التاريخ يعيد نفسه
كهنة البيت الأبيض يخططون للإيقاع بدمشق
رأي صحيفة (العرب) التي تصدر في لندن
ما يحدث اليوم في سورية يذكرنا بما حدث بالأمس القريب في العراق، حيث لم يُجْدِ تعاون الحكومة العراقية مع فرق التفتيش عن أسلحة الدمار الشامل، وظلّ العراق متهماً ومحاصراً. ورغم أن المفتشين لم يتركوا زاوية إلاّ وفتشوها، ولم يهملوا شخصية واحدة يمكن أن تلقى الضوء على البرامج النووية العراقية المزعومة إلاّ وحققوا معها، لم يعثروا على أي دليل يثبت أن العراق يعمل على تطوير سلاح نووي، كما لم يثبتوا مطلقاً امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل.
كانت أحكام الإدانة الأميركية جاهزة للإصدار، بل إن إنزال العقوبة سبق إصدار الحكم، لتغزو جحافل الصليبيين الجدد أرض الرافدين، محاطة بجوقة من المطبلين المهللين يضفون شرعية مزيفة على مغامرة بوش.
التكنيك نفسه يتبعه المسؤولون الأميركيون من اليمين الليكودي المتطرف اليوم، يحيكون وينفذون حملة من الافتراءات الواسعة ضد سورية، تصب في نهاية الأمر في مصلحة "اسرائيل". ويتركز الهجوم في هذه الحملة على محورين، لبنان والعراق، حيث يدعون أن سورية لا تتعاون في الشأن اللبناني، ولا تبذل الجهد اللازم لمنع تسلل المسلحين إلى العراق عبر حدودها.
وعندما التزمت سورية بالجانب الذي يخصها من القرار 1559، رغم أن هذا القرار صدر أصلاً من أجل إرباك لبنان والضغط على الحكومة السورية، بدأ الليكوديون الأميركيون يعزفون على وتر جديد هو عدم تعاون دمشق مع التحقيق الجاري بجريمة اغتيال الحريري. ورغم أن كل البديهيات تؤكد أن لا مصلحة لدمشق في اغتيال الحريري، كما أنه لا مصلحة لها في الفوضى الأمنية العراقية، لأن أمن العراق هو جزء من أمن سورية الوطني، ورغم أن المسؤولين الأميركيين يعرفون ذلك، يصر الليكوديون على تجاهل الحقائق عامدين متعمدين، فالمخطط الأميركي – "الاسرائيلي" لن يكتمل إلاّ بإسقاط الحكومات المعادية "لاسرائيل" في المنطقة.
المطلوب - كي تنعم "اسرائيل" بالأمن وعدم الإزعاج - عدم السماح لأي دولة عربية بامتلاك السلاح الدفاعي ناهيك عن البرامج النووية المخصصة للأغراض السلمية. ومطلوب أيضاً نزع أسلحة المقاومة، سواء كانت داخل الأراضي المحتلة أو داخل لبنان أو سورية. وتستخدم أميركا، لتحقيق هذا الهدف، الأمم المتحدة ومجلس أمنها، فتسن القوانين الدولية وتمرر القرارات في أجواء مريبة من الصمت والاستسلام العربي.
لقد صنف البيت الأبيض العالم إلى قسمين خير و شرير. وحددت مجموعة بعينها أطلقوا عليها اسم الدول المارقة ، لأنها رفضت الانصياع للقرارات والسياسات الأميركية وتجرأت على تحدى مقام الولايات المتحدة الرفيع. واليوم يطلق الرئيس الأميركي بوش مقولة الدول الفاشلة يضمنها قائمة من سبعين دولة، طردها من جنة الديمقراطية الأميركية ويحكم عليها بالفشل ويصفها بالعجز عن اللحاق بركب الحضارة العالمية وفق نموذجه الخاص.
يريد بوش تفصيل العالم وفق هواه ووفق مصالح أميركا ورغباتها. وبعد أن كانت مكافحة الشيوعية ذريعة أميركا في سنوات الحرب الباردة، أصبحت قصة محاربة الإرهاب ذريعة جديدة تستخدم لرسم خارطة جديدة للعالم. وتحتل سورية، بمواقفها القومية والوطنية، قلب "محور الشر". ويتركز الهجوم الأميركي على دمشق لإسقاط آخر مركز لمقاومة المخطط "الاسرائيلي" - الأميركي في المنطقة. ويعتقد الأميركيون أن انهيار دمشق سيؤدى إلى إزالة آخر عقبة أمامهم لحماية "اسرائيل" والسيطرة على المنطقة سياسياً وعسكرياً واقتصادياً.
لن يقتنع الأميركيون ببراءة سورية حتى وإن صدرت ممهورة بختم سماوي. لقد قرر كهنة البيت الأبيض إدانة الساحرة الشريرة دمشق، وقرروا رميها في الماء مقيدة إلى الصخر. فإن هي غرقت ثبتت براءتها، وتوجبت عليها الرحمة. وإن هي طفت على السطح ثبتت نزعتها الشريرة وتوجب تقديمها إلى المحرقة.
لقد فعلوا الشيء نفسه مع بغداد، فبعد أن دمروها ثبتت براءتها من التهم الموجهة إليها، فلم يبخلوا عليها ببعض كلمات الاعتذار. وغداً لن يبخل الأميركيون عن تقديم كلمات اعتذار أخرى لدمشق بعد أن يحرقوها.
أليس صحيحاً بعد هذا كله القول أن التاريخ يعيد نفسه. وأكثر صحة من هذا أن العرب لا يتعلمون من تجاربهم.