكانت في البدء أنها شكلت وعيها في تعريف مفهوم " التيار القومي " بناء على تحليل مضمون الأوراق التي قدمت، والحوار الجاري بشأنها، واختيارات الباحث التي بدأ بها، وهي هموم التيار القومي بإعادة الشأن العام إلى الشارع العربي، بعد أن يعود هو نفسه إلى هذا الشارع منطلقاً من وعيه وفهمه للتيار القومي على النحو الذي تستوضحه الدراسة في متنها. وهذه أيضاً شكلت واحدة من دواعيها.

3 - مقدمة:

عرف التيار القومي بأنه الأحزاب والجماعات والمنظمات التي آمنت بوحدة الأمة العربية والتحرر من تخلفها الذي طال أمده، وخلاصها من الاستعمار والتجزئة القومية (1)

إذا، التيار القومي العربي ينفرد عن التيار الأممي والأحزاب الشيوعية، والمنظمات الماركسية اللينينية، والتيار الإسلامي، بإيمانه بحقيقة الأمة العربية الواحدة، ومشروعية وحدتها السياسية. ومع ذلك فان التيار القومي يتلاقى ويتشابك مع تلك التيارات في المسألة الوطنية، ومسألة العدل الاجتماعي، والمسألة الإنسانية.

وهذا الافتراق والتلاقي هو الذي أدى إلى نجاح هذه التيارات في تحقيق بعض الانتصارات الكبرى في الجبهة الداخلية والخارجية.

لكن مسيرة النضال والكفاح لهذه التيارات مجتمعة ومتفرقة منيت بنكسات صغيرة وكبيرة، شكلت إلى جانب التغيرات التي اجتاحت العالم في أعقاب الثورات الثلاث: ثورة المعلومات والاتصال والهندسة الو راثية، وتفكك عرى منظومة الدول الاشتراكية، وصعود الإمبريالية إلى قمة الهيمنة على العالم، أزمة للحركة العربية الشعبية بكل أحزابها وفصائلها. هذا إذا قبلنا الحديث أول القول في منطق الأزمة.

وكان للأزمة أسبابها وداوعيها ممثلة على وجه الدقة في العوامل الداخلية الخارجية التي تتفاعل في طول الوطن العربي وعرضه.

وتتوقف الدراسة قاصدة ومعللة ومختارة أمام ممارسة التيار القومي، أقصد كل اتجاهاته ومكوناته الحزبية لتقول أن هذه الممارسات أُسَّست وبقوة البوابة التي أخرجته من لحمته وتسانده مع الشارع العربي، فأخذ يعيش عزلته الشعبية القاتلة.

لكن الدراسة لا يمكن أن يغيب عن بالها على الإطلاق دور الأنظمة العربية الغارقة في تبعيتها وقطريتها وممارساتها التجزيئية. لكنها من جهة أخرى لا تجعل منها مشجباً يعلق عليه التيار القومي بعض إخفاقاته.

وتسعف الدراسة نفسها بأن تقول فكرة أو شيئاً بشأن الوضع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي المعقد للوطن العربي، بأنه كان له نصيبه في تلك الإخفاقات، حيث أن مستويات التطور الاقتصادي – الاجتماعي التي وصل إليها الوطن العربي شكلت حالة ضعف وتخلف وجدت نفسها في البنية التنظيمية للتيار القومي، في أحزابه ومنظماته وإن كانت من مستويات مختلفة ومتباينة. لكن هذا لا يعني أن الأحزاب والحركات القومية تتساوى وتتعادل في مكونات الفشل والإخفاق.

ومعلوم أن التيار القومي العربي، وخلال مرحلة المد القومي، ونهوضه بمهامه الوطنية والقومية، كانت تقوده أحزاب وحركات عدة يأتي على رأسها حزب البعث العربي الاشتراكي، وحركة القوميين العرب والاتجاه الناصري.

وتود المقدمة أن لا تكون أسيرة أو منحازة للتيار القومي العربي باتجاهاته الرئيسة، فتفيد بأن هناك أحزاب وطنية حملت الهموم القومية وشاركت في النضال من أجلها. وإن كانت هذه المشاركة ليست على سوية واحدة في تلك الأحزاب، تومىء إليها دون أن تتوقف عندها، وإنما تحيل هذا الأمر إلى الكتب والدراسات التي أرَّخت ودرست وحللت وفسرت النضال الوطني القومي في الوطن العربي.

وثمة حالة أخرى، لكنها من نوع آخر تقدر مقاصدها في الإعلان من أن الوضع الاقتصادي في الوطن العربي على وجه العموم أوجد خارطة اجتماعية مختلفة في نصيبها من ثروات الوطن العربي. وهذا كان معناه في حال من الأحوال أن الوطن العربي شكل لوحة اجتماعية فسيفسائية فيها، وجنباً إلى جنب، الكثرة من التوافقات الاجتماعية والثقافية، وفيها أيضاً ما يمكن وضعه في الحسبان وفي رؤى المستقبل العربي عهدئذ من المفارقات والتناقضات ولكنها جميعاً حمالة للعملية الجدلية.

لكن ما يجب قوله وعلى وجه السرعة إنَّ التناقضات كانت تكبر وتتكاثر بين من يملك الثروة من ملاك كبار وأغنياء المدن، بينما تكثر التوافقات بين الفئات المتوسطة والصغيرة والفقراء، في طول الوطن العربي وعرضه.

وهذه التوافقات هي التي شكلت الأرضية للتيار القومي لأن يلعب دوره القومي بنجاح وامتياز خلال عقد الأربعينات والخمسينات، ومطلع عقد الستينات من الألفية الثانية.

وتزعم الدراسة أن هذه التوافقات الباقية والمستمرة في الأقطار العربية هي المجال الاستراتيجي التي يجب أن يعمل فيها التيار القومي، وذلك بتنشيط هذه التوافقات وإكثارها ومدها بكل الآليات والحيوية التي تحتاج إليها، حتى تعود وتصبح الشغل الشاغل للإنسان العربي، مثل القضية الفلسطينية، وقضية احتلال العراق وعودة الاستيطان الإمبريالي الذي يتراضع مع الكيان الصهيوني باستمرار دون توقف، وقضايا التنمية القومية المستمرة التي تسعف الفقراء والمحرومين في الوطن العربي، وتقوي بينهم اللحمة الوطنية القومية، وإشهار حقائق الوحدة العربية واحدة واحدة، بالتوافق مع قضايا ومستلزمات كل مرحلة وخاصة المصالح المشتركة للشعب العربي.

4 - مشكلة الدراسة:

والسؤال – التساؤل الآتي يشكل صميم إشكالية الدراسة التي تتناول مفرداتها بالبحث والتفسير.

فقد علمنا التاريخ العربي الوسيط والحديث والمعاصر دور الفكرة القومية في المحافظة على الشخصية العربية القومية الرئيسة أو المنوالية، على حد تعبير السيد ياسين، والشخصية المحلية والوطنية، لأن هذا التاريخ أبان صحة وسلامة أطروحة الفكر القومي التي تقول إنَّ الوطنية هي القومية، وإنَّ حدود القطر هي حدود الوطن العربي كله، وإن القومية لها تجليات وطنية كثيرة ومتشعبة، تمثلت على وجه الدقة في حوادث قومية كثيرة، أبرزها وأقربها الحروب ضد الفرنجة. ومن بعد الثورة العربية، والموقف الشعبي القومي من القضية الفلسطينية، ومن ثورة الجزائر، وإبَّان العدوان الثلاثي على مصر واحتلال العراق من قبل الإمبريالية الأمريكية.

وفي الحالة العربية التي ألمحنا إلى ملامحها الرئيسة باستعجال فرضته ظروف الدراسة ومناسبتها، وهي الحالة التي شكلت مجالاً رحباً، ومقدمات لولادة التيار القومي، وتنامي دوره النضالي الذي حقق انتصارات لا يمكن أن تلغيها أو تغمض العين عنها الإخفاقات التي بدأت بمؤامرة الانفصال المشؤوم الذي أعاد تجزئة الجمهورية العربية المتحدة إلى قطرين، وقوة التجزئة القطرية التي تنامت باتجاهين: الاتجاه الانعزالي والاتجاه اليسراوي.

ومن هذه الأرضية لا من غيرها فأن العملية القومية معانيها وأطروحاتها ونضالها ومنهجها ومفردات ثقافتها السياسية، لا تراها الدراسة في عملية التفسير الذي تقوم بها هذه الجهة أو تلك، وإنما يوازي ذلك ويجاريه استمرار الحوار السياسي والاجتماعي بين اتجاهات وأحزاب التيار القومي من أجل عودة مظفرة إلى الشارع العربي، يكون فيها هذا الشارع حاملاً شأنه العام وفاعلاً فيه، بل هو الذي يقود خطاه إلى الأمام. وتعميق العلاقة الكفاحية النضالية بين الأحزاب والجماعات والمنظمات القومية، واستكمال الدراسة المعمقة، والموجهة بالفكر القومي ومنهجه، للظروف والعوامل والمناخ الذي يحيط بالعمل القومي بشكل عام، وبدور التيار القومي على وجه الخصوص.

إنَّ المضي في العملية القومية إلى الأمام يعني امتلاك مشروعيتها بكل المواقف القومية التي يقفها الشارع العربي أثناء الأحداث وخلال المهام الجسام، آخرها احتلال العراق. وهذه المشروعية تستوجب على وجه السرعة، ولكن بخطوات مدروسة مدركة معانيها ومفسرة في غاياتها، زيادة قدرات التيار القومي وطاقاته النضالية حتى يتمكن من استيعاب الأحداث والمهمات ويتحول من موقف الدفاع إلى الهجوم، جنباً إلى جنب مع الشارع العربي، وهو يواجه التحديات الوطنية والقومية ومخاطرها، تحت شعار استراتيجي، بل قانون قومي يقول: إن حدود القطر العربي هي حدود الوطن العربي كله.

وهذا معناه أن التيار القومي إذا أجاد فهم الواقع العربي فهماً صحيحاً وسليماً. أقصد التبصر بقوانينه وآليات انتقاله وعمليات الوحدة الانقسام داخل البنى الاجتماعية العربية في حالاتها المحلية والوطنية والقومية وتحدياته الداخلية، بناء على جدل الداخل مع الخارج، ومستوعباً العملية القومية بكل عناصرها ووقائعها، فانه يعود إلى الشارع العربي من أبوابه العريضة مالكاُ قدراته التحريضية والتعبوية، فتزداد مهاراته وإمكاناته في إعادة الشأن العام للشارع العربي، والتفاعل معه أثناء وقوع الأحداث.

تلك الأفكار فرضت نفسها كحاجات ملحة للتيار القومي. وتنوه الدراسة أن تلك الأفكار ليس لها صلة على الإطلاق بمنطق الرغبة، وإنما هي مؤكدة بقوة الحوادث والوقائع التي تجري في طول الوطن العربي وعرضه، وواضحة من خلال الدراسات النظرية والحقلية والأبحاث والدراسات المستقبلية.

5 - أهمية الدراسة:

تتجلى أهمية الدراسة، من وجهة نظرها، بأنها تناولت موضوعاً يملك الأولوية في الحياة العربية المعاصرة، والمتمثل في الكيفية التي يمارس فيها التيار القومي دوره بنجاح، حتى يتمكن من العودة إلى الشارع العربي،ويتسلم زمام المبادرة في قيادة الأحداث، والتصدي لها في المستويين الوطني و القومي، ومواجهة الاستبداد القائم الآن في الأنظمة العربية، وكذلك الفساد والتبعية، وتنشيط الثقافة الديمقراطية، وما تستوحيه من حراك اجتماعي وسياسي وثقافي، والتصدي للتجزئة بكل مناحيها، ومقاومة الاستيطان الأمريكي، ومجاهدة احتلاله للعراق، وتنشيط الحوار الجبهوي مهتدياً التيار القومي بفكر البدايات وعقوده السياسية – الاجتماعية التي أقامها مع الأحزاب الوطنية والشيوعية، والحركات الإسلامية على طريق الحرية والوحدة والاشتراكية.

6 - حدود الدراسة:

تمثلت حسابات الدراسة مادام موضوعها يتركز في علاقة التيار القومي بالشارع العربي بنهوضه وممارسة دوره القومي بناء على القانون الوحدوي: وحدة النضال العربي تقود إلى نضال الوحدة العربية (2) وتخطى حالة العزلة الشعبية، وعودته المظفرة والميمونة إلى الشارع العربي، في أن المتغير الأساس خلال مطلع الألفية الثالثة، يتمثل في صعود الهيمنة الإمبريالية الأمريكية وتشكل القطب الواحد، ونشوء الإمبراطورية الأمريكية، وترافق ذلك مع تحالف القوى التجزيئية الحاكمة في الوطن العربي مع المد الإمبراطوري الإمبريالي. لذلك كله، أقصد تلك الحسابات، جعلت الدراسة تمضي في تأريخ بدايات التيار القومي على أنه داخل حدودها وتستأنث الدراسة بتاريخ الفكر القومي من أجل أن تقول انه ترعرع وشب غداة نشوء ما سماه الفكر القومي "اليقظة العربية" التي كان لعملية التتريك شأنها في انبعاث هذه اليقظة.

ومفاد هذه العملية أنها تحاول دمج العرب في بنيان الدولة العثمانية، والتخلي عن العروبة التي تعني الهوية القومية، لأنها هي العروبة مرة، وهي الإسلام مرة ثانية. (3)

ويحكم تطور وحراك الأمم تجاه بعضها بعضاً بدأت عملية التغيير تدق أبواب المجتمع العربي، وخاصة في أعقاب حملة نابليون الساعية إلى استكمال الإمبراطورية الفرنسية هيمنتها على الوطن العربي فتطورت الطباعة والصحافة وطبع الكتب التي ترافقت مع انتشار البعثات التبشيرية وأخذت البعثات الدراسية تشق طريقها إلى أوروبا وبدأ الاعتماد على الخبراء. وهذا النهوض الفكري أسس لظهور جمعيات وتنظيمات في بلاد الشام، ومهد لنشوء اتجاهات اجتماعية وسياسية (4)

وشكل تأسيس هذه الجمعيات والتنظيمات الفكرية والسياسية خطوة إلى الأمام في تأسيس المؤتمر العربي الأول، غداة انتقال الكثير من رجال السياسة والفكر إلى مصر وفرنسا نتيجة ما لاقوه من اضطهاد من قبل الولاة العثمانيين، بسبب مناهضتهم للمركزية التركية (5)

وفي فرنسا بدأت الدعوة إلى مؤتمر قومي عربي تنشط وتجد صداها بين مختلف التيارات والاتجاهات السياسية والفكرية التي وقفت موقفاً معارضاً للهيمنة التركية.

ووجهت الدعوات إلى الأحزاب والجمعيات العربية للمشاركة في المؤتمر العربي الذي انعقد بتاريخ 18 / 6/ 1913 في مقر الجمعية الجغرافية الفرنسية وانتهى المؤتمر إلى قرارات تمت بالإجماع.

وفنَّدت هذه القرارات أهمية الإصلاح السياسي الاجتماعي والاقتصادي (6) "ووجوب تمتع العرب بحقوقهم السياسية، واعتبار اللغة العربية لغة رسمية داخل الولايات العربية، وضرورة مشاركة العرب في شؤون الإدارة المركزية واللامركزية، وأن تشكل أدبيات المؤتمر وقراراته برنامجاً سياسياً وانتخابياً للعرب في الإمبراطورية العثمانية".

وفي نهاية الحكم العثماني لبلاد الشام، وتأسيس الدولة العربية في سورية من قبل الأمير فيصل، تمت المباشرة في تشكيل الأحزاب، وتوفرت بهذه الخطوة والمفردة الثقافية السياسية العربية مقومات الحياة الحزبية.

لكن وقوع سوريا تحت الانتداب الفرنسي، والممارسات القمعية التي قام بها المندوب السامي الفرنسي فرضت على الأحزاب الانتقال إلى خارج سوريا، وكان أبرزها وأكثرها انتشاراً حزب الاستقلال والاتحاد (7). هذا إضافة إلى الأحزاب التي تشكلت في الداخل بعد حين عهدئذ: مثل حزب الشعب الذي تأسس عام 1925 م، وحزب الوحدة السورية (8) وظهور الكتلة الوطنية غداة مؤتمرها الذي عقد في 27/10/1927 وحزب الإصلاح وحزب الاتحاد الوطني وحزب الأمة الملكي الذي تأسس سنة 1928 (9).

وبعد مخاض طويل ومعاناة حبلى بمعركة المستقبل العربي، تأسست عصبة العمل القومي جنباً إلى جنب مع الحزب القومي العربي. وتحسب الدراسة أن التيار القومي كان خلاصة منطقية حية لتلك الحركات والأحزاب، بما فيها عصبة العمل القومي، الذي تمثل بعد ذلك في الآتي: (10)

حزب البعث العربي الاشتراكي

حركة القوميين العرب

الحركة القومية الناصرية

7 - فروض الدراسة وتساؤلاتها:

أ - إن ما جرى ويجري على الساحة العربية وآخرها حتى هذه اللحظة – أقصد لحظة كتابة هذه الدراسة – له أسبابه وعوامله الداخلية والخارجية بما يخص التيار القومي منها أنه لم يرتق بكل فصائله إلى مستوى التحديات الأمر الذي مانعه ودافعه من ممارسة دوره النضالي الوحدوي المطلوب، فأوجد بهذه الممارسة مسافة بين وحدة النضال ونضال الوحدة.

ب - إن النزعات اليسراوية التي اجتاحت التيار القومي، واستخدام الفكر الماركسي الرسمي لتفسير الواقع العربي. جعلته ينأى عن الشارع العربي، فانشغل بمعاركه الداخلية التي أدت إلى انقسامه وتبعثره. زد على ذلك هيمنة المفاهيم العقائدية والسياسية وآليات التحليل والتفسير داخل منظومته الفكرية وثقافته السياسية، التي لا تجاري الواقع العربي بل تعيد تركيبه على هواها. هذه الهيمنة التي أخرجت أجنحة من ثوبه وخصوصيته الوطنية والقومية، وكانت أحد مكونات أزمته.

جـ - كلما تمكن التيار القومي من توحيد فصائله واتجاهاته والعودة إلى انطلاقته الأولى بزخمها الشعبي وسلامة النظرة إلى قضايا الأمة وجدية وعلمية التفكير الذي قاد ووجه تلك المرحلة كلما تمكن من العودة إلى علاقة سليمة وفعالة ونضالية مع الشارع العربي.

د – السؤال – التساؤل كيف يخرج التيار القومي من أزمته ؟ وكيف يبدأ بمعالجتها وما هي الآليات التي يستخدمها في مهمة الخروج منها، وقد غدت مهمة وطنية – قومية لا تقبل التأجيل؟

8 – مفاهيم الدراسة

المفاهيم هي آليات وأدوات التحليل والتفسير لأي ظاهرة من الظواهر سواء كانت طبيعية أو مادية أو اجتماعية ونفسية.

والمفاهيم في كل حالاتها تشكل وحدة التفاهم والتواصل بين العلماء والباحثين. كل في دائرة علمه واختصاصه. وفي ميدانه المعرفي. وهي العناصر المشتركة بين العلماء وأهل الاختصاص في العلوم التي تمكنهم من بناء تطورات ذهنية ومعرفية وبحثية يشيرون ويدللون بها على الظاهرة المدروسة من قبلهم. (11)

وهذا معناه أن المفاهيم عِدَّةُ عالم السياسة، على سبيل المثال لا الحصر، في البحث والتنقيب والتحليل في الظاهرة السياسية، ومن ثم المباشرة بتفسيرها وتنظيرها حسب عناصر مكوناتها، وقول الكلمة فيها بناء على شروطها الداخلية والخارجية.

ويستبان من الوظائف التي تقوم بها المفاهيم في العلم السياسي، أنها أساس بناء النظريات السياسية، وشرط التنبؤ واستنباط القوانين، لأن العلم السياسي في التحليل الأخير كوكبه أو عائلة ومجموعة من القوانين التي تحكم الظاهرة، وتقول رأيها في علاقة الظواهر السياسية وتطورها، داخل البناء الاجتماعي.

إنَّ الدراسة إذ تتقدم خطوة إلى الأمام في تسييس المفاهيم، أي إبانة ما تعنيه وما ترمز إليه، وما تدل عليه بشأن الظاهرة السياسية، لأن التيار القومي العربي، وهو موضوع الدراسة، يحسب وينتمي إلى تلك الظاهرة في العلم الأنثروبولجي، فإنها تدرك أنها مشت خطى إلى الأمام في توضيح وتفسير هوية التيار القومي العربي، واكتسابه مضمونه العلمي:

التيار: يقول المعجم الوحيد أن (12) "التيار" في اللغة العربية هو حركة سطحية في مياه الأنهار والبحار والمحيطات، تتأثر باتجاه الرياح وقد تنقل المياه الدافئة إلى المناطق الباردة وبالعكس وشدة جريان الماء وفي (علم الطبيعة) سيال كهربائي يجري في جسم موصل الكهرباء، وهو أنواع. ويقال تيارات فكرية وتيارات أدبية.

القومي: هو، كما يقول المعجم الوجيز، (13) من يؤمن بوجوب معاونته لقومه ومساعدتهم على جلب المنفعة، ودفع المضرة. والوطني، يقال العيد القومي، الزعيم القومي.

القومية: صلة اجتماعية وجدانية تنشأ من الاشتراك في الوطن والجنس واللغة والمنافع وقد تنتهي بالتضامن والتعاون إلى الوحدة كالقومية العربية.

إذا: فالقومية من صنع الأجيال المتعاقبة، نتيجة تراكم طويل، وتفاعل خلاق، يمتد خلال زمن طويل. بل قل خلال قرون متعاقبة تؤدي إلى وجود معالم وصفات وخصائص مشتركة، وروابط اجتماعية وثقافية وتاريخية وروحية بين أبناء القوم الواحد

إذاً، فالقومية ليست بنت مرحلة بمعنى أنها درجة من درجات التطور والارتقاء، لأنها تتداخل في تكوين شخصية الأمة وتطبعها بمعالم خاصة بها لذلك يقال الشخصية القومية العربية والفرنسية... الخ

الاشتراكية هي بكل وضوح واختصار: اشتراك أبناء الوطن العربي في ثروات وموارد وطنهم بحيث تتقارب وتتساوى الفئات والشرائح الاجتماعية، ويتحقق العدل الاجتماعي في أقصى درجاته، حتى لا يوجد مستغل – كسر الغين / ومستغل – بفتح الغين.

وهي أيضاً واحدة من النظريات الاقتصادية لها مفاهيمها ومقولاتها وأطروحاتها ونظمها التي تحمل في مضمونها الدلالة على أن الإنسان وجد ليعيش في مجتمعه بعيداً عن الاستغلال والتسلط، بحيث ينال كل ذي حق حقه، وهي عربياً لازمة للحرية والوحدة، لأنها في كل حالاتها تمثل المستقبل العربي جنباً إلى جنب مع الوحدة والحرية والاشتراكية، ولأنها في واحدة من حالاتها نضال ضد الأوضاع الفاسدة والظلم الاجتماعي والسياسي ولذلك تقترن وتلتحم مع وحدة النضال ونضال الوحدة العربية.

الثقافة القومية السياسية: الثقافة في علم الإنسان: "الانثروبولجيا" هي كل ما ينتجه الإنسان في غدوه ورواحه، وخلال نشاطه الفكري والروحي.

والثقافة أصناف وأنواع، منها المادي والاجتماعي، ومنها الفكري والروحي، وكل صنف أو فرع من الثقافة ينقسم إلى عناصر مركبة وبسيطة وهذه الأجزاء في كليتها هي التي تشكل الثقافة.

وكل أمة مقرونة بثقافتها. لها جملة من المشتركات والتوافقات الثقافية مع ثقافات الأمم الأخرى، ولذلك يقال الثقافة العربية، والثقافة الروسية، والثقافة النروجية، والثقافة هي التي تحدد معالم الشخصية لهذه الأمة أو تلك، لذلك فإذا أخذت ثقافة من الثقافات وقمت بتحليلها ومعرفة مضامينها ومعانيها، فانك تقول على الفور من هي الأمة التي تحسب أو تنسب إلى هذه الثقافة.

والثقافة شأنها شأن كل الظواهر البنائية- نسبة إلى البناء الاجتماعي- من فعل البشر وخلال تاريخهم الطويل. وهي محكومة إلى قوانين أهمها قانون التخلي والاكتساب (14) وقانون التواصل والاتصال. والثقافة القومية هي قطاع أو نسق من أنساق الثقافة العامة المكونة من معاني ومفاهيم وقيم واتجاهات خاصة بالأمة، والثقافة القومية العربية هي جملة من المفاهيم والقيم والأعراف والتقاليد والاتجاهات والحقوق التي تمكن أهل العلم السياسي، ومن في معيتهم من المثقفين العرب، وعلى وجه الخصوص أولئك الذين يؤمنون بأن قوميتهم العربية هي عروبتهم ووطنيتهم في فهم الحياة السياسية العربية. وهي الفكر والنظم والمؤسسات والأحزاب والجماعات والمنظمات والحقوق والواجبات.

والثقافة القومية العربية هي العين التي يقرأ فيها المثقف العربي ومن في حكمه حياته العربية والسياسية والاجتماعية، ويحلل من خلالها أو بموجب مفاهيمها. التحديات التي يواجهها الوطن العربي، وهي أيضاً دالته للتنبؤ بالمستقبل العربي، ورصد الأحداث المستقبلية وأخذ مواقف راهنة ومستقبلية منها.

والمعروف عن الثقافة القومية العربية أنها شكلت الضوابط والآليات لتنشئة الإنسان العربي تنشئة نضالية وحدوية (15).

والثقافة القومية العربية السياسية لها مفردات كثيرة تنظم العمل السياسي، وُتكَوِّن المعرفة السياسية، وتشكل وحدة المفاهيم التي بموجبها تفسر الواقع العربي السياسي.

وفي حال من حالاتها تشكل دليل عمل للمناضلين القوميين وهم يتصدون ويعبرون عن هموم الوطن العربي وتحدياته وطموحه وأهدافه. وأهم هذه المفردات التي تمثلت في فكر البدايات.

وقبل أن تستلطف مجموعة اليسار مفردات الفكر الماركسي التي أفرزتها الثقافة السياسية السوفيتية الرسمية مثل الحزب القائد والطبقة القائدة والصراع الطبقة والديمقراطية الشعبية.. الخ التي حملها ما يسمى يومئذ "التقرير العقائدي" أو المنطلقات النظرية، حيث مثلت في حينها هروباً إلى الخلف أو الوراء في مسيرة التيار القومي العربي (16) نقول أهمم هذه المفاهيم: الوحدة العربية، الحرية، الاشتراكية، النضال القومي، الإنسانية العربية، الديمقراطية،التعددية السياسية والفكرية، تبادل السلطة، الشعب العربي، الوطن العربي، الواجبات والحقوق السياسية، التحالف السياسي، الجبهة القومية و الوطنية، وحدة النضال العربي، نضال الوحدة... الخ.

9 - التيار القومي والعمل الواجهي:

مقدمة:

ليس من الإنصاف القول أن التيار القومي نشأ في أواخر القرن التاسع أو قبله بقليل، فتلك نزعة حتمية تربط القومية بظهور وبروز البرجوازية الأوروبية عندما باشرت النظام الإقطاعي.

وإنما للتيار القومي في حالته الحديثة والمعاصرة مقدمات ودلالات لها خصوصيتها في عصرها وزمانها، لأن القومية العربية بأصولها ومشاعرها ودورها التاريخي ووظيفتها في الولاء والانتماء والتوحيد وتجديد الوازع القومي، ليست عملية اقتصادية سياسية على النحو الذي كانت وفسرت في أوروبا في أعقاب ثورة البرجوازية وتفكيك بنية المجتمع الإقطاعي، وإنما هي حقيقة حية تلازم الإنسان ملازمته لاسمه وتاريخه، لأنها هويته ومن صنع الأجيال. لذلك لا يمكن أن تختزل بمرحلة اقتصادية – اجتماعية واحدة لا تندرج في تعاقب المراحل والتطور والارتقاء.

والقومية في معلم من معالمها هي شخصية الأمة التي تصنع وتؤسس جملة من الروابط والو لاءات التي تربط الإنسان العربي بأبناء وطنه، التي تبدأ من المستويات المحلية وتمر بالوطنية، وتنتهي بالانتماء للأمة العربية.

والدراسة إذ ترفض نشوء القومية العربية وتفسيرها وقياسها على ما جرى في أوروبا فإنها ُتعول كثيراً على النظرة والتصور الكلي للحياة القومية، التي يشكل لحمتها التراث العربي القديم والوسيط والمعاصر بما فيه الدين الإسلامي. علماً أن القياس على الأخر الأجنبي فيه مستويات من التضليل.

كما تعول على المسلمة القومية التي تقول ب " وحدة الأمة العربية " وهذه النظرة مردها إلى أن العروبة تجلت في التراث العربي مثل الشعر الجاهلي، والأمثال العربية وشاهد ذلك القرآن الكريم الذي جاء بلسان عربي اذا، العروبة كانت شائعة في الثقافة العربية الشفاهية والمكتوبة في مرحلة مبكرة من الحياة العربية.

واستناداً إلى هذه النظرة، فإن التيار القومي أسس تنظيماً له في سائر الأقطار العربية، كما شكل قيادة قومية لهذا التنظيم. (17)

والمعروف عن التيار القومي مراهنته على الشعب ودوره القيادي في معركة المستقبل العربي المتمثلة بالوحدة العربية، وفي تحقيق الحرية بكل أبعادها، والاشتراكية التي تلبي حاجات الأمة في التواصل الثقافي والنضالي، والاندماج الاجتماعي، والسلامة الاجتماعية داخل أبعادها البنائية المحلية والوطنية والقومية.

وعلى هذا الأساس لا غيره كان التيار القومي يعتبر أن سلامة نضاله يتوقف على وضع النضال الوحدوي في الصعيد الشعبي، لأن الشعب هو القوة التي تستطيع تحقيق الوحدة باعتبارها قضية مصيرية وحضارية شاملة لكل نواحي الحياة العربية (18)

ومن معالم التيار القومي أنه كان يقود النضال القومي بناء على مسلمات يرى من خلالها أن صراع الأمة يتجلى بين التقدم والتخلف، بين الوحدة والتجزئة، وبين الأصالة والنزوع إلى تقليد الأمم الأخرى تقليداً أعمى يجرد الأمة العربية من معالمها ومقوماتها التاريخية.

كما حرص التيار القومي على أن يكون حركة ثورية انقلابية تقوم على الفكر القومي الوحدوي والممارسة النضالية وأن حرصه على شعبيته وتواصله مع أبناء الشعب العربي، كانت صادرة من رؤيته وتحليله الملموس للواقع العربي، و ضرورة تشكيل الوعي القومي على أساس أن أهداف الأمة لا يمكن أن تتحقق إلا بالشعب ونضاله.

ومفاد الارتباط المصيري بين التيار القومي والشعب العربي يعود إلى حقيقة نضالية شعبية وهي أن هذه الصلة الوثيقة بالشعب تحميه من أمراض اجتماعية وفكرية وسياسية، لأن الشعب بحسه النقدي ورؤيته المستقبلية المتحدرة من وعيه وعفويته وتجربته، هي التي تنأى بالتيار القومي عن الأخطاء والانحرافات وفرض ثقافة المراجعة والتصحيح والنقد من وقت إلى آخر، وُيمَكِّن التيار القومي من امتلاك أدواته وآلياته الثورية التي يحتاج إليها النضال القومي بل قل الثورة القومية.

وثمة علامة تحسب للتيار القومي، وتؤكد منهجيته وعلميته المتمثلة بتعامله مع المرحلة التاريخية التي يعيشها الشعب العربي، بأنها مرحلة انبعاث الأمة العربية، والظفر بدورها الحضاري ولذلك نظر إلى مشكلات الحركة العربية والتراجعات التي يعيشها التيار القومي، نظرة جدلية رأى فيها أعراض زائلة بحكم ثورية الوحدة، وقوة الأمة في تصحيح الأخطاء. وهذا ما يؤكده نضال الأمة حيث كانت تخرج من هذه الأخطاء إلى التقدم والنمو والانتفاضات الشعبية لأن الأخطاء في حقيقتها أخطاء مؤقتة. (19)

وقد عرف التيار القومي بحكم نشأته في أوساط المثقفين بتنوع النظرة وتباين المرجعيات واختلاف وتفاوت الوعي بمحددات الحياة العربية ولذلك تنوعت الشعارات والأهداف إلى أن التقت بعد عقود عدة حول الأهداف الكبرى للشعب العربي في الوحدة والحرية والاشتراكية.

وهذا الشأن في تعدد النظرات وتنوع الطرق إلى الأهداف يشكل دلاله على حيوية التيار القومي وثرائه الفكري.

وكان العمل الواجهي مرة يتمثل بالأندية الرياضية والثقافية والاجتماعية، ومرة ثانية بالمنظمات والنقابات الطلابية والعمالية والفلاحية، ومرة ثالثة بالجمعيات الفكرية المتمثلة بإلقاء المحاضرات وإقامة الندوات.

وهذا أيضاً له دلالته بأن التيار القومي وحَدَّ بين ثنائية كان لها شأنها في انتصاراته وهي العمل التنظيمي، والنشاط الفكري، والنضال العقائدي والسياسي.

وأبانت هذه الدلالة قوة التيار لقومي الشعبي وتواجده النضالي في الساحتين السياسية والنضالية في وقت واحد وسيطرته على حركة الشارع العربي لأنه كان يتقدمها.

كما يتميز التيار القومي بقدرته على اتخاذ المبادرة الخلاقة تجاه الأحزاب السياسية والاجتماعية والتحديات التي تواجهها الأمة في الداخل والخارج. وهذا ما أعطاه القدرة على تعبئة الشارع العربي عقائدياً وسياسياً حول أهدافه الكبرى.

إن قدرته في المبادرة تجاه الأحداث والمعطيات التي تعيشها الأمة مكنته من التحكم في تلك الأحداث وقيادتها في الاتجاه الذي يريده ويرى فيه مكاسب للأمة ولسلامتها الوطنية والقومية. (20)

10 – منهج الدراسة:

اعتمدت الدراسة على المنهج الأنثروبولجي لأنَّ الانثروبولجيا: نظرية وتطبيق تقوم بدراسة الظاهرة أياً كان موقعها البنائي، بالإضافة إلى المنهج القومي الذي كون مفاهيمه وأطروحاته ونظرته من خلال تعامله الدقيق والمتأني مع معطيات الحياة العربية في تاريخها البعيد والمتوسط والقريب.

ويرى هذا المنهج أنَّ البناء الاجتماعي العربي في حالة تغير مستمرة داخل أنساقه الاقتصادية والاجتماعية والثقافية منقادة بمتغير أو أكثر داخلي وخارجي وهذا المتغير له شأنه ومقامه في قيادة المجتمع العربي للانتقال من حال إلى حال، أو من وضع اجتماعي – سياسي إلى وضع آخر. لكن هذا الانتقال ليس لولبياً في كل حالاته وليس دائماً إلى الأمام. وإنما هناك انتكاسات وإخفاقات.

وعلى هذا الأساس لا غيره يتحرك المنهج الانثروبولجي النقدي من قاعدة مراجعة نقدية لتاريخ التيار القومي من أجل أن يتعرف ومن ثم يستوعب المعاني والمفاهيم التي تعامل بها التيار القومي مع قضاياه المصيرية. والكيفية التي واجه بها هذه القضايا حتى يتمكن من تفسير النجاحات والإخفاقات، ومعرفة تعامله مع الشأن العام، والأدوات التي تم بها هذا التعامل، ومن ثم ربط ذلك بالقوى التي أثرت في الأحداث الوطنية والقومية،خلال الفترات التاريخية التي مر بها وعاشها التيار القومي من الأمس إلى اليوم.

وبما أن الانثروبولجيا النقدية: نظرية وتطبيق أي الأنثربولوجيا الجديدة التي تطورت وأضافت وزادت منهجية وتجاوزت الأنثربولوجيا الكلاسيكية، فإن الدراسة تعتمد على منهج الملاحظة المباشرة، والملاحظة بالمعايشة الذي يجعلها تنظر إلى التيار القومي على أنه أحد مكونات المجتمع العربي الرئيسة ولذلك نظر إلى تاريخ هذا التيار على أنه ماضٍ وحاضر ومستقبل، وعلى أن ماضي التيار القومي العربي يوجد في حاضره، وحاضر التيار القومي وماضيه يتواجد ان في مستقبله.

تسأل الدراسة وتتساءل من أجل معرفة المزيد من مؤشرات ودلالات الماضي وفهم الحاضر والتنبؤ بالمستقبل.

وقد عرف التيار القومي، وخاصة فكر البدايات، أنه لا يمكن أن يقول أو يقرر صيغاً حتمية للحياة العربية المستقبلية، وإنما عمل على وضع بعض الأفكار التي تمكنه من أن يستشرف بما يكون عليه الوضع العربي خلال فترة زمنية محددة. وجعل الأبواب مفتوحة أمام الأجيال العربية حتى تضيف ما يمكن أن تضيفه إلى تلك الأفكار.

كانت البداية نقد الحتميات، وقال بعدم وجودها في التاريخ العربي، وكانت هذه عصمته المنهجية حتى لا يتحول التيار القومي العربي إلى يوتوبيا لأن المستقبل تحكمه متغيرات تتشكل وتتكون وتأتي في أوانها.

وهذا ما جعل التيار القومي يخطو إلى الأمام وهو يتعامل مع التراث بالايجابية المعقولة والممكنة، فوقف من الدين الإسلامي موقفاً علمياً وثورياً لا يلغي أو ينسخ دوره، ولا يقلل من تأثيره في النضال القومي، وأَخَذَ أخْذَةَ ملاحظ ومحلل ومفسر التجربة العربية، ووضع يده على ما فيها من ثقافة سياسية وأضافها إلى الثقافة السياسية القومية كما شخص قوة وإبداع هذه الثقافة في تعاملها مع التحديات التي تواجه الوطن العربي. وعلى هذا الأساس قال بالأصالة والمعاصرة والخصوصية التاريخية ورفض تجاهلها من قوة واقع وجودها في الحياة العربية وفق جدلية العلاقة بين الموضوعي والذاتي.

وأبدع ما رآه في الإسلام أنه كان الحركة العربية الأولى في الحياة العربية فاستخلص لها الأهداف وقام بتوصيف وتصنيف القضايا الوطنية – القومية ونظم الجماهير والقوى التي آمنت بأفكاره وأهدافه ووضع النظم وقرر الأدوات التي تجعل الكفاح العربي ناجحاً ومثمراً يستند إلى مكونات الإسلام الجهادية ورسالته الإنسانية.

وهذا معناه أن الفكر القومي فهم الإسلام على أنه ثورة فكرية وعقائدية وأخلاقية في الحياة العربية والبشرية، واعتبره في حالة من حالاته، حالة عربية ثقافية يتطابق معها.

وبما أن الفكر القومي يرى بأن الأمة العربية تعيش حالة انبعاث ونهوض، فان الأخطاء التي وقع فيها التيار القومي هي أخطاء قابلة للتصحيح مرة – والتجاوز مرة أخرى والتغلب عليها مرة ثالثة. ولذلك قابلها إنجازات تحسب له لأنه يتحرك من وعيه للواقع العربي والعالمي واستجابته المبدعة على طريق تغييره في سياق تغيير العالم.

1 - النتائج التي توصلت إليها الدراسة:

1 - التيار القومي تيار وحدوي، يؤمن بالوحدة العربية، ويعتبرها ثورة في حياة العرب وينطلق بإيمانه بالوحدة من خلال حقائقها المتمثلة في الحياة العربية، وهي المصالح المشتركة ووحدة اللغة والجغرافيا والتاريخ المشترك ووحدة الثقافة والآمال.. الخ..

2 - ويرى التيار القومي بل يؤمن أن الوحدة ملازمة للحرية بكل أبعادها ومضامينها السياسية والاجتماعية والثقافية.

وتتمثل في حرية الفرد، أي حقوقه وواجبا ته. وحقوق الفئات الاجتماعية على اختلاف مواقفها في بناء المجتمع وعملية الإنتاج، بعيداً عن الاستقلال أو الإقصاء. وحق الجميع بممارسة السياسة.

3 - كما يرى هذا التيار أن مشكلات المجتمع العربي الاقتصادية والاجتماعية تتوقف على تطبيق الاشتراكية لأنها طريق الخلاص من الاستغلال، والتفاوت بين الشرائح الاجتماعية وتتيح للقوى المنتجة أن تحقق ذاتها وتمارس دورها.

4 - لذلك فالوحدة العربية هي الإطار القومي الذي يتسع لتطبيق الاشتراكية تطبيقاً سليماً متكافئاً مع العوامل والظروف التي تحيط بعملية الإنتاج وهي أيضاً الملاذ الحقيقي للحرية بأن تأخذ وتحقق كل أبعادها.

5 - وهذا معناه أن التيار القومي يرى في التلازم بين الوحدة والحرية والاشتراكية مسلمة قومية تشكل الإطار الحقيقي لانطلاقة الأمة العربية نحو المستقبل، وتجاوزها لوقعها الراهن.

وعلى هذا الأساس يرى التيار القومي بأن تلك الأهداف تمثل شرط الانتقال مما هو كائن في الوطن العربي إلى ما يجب أن يكون عليه.

لكن العملية المستقبلية التي يطمح إليها التيار القومي، بل يعتبرها واحدة من شروط شرعية استمراره محكومة إلى جملة من المحددات والشروط، وأبرزها في المرحلة الراهنة إنتاج وعي ثقافي جديد يستجيب للواقع العربي في ظل المتغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم، في أعقاب احتلال القطر العراقي، والانتقال من الشرعية الثورية إلى الشرعية الديمقراطية، ونقد أطروحة الحزب القائد التي أنتجت الاستبداد الذي بدأ بالحزب القائد الذي ألغى دور الحزب وانتهى باستبداد القائد بهذا الحزب فعطل المبادرة الخلاقة فيه (21) كما أنتجت الخطاب السياسي الإقصائي.

والمباشرة في تعزيز المواطنة والوطنية في الثقافة العربية، انطلاقاً من مسلمة قومية تقول: إن التنوع الثقافي في الوطن العربي يشكل حالة إغناء وارتقاء في الحياة العربية. وهو على الدوام يمثل حالة ايجابية إذا عرف التيار القومي استثماره وتوظيفه. (22)

7 - وتعامل التيار القومي مع هدف الوحدة بانتباه فعال بأهمية المراحل في الوصول إلى الوحدة وتنشيط العمل العربي المشترك، والتوافق مع الوحدة ذات المستويات المتعددة.

والخلاصة، تضيف إلى تلك النتائج التي انتهت إليها الدراسة انطلاقا من أن الفكر القومي فكر مستقبلي، لأنه يدعو إلى الانتقال بالوطن العربي مما هو كائن إلى ما يجب أن يكون عليه.وهو الفكر الذي أحسن قراءة الماضي قراءة منهجية تاريخية، ترى أن الماضي العربي يوجد في حاضره والحاضر يوجد في المستقبل العربي ولذلك تميز الفكر القومي وامتلك الجدارة بقراءة المستقبل. (23)

وعلى هذا الأساس لا غيره تدعو الدراسة التيار القومي إلى إحياء أطروحات فكر البدايات التي اعتبرت من قبل المتمركسين العرب بقوة التقليد لا بقوة المعرفة، بأنه فكر البرجوازية الصغيرة وهي الاطروحات التي أغنت الثقافة السياسية العربية بالمفاهيم التي تُعْمِل الذهن بدرس وتحليل وتفسير الواقع العربي اعتماداً على تاريخه: ماضيه وحاضره ومستقبله،لأن المستقبل هو امتداد للماضي والحاضر معاً لا تقمصاً للتاريخ الأوروبي، وعلى جدله الاجتماعي الذي وضع في حسبانه تفسير عملية تغيير العالم من موقع ومكانة الأمة العربية ودروها الحضاري.

ذلك التغير الذي شكل أطراف المعادلة للحرب المستمرة على الأمة العربية (24) بدءأ من حروب الفرنجة ومروراً باستعمارا لوطن العربي، وواقعة اتفاقية سايكس بيكو التي استكملت التجزئة في الحدود السياسية (15) ووعد بلفور المشؤوم، وانتهاء باحتلال العراق، وعودة الاستيطان العسكري الأمريكي الإمبريالي إلى الوطن العربي.

ونعيد طرح بعض المفاهيم السابقة على طريق تجديد الفكر القومي، وتجاوز المفاهيم التي يجب تجاوزها:الثورة العربية. الجيل الجديد، الحرية، الوحدة، الاشتراكية، الانقلاب، النضال الوحدوي، وحدة النضال العربي، مراحل الوحدة، الحياد الإيجابي، الإنسانية العربية، التعددية السياسية والاجتماعية والثقافية، الديمقراطية، اللعبة البرلمانية. الحقوق السياسية والمدنية، العمل الواجهي، الوطنية هي القومية، القومية هي الإسلام. التراث العربي، النظرة الايجابية للتراث... الخ.

وأراد الفكر القومي في مدرسته البعثية، ومن مفاهيمه المستخلصة من التجربة العربية أن يغير طريقة التفكير التقليدية التي كانت سائدة في الفكر القومي التقليدي وإحلال ثقافة قومية جديدة تنظر إلى التراث العربي نظرة ايجابية.. نظرة ثورية.. نظرة جدلية ترى بأن ثمة تلازب بين العروبة والإسلام، لأنه التراث الروحي للأمة العربية.

وأخيراً وليس آخراً تزعم الدراسة على أنها برهنت على صحة الفروض وأجابت على الأسئلة في حينها وخاصة في النتائج والخلاصة.

الهوامش والمراجع

1 - حول الفكر القومي يرجى الرجوع إلى مقدمة كتابنا: التحليل الاجتماعي لظاهرة الانقسام في الوطن العربي – حزب البعث العربي الاشتراكي أنموذجا - مكتبة مد بولي – القاهرة – 1993

2 - لقد أتى الأستاذ ميشيل عفلق على فكرة أن وحدة النضال العربي، تقود إلى نضال الوحدة العربية في أكثر من دراسة في كتابه: في سبيل البعث – الأعمال الكاملة – 6 أجزاء – 1986 – بغداد

3 - يرجى الرجوع إلى كتاب: جورج انطونيوس: يقظة العرب - ترجمة: د. إحسان عباس وناصر الدين الأسد – دار العلم للملايين – ط 5 – لبنان – بيروت – 1978

4 - انظر – د. وجيه كوثراني الاتجاهات – الاجتماعية والسياسية في جبل لبنان والمشرق العربي – لبنان – بيروت – ط 2 – 1986

5 - جورج انطونيوس – المرجع المذكور سابقاً – ص 191

6 - أسعد مفلح – ثورة العرب – مطبعة الروم الأرثوذكس – حلب – ط2 – 1989ص 46 – 47

7 - انظر محمد حرب فرزات – الحياة الحزبية في سوريا – دار الرواد دمشق – 1955

8 - فيليب خوري – سوريا والانتداب الفرنسي – سياسة القومية العربية – 1920 – 1945 – ترجمة مركز الأبحاث العربية – لبنان – بيروت 1977 – ص 450

9 - المرجع السابق ص 450

10 – محمد حرب فرزات – المرجع المذكور سابقاً – ص 138 ص 141 ص 189

11 - شكلت مسألة المفاهيم والمصطلحات هماً من هموم الباحث في البحث الانثروبولجي، حيث وجد أن معركة توحيد المفاهيم يشكل شرط توافق وتناغم وعلمية هذه البحوث. بل شرط تفسيرها للظاهرة الاجتماعية، ولذلك نوه الباحث بل دعا إلى المضي في توحيد المفاهيم المستعملة من قبل الفكر القومي وإجلاء مضامينها ومعانيها، وتلك العملية واحدة من شروط وحدة الرؤية للجدل الاجتماعي ومكوناته البنائية في المجتمع العربي داخل مستوياته المحلية والوطنية والقومية.

12 - المعجم الوجيز – مجمع اللغة العربية – القاهرة – 1992 ص 80

13 - المرجع السابق ص 521

14 – حول موضوع الثقافة وتفسيرها الانثروبولجي. يرجى الرجوع إلى كتابنا: التحليل الاجتماعي لظاهرة الانقسام السياسي – المرجع المذكور سابقاً، وكتابنا مقاربة من مفهوم الدور الحضاري في فكر ميشيل عفلق – تحليل ثقافي – لبنان – بيروت -2003

15 - لقد عالج بتوسع لا نظير له – مسألة دور الثقافة في التنشئة، رالف لنتون، في كتابة دراسة الإنسان – خيري حماد – لبنان – بيروت – 1964

16 - علماً أنه جرى استعمال وتوظيف هذه المفاهيم في أدبيات الفكر القومي الذي يمت بصلات لفكر البدايات من قبل بعض المنظرين الذين حسبوا أنفسهم على هذا الفكر.

17 - تنوه الدراسة إلى اختلاف تسميات القيادة الوحدوية بين الأحزاب القومية التي يتشكل منها التيار القومي العربي.

18 – في إشاراته النقدية إلى مفهوم " الشعب " في فكر الأستاذ ميشيل عفلق، أراد التقرير العقائدي أو المنطلقات النظرية أن يقوم بتوصيف سلبي لهذا المفهوم ونعته ب " الفكر البرجوازي الصغير " علماً أن هذا المفهوم كما نقرأه في الأجزاء الخمسة من كتاب الأستاذ: في سبيل البعث – كان يشكل مره دلاله على أن التيار القومي – يجب أن يخرج خروجاً صحيحاً وسليماً من بنية " المثقف " إلى الشعب العربي، ومرة ثانية شكل دلالة على أن الشعب يشكل عصمة للتيار القومي، حتى لا ينساق وراء رغبات فئوية. ومرة ثالثة شكل دلالة على أن الديمقراطية واحدة من مفردات ومفاهيم الثقافة السياسية للتيار القومي، ومرة رابعة على مصداقية نزعته الوحدوية الممثلة بالشعب العربي..الخ

19 - م. عفلق – في سبيل البعث – ج2 – ص 129

20 - إن التأكيد على شعبية التيار القومي، ودور الشعب في العمل القومي، وفي الانتصار على تحديات الأمة يريد أول ما يريد أن يوقظ هذا المهمة وأن تكون واحدة من الشرعية المنهجية للدراسة.

21 - لقد قمنا بنقد أطروحة الحزب القائد في كتابنا: التحليل الاجتماعي لظاهرة الانقسام في الوطن العربي- المرجع المذكور سابقاً- وفي أكثر من مقال: "في نقد أطروحة الحزب القائد" و"الديمقراطية والإبداع الشعبي".. الخ.

22 - أكد الأستاذ ميشيل عفلق على مسألة التنوع الثقافي وأهميته في الحياة العربية في أكثر من دراسة ومقال في كتابه في سبيل البعث سالف الذكر.

23 - عالجنا مسألة المستقبل ومعركة المستقبل العربي في مخطوط لنا عنوانه: الوحدة العربية حالة عربية مستقبلية في فكر ميشيل عفلق أي أنها ماثلة في الحياة العربية حتى يظفر بها الشعب العربي.

24 – يرجى الرجوع إلى دراستنا: الحرب المستمرة على الأمة العربية ووهم الشرعية الدولية ورقة مقدمة إلى مؤتمر نصرة العراق الذي عقد في دمشق صيف عام 2003 فندق الشام

25 - لقد باشر صاحب الدراسة بإعداد دراسة حول معنى مفهوم الحدود في فكر ميشيل عفلق. وسيعمل على نشرها قريباً.