أفكار في المراجعة!!

بقلم: اسماعيل أبو البندورة *

في المرحلة العربية الراهنة نحن لا نعجب من النظام الرسمي العربي وأفعاله، وأصبحنا لا نستهجن ما تقوم به الحكومات من إجراءات منافية للثوابت ومضادة للأمة وقضاياها الكبرى، وممارساتها القسرية التي تخنق إبداع الجماهير وتجهض أحلامها وتطلعاتها، ولكننا نعجب ونألم مما أصاب الحركة الشعبية العربية من انحسار وضعف وانعدام الإبداعية الجماهيرية والمبادرة الخلاقة، ووقفة الانخراس والتفرج التي تلبست النخب والطلائع، وبالتالي انفلات الواقع العربي على عواهنه وظهور لاعقلانية في كل جوانب الحياة العربية.

وإذا كان العامل الخارجي يقف على رأس الأسباب التي أدت إلى هذا الاغتراب والانفلات، إلا أننا لا نريد أن نجعل هذا العامل الموضوعي بمثابة العامل الوحيد، فهناك لا شك استجابات ذاتية لهذا العامل الخارجي ومناخات تتيح له البقاء متحكماً ومتزعماً للواقع العربي، ولولا هذه العوامل لما استطاعت أية قوة أن تنفذ إلى عقل وكيان العرب أو أن تقدر على التحكم به وتوجيهه الوجهة التي تريد، أو على الأقل تدمير أية إمكانية للتغيير أو الإصلاح أو التصدي لهذا العامل المؤثر.

إذن نحن نعرف التأثيرات الطغيانية للعامل الخارجي والمؤامرة المركبة الأمريكية - الصهيونية على الأمة العربية ووحدتها وتقدمها وانطلاقها النهضوي، ولكننا نبحث نقدياً عما يخلق القابليات في الواقع العربي لاستقبال هذه المؤثرات وما يجعل العرب يرتضون بهذه الاختراقات أو يتيحون لها إمكانية التمدد والانتشار والحضور القوي في كل تفاصيل حياتهم وقراراتهم المصيرية.

إننا نبدأ دائماً ونحن بصدد رصد هذه التغيرات والتحولات في الواقع العربي وفي داخل الحركة الشعبية العربية وتيارات النهضة والتصدي من القراءة وطبيعة التصور الذي تحمله الحركة الشعبية عن ذاتها وعما هو خارجها، ونعوّل دائماً على القراءة الصحيحة التي تخلق الدوافع الحادة للحركة والتغيير والبحث عن الذات الفاعلة والقوة الكامنة والخيارات الممكنة، وإذا اعتمت القراءة أو التبست أو تضببت فإنها تحول المسارات الايجابية إلى مسارات سلبية وترتد الافعال على مطلقيها وتدور الامور في حلقات مفرغة وتتحول القضية الوطنية والقومية إلى سجالات مسترسلة لا تمكث في الأرض وتؤبد حالة التمزق والاختلاف.

إن ألف باء القراءة الصحيحة في المرحلة العربية الراهنة تبدأ في قراءة المؤثرات الخارجية وطبيعتها، وقضايا العصر وتفاصيلها، ومعنى استهداف الأمة العربية في المخططات والمؤامرات التي تحاك في الدائرة (الأمريكية - الصهيونية) والمدى الذي قطعته فكرة العدو البديل الذي أنشأته أمريكا بعد سقوط تجربة الاتحاد السوفياتي.

ومن أجل استكمال هذه القراءة لا بد من قراءة الواقع العربي وأحداثه ومعطياته ومستجداته، ورؤية المسارات التي اتجه إليها العرب وهم يرون مشروع وحدتهم ونهضتهم يتدمر وهم لا يلوون على شيء مؤثر أو قرار فاعل أو رؤية واضحة للتغيير والمواجهة.

وهذه القراءة لا بد أن تكون نقدية حتى تصبح منتجة فلقد ولى عهد القراءات الظفراوية والافتخارية والباب مفتوح الآن لقراءات بدوافع نهضوية تحرك الايجابي وتتمعن في السلبي وتراجع رؤاها وقراراتها وتعدل خياراتها وفقاً لهذا الفهم وهذا التطلع·· فهذا زمن للقراءات النوعية، لا زمن القراءات التقريرية والوضعية والأفكار المتخشبة!!

ويمكن أن يفيد في المرحلة العربية الراهنة القراءات المقارنة للتجارب القومية والتنموية والتحديثية والنهضوية حيث يمكن أن نرى من خلالها الثغرات والمسافات التي تباعد بين هذه التجارب وتجربتنا العربية، ونعيد تطوير السؤال النهضوي القديم لماذا تأخرنا وتقدموا؟ لماذا نجحوا وفشلنا؟

ونعرف أن هناك محاولات فكرية قد ابتدأت مثل هذه الدراسات المقارنة، وأن هناك مفكرين بدأوا يتابعون مسألة النهضة في التجارب الأخرى حتى يروا ما يعطل ويجهض لدينا خُطانا في هذا الاتجاه، لكن الأهم في كل ما نقول أن نشعر حضارياً بضرورة ذلك، وأن يكون لدينا قرار استراتيجي قومي في هذا المجال يجعلنا ندخل في التفاصيل والممكنات ورؤية الخيارات المختلفة، وهذا مما يمكن أن توفره الدراسات المقارنة ورؤية العوامل الايجابية التي أثرت في تجربة دون أخرى، والعوامل السلبية التي أجهضت وعطلت مسارات معينة في تجربة دون أخرى.

إننا نقول أن طرح السؤال الصحيح حول قضايا الأمة سيؤدي لا محالة إلى جواب صحيح، ولذلك فإن البحث لا بد أن يجري لتحديد السؤال النهضوي الممكن طرحه في المرحلة الراهنة، ويمكن أن يضع التحدي بصورته الصحيحة أمام عقل الأمة ونخبها وطلائعها.

وعندما نفكر بالسؤال الصحيح والعريض والمتاح نجد أنفسنا دائماً أمام سؤال الوحدة وكيفية صياغة الرؤية والتطلع الوحدوي باعتباره "المفتاح السحري"!! الذي يمكن أن يغير طبيعة الوقائع والأسئلة وهو سحري بما يخلقه من إمكانات للحشد والتعبئة وبما يحمله من واقعية وبما يجعله قضية القضايا والتحدي الرئيس والفكرة المكونة الجاذبة واحد قوانين تطور الأمم.

وها هي معطيات العصر والاندماجات المختلفة التي حدثت على صعيد العالم تؤكد هذه الحقيقة وتجعلها مثالاً وتحدياً لأمة عربية عانت ولا تزال تعاني من التمزق والهوان، وأمامها في بداية هذا القرن أن تجعل من قضية وحدتها تحدياً لبناء الحاضر والمستقبل، وطريقاً للنهضة واسترداد الحضور والالتحام برسالتها الحضارية مرة ثانية.

إننا ندعو إذن وعلى ضوء ما تقدمه لنا المقاومة في فلسطين والعراق من حوافز ومقدمات إلى خلق المناخات الملائمة لتجديد الحديث عن وحدة الأمة ومجالاتها، ومراجعة الأفكار التي حكمت الواقع العربي في لحظة إخفاقه وانسداده واشتقاق أسئلة ورؤى جديدة حول واقعنا وامتنا تتيح لها أن تخرج من دائرة الانسحاق إلى دائرة الانطلاق والتغيير والاستمرار الحضاري.

* عن صحيفة (المجد) الأردنية