"حماس" أرست مراكبها في بحر بيت دراس
د. فايز صلاح أبو شمالة/فلسطين المحتلة
أنا لست من "حماس"!! ذلك ما يردده المقدم (أحمد محمد صلاح نصار) الذي يشرف على معسكر تدريب للقوة 17 على شاطئ بحر دير البلح، رغم تجاوزه الستين عاماً، يصر المقدم المولود في قرية بيت دراس سنة 1936 أنه ليس من "حماس"، وإنما "حماس" هي التي فتلت سواعدها من طين بيت دراس، و"حماس" هي التي تشربت موقفها السياسي من رأي أهل بيت دراس، وأسندت رأسها على كتف القرية الفلسطينية المغتصبة التي مسحتها عن وجه الأرض يد العصابات اليهودية الحالمة بالعودة إلى أرض الميعاد سنة 1948، وشردت أهلها (البدارسة) في كل أصقاع الأرض، حفاة عراة، لاجئين فلسطينيين، تفيض قلوبهم بالحقد على مغتصب أرضهم، ومشتت شملهم، ومفرق جمعهم، وتنحسر أحلام غالبيتهم بالعودة سالمين إلى بيوتهم، وأرضهم، وقريتهم المدمرة، ويورثون ويتوارثون الحلم جيلاً بعد جيل.
وللحقيقة، فإن حال أهل قرية بيت دراس هو حال كل المدن والقرى الفلسطينية المغتصبة سنة 1948، بدءً من الجورة، وبرير، وبربرة، وسمسم، والمجدل، ويبنه، في الجنوب، وانتهاءً بالخالصة وصفد في الشمال، وكأن أهل القرى والمدن قد قرءوا درس العودة عن شيخ واحد، وحفظوه، وتمسكوا به، ومهما حاولوا ترقيق مواقفهم، وتغيير فكرهم تماشياً مع التكتيك، ومهما سعوا ليكونوا مرنين، ملونين، أو متخفين بزي الواقعية السياسية، يتفهمون موازين القوى، ويتعاطون مع المتغيرات العربية والدولية، مهما حاولوا، إلا أنهم يتشنجون، وتتصلب عروقهم إذا وصل الأمر إلى حد التخلي عن حلم العودة إلى فلسطين.
ومع ذلك، فإن لأهل قرية بيت دراس ميزة عرفت عنهم على مر التاريخ، فهم أكثر عناداً من غيرهم، وأكثر تصلباً في مواقفهم، وهو ما لا ينكره عليهم جيرانهم من القرى والمدن الذين عرفوا (البدارسة) ووقفوا معهم في معركة بيت دراس الأولى، والثانية سنة 1948، وعرفوا مدى تشبثهم بحقهم، وتحصنهم خلف ما آمنوا به، والموت دونه برضا واطمئنان، وهو ما دللت عليه مئات حالات المقاومة فيما بعد، إذ لم يكن الشهيد الدكتور (إبراهيم المقادمة) أحد قادة حماس آخر مقاوم بدرساوي صَلدٍ، كما لم يكن الشهيد (رامز عبيد) مفجر شارع ديزنكوف في تل أبيب، أول مقاوم بدرساوي جَلِدٍ، كما لم تكن عائلة نصار التي قدمت ستة عشر شهيداً في انتفاضة الأقصى غير إحدى عائلات قرية بيت دراس.
كان عمري اثني عشر عاماً ـ يضيف المقدم أحمد نصار ـ عندما طردتنا العصابات اليهودية من أرضنا إلى قرية حمامة سنة 1948، ومنها إلى مدينة عسقلان، وبعد ذلك إلى قطاع غزة، ومنذ ذلك اليوم وأنا أغمض عيني على دم الشهداء، وأفتحهما على أمل العودة، لقد التحقت بالجيش الفلسطيني الذي راح يتشكل في غزة سنة 1953، وبعد ذلك صرت أحد أفراد كتيبة شرطة مدن فلسطين سنة 1954، وكان موقع خدمتي مدينة رفح، وفي سنة 1955 شاركت في عمليات التسلل إلى بلادنا فلسطين التي صارت بين عشية وضحاها تسمى (إسرائيل)، وصارت دولة قادرة على احتلال قطاع غزة وسيناء سنة 1956.
قاتلت في الموقع العسكري المتواجد بين منطقة المنطار والبريج في حرب سنة 1967، ولكن (إسرائيل) انتصرت على الدول العربية مرة ثالثة، ووقعنا تحت الاحتلال (الإسرائيلي) في قطاع غزة، مما أجبرني ومئات الشباب إلى التسلل إلى غور الأردن، ومنها إلى مصر للمساهمة في تشكيل وتجميع الكتائب المقاومة.
مارست العمل الفدائي في ساحة الأردن منذ عام 1968 وحتى معارك أيلول 1970، لأنتقل بعد ذلك إلى سوريا، ومنها إلى لبنان، ومن ثم إلى الصومال، ومنها إلى لبنان ثانية مع بداية الحرب الأهلية سنة 1976، وشاركت في صد الغزوة (الإسرائيلية) على لبنان سنة 1982، وأخرجت منها مع الخارجين إلى سوريا، ومن هناك إلى اليمن.
عدت إلى قطاع غزة سنة 1994، مبحراً على مراكب اتفاقية أوسلو، وحتى يومنا هذا أيلول 2005، ما زلت أشرف على تدريب الشباب الفلسطيني عسكرياً، وما زلت مصراً أنني ضد تسميتي عائداً، وأن تسمية (العائدين) التي يطلقونها علينا ليست صحيحة، بل هي تسمية مشبوهة، وذلك لسبب واحد، إذا كانت كل تلك الأهوال التي واجهها الشعب العربي الفلسطيني تهدف إلى عودته إلى غزة، فقد كنا في غزة والضفة الغربية قبل انطلاقة الثورة، فلماذا كان شلال الدم، ولماذا كانت عشرات آلاف التضحيات، إنني ما فتئت لاجئاً، وما انفكت العودة إلى غزة لا تعني بالنسبة لي ولأمثالي غير العودة إلى نقطة البداية، نقطة الانطلاق الأولى لحلم العودة إلى قرية بيت دراس، وكل ما يتعارض مع هذا الفهم السياسي فهو باطل، وكل تنظير عن السلام لا يكفل عودتنا الحقيقية إلى قريتنا باطل، وكل توقيع على اتفاق لا يضمن سلامة أرض فلسطين ليس إلا ورق تنظيف ملوث، وتسويقه على شعبنا باطل!!
إن الانسحاب (الإسرائيلي) الكامل عن قطاع غزة، وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة بسيادة كاملة على البر والبحر والجو في قطاع غزة لا تقدم لي ولأمثالي شيئاً، إن لم تكن هذه الدولة ضمن مشروع سياسي متكامل، يضمن لنا العودة إلى قريتنا بيت دراس، أو تضمن لنا تواصل المقاومة لعودة قريتنا بيت دراس إلينا.
بعد كل ما تقدم من سيرة شعب، أؤكد لكم أنني لست من حماس، وإنما حماس هي التي التقت في مواقفها مع حلم أهل قرية بيت دراس، والتقت مع إصرار شعبنا، أن ذاكرة الوطن ليست خرقاً باليةً، تلقى تحت الأقدام وتداسْ! ذاكرةُ الوطنِ مبادئٌ، وقيمٌ، وأساسْ، ومواقفٌ سياسيةٌ راسخةٌ تعبرُ عن كرامةٍ جماعيةٍ وإحساسْ.