التكرلي في مكانه المناسب

رشاد أبو شاور/كاتب وروائي من فلسطين المحتلة يقيم في الأردن

لم أفاجأ وأنا أقرأ في صحيفة (الحياة)، عدد يوم الخميس 1 أيلول الجاري 2005، خبر تعيين جلال الطالباني - رئيس العراق في الحقبة الأمريكيّة- للكاتب العراقي فؤاد التكرلي بمرتبة مستشار له لشؤون الثقافة والآداب.

لماذا لم أستغرب الأمر؟!

لأن التكرلي هذا تنقّل نقلات متناقضة، وسلك سلوكاً لا يليق بمثقّف وكاتب له قناعات، وهو بوضعه في منصب مستشار للطالباني يكون قد أخذ موقعه المناسب، فالطائفي في خدمة الأقليّاتي المعادي لعروبة العراق، والكاتب الذي طالما ادّعى أنه (تقدمي) يكشف (جوهر) تفكيره وباطنيته بسعيه لهذا المنصب في زمن الاحتلال الأمريكي للعراق الذي يفترض أنه وطنه!.

لقد عاش فؤاد التكرلي في تونس لسنوات بعد تقاعده، وعمل في سفارة العراق بعد الحرب العدوانيّة عام 91 على العراق، أي إنّ (دولة) بلده لم تقصّر معه، بل حفظت كرامته في (غربته) الاختياريّة، فواصل الحصول على راتبه التقاعدي، وعلى راتبه الوظيفي في سفارة العراق بتونس..

إلى هنا والأمر طبيعي، فالدولة العراقيّة واجبها كأي دولة محترمة عادلة منصفة، أن تحافظ على كرامة مواطنيها، فما بالك بكتّابها ومبدعيها؟!

كان فؤاد التكرلي - وهو كاتب مقّل جداً، ومتواضع الموهبة، وإن روّج له يساريون أرادوا توظيف اسمه لخدمة أغراضهم - يسّر لبعض زملائه أنه عيّن في السفارة العراقيّة كمستشار إعلامي بأمر الرئيس صدّام حسين شخصيّاً!.

بعد الحرب العدوانية الثانية على العراق، واحتلاله، وإسقاط نظام حكمه، وتمزيقه، وظهور المقاومة العراقيّة الجبّارة، انتقل التكرلي إلى سورية، وأقام في دمشق، واشتغل مع الناشر الكردي فخري كريم، المتهم بنهب أموال الحزب الشيوعي العراقي، صاحب "دار المدى"، إلى أن منّ عليه رئيسه جلال الطالباني بوساطة من فخري كريم بمنصب مستشار ثقافي وأدبي!.

هنا أتوقّف قليلاً لأذكّر بأن كاتباً عراقيّاً كبيراً يعيش في تونس منذ سنوات، غادر العراق باختياره، ولم يقدّم نفسه مضطهداً وهارباً بحياته، أقصد الصديق عبد الرحمن الربيعي، قد تعرّض لظروف صعبة، ومع ذلك فلم يحصل على الرعاية من السفارة العراقية، ومن السفراء العراقيين المتلاحقين، وعانى من ظروف قاسية، واعتمد على نفسه، وعلى مساندة الأصدقاء الفلسطينيين، والموقف (التونسي) النبيل بتعيينه في مجلة (الحياة الثقافيّة)، والكتابة في (الشروق) منذ سنوات..

التكرلي لم يشاهد في تظاهرة تشجب العدوان والاحتلال، ولا وقّع على بيان أو عريضة، ولا كتب مقالة تندد باجتياح وطنه، واقتحام عاصمة العراق العريقة: بغداد..

وحتى يفهم القرّاء نوعية هكذا كاتب، أوّد أن أسوق الواقعة التالية: فعندما منح التكرلي جائزة العويس، روّج بعض المعادين للعراق من منظّري الاحتلال، بأن التكرلي المضطهد، الديمقراطي، المحارب من النظام (القمعي) حصل على الجائزة تقديراً لأدبه ومواقفه وتضحياته!..

وعندما اتصّل أحد المضللين، وهو مقيم في السويد، بصديق عراقي، طالباً منه الحصول على رقم هاتف (التكرلي)، أخبره الصديق العراقي بشيء من السخرية أن يتصّل بالتكرلي في السفارة العراقية، وهو ما دفع الشاب المغرر به، المغسول العقل بالدعاية، بأن  في الأمر تشهيراً بكاتبه (التقدمي)!..

كنت أدهش من هذا الكاتب العراقي الذي لا صلة له بما يلّم بوطنه وشعبه، في حين تتجمّع الحشود في الشوارع القريبة من سفارة العراق حيث يعمل لتسير في تظاهرات منددة بالعدوان، وهو لا يبدي أي رّد فعل، وأدهش وأنا أرى المواطنين التوانسة وهم يحملون صناديق الأدوية على أكتافهم، في حين ينسّل هذا الكاتب كما لو أنه (خلد) يسترق النظر وينأى مبتعداً!..

أي كاتب يتعامل مع سلطة معيّنة على بلده بأمر قوّات الاحتلال، لا يمكن أن يكون سقوطه مصادفاً، ذلك أن دوره الراهن هو حاصل مسيرة حياته، ووعيه، وانتمائه، ورؤيته..

فؤاد التكرلي خدع كثيرين، والآن ها هو على حقيقته: كاتب في خدمة حقبة احتلالية، وسلطات تابعة تعمل على تقسيم العراق إلى كيانات طائفيّة، فما هي الثقافة وما هو الأدب الذي سيحرص التكرلي على تقديمه لشعب العراق في ظّل الاحتلال الأمريكي؟!

مع مرحلة الاحتلال المريضة العابرة سيسقط دعاة الفدرلة، من التابعين لإيران، ومن الأقليّات المعادية لعروبة العراق، وسيبقى العراق بثقافته التي أنجبت المتنبّي، والجاحظ، وعمالقة الأدب والفكر والفّن على مدى العصور..