التمييز بين صَحِيحِ الرِّوَايَاتِ وَسَقِيمِهَا وَثِقَاتِ النَّاقِلِينَ
العميد المتقاعد أَدِيب راشد/ لبنان - بيروت
كَثِيرًا ما نسمع في هذه اَلأَيَّام أَخْبَارًا عن أَحْدَاث تحصل هنا وهناك في مختلف أَنْحَاء العالم، من تفجيرات واعتداءات مختلفة على مؤسسات أَوْ أَشْخَاص، فتنقل وسائل اَلإِعْلام اَلأَجْنَبِيَّة والعربية الحدث وتتداوله المحطات المحلية بنفس الصيغة والصورة، بحيث يصل إِلَى كل مواطن مهما كان انتماؤه ويتلقفه دون تمحيص أو تدقيق أو تجريح، فيصبح من الصعب جِدًّا على المواطن تقبل الحقيقة الحقيقية إِذَا ما كشف الفاعل فيما بعد.
والأخطر من الحدث عندما يحضر السياسيون إلى مسرح الجريمة ويلقون بالتهمة على جهة أو جهات معينة. فكأني بهم فرقة الاوركسترا تعزف أغنية واحدة لمؤلف واحد تحت قيادة مايسترو واحد. فيكون الظلم والعدوان على الضحية أَشَدّ وَأَعْتَى من الظلم اَلأَوَّل. لأنهم بفعلهم هذا ابعدوا الشبهة عن الفاعل الحقيقي.
فَالبرَّغْم من دعوات اَلأَنْبِيَاء والمفكرين والحكماء التي تدعو إِلَى إعمال العقل والتثبت في خبر الفاسق والنهي عن اتباع سبيل المفسدين واعتماد الشك المنهجي للوصول إِلَى اليقين، نرى ان العقل أَصْبَحَ، عند الغالب، بَلِيدًا بحيث لا يجهد نفسه للتفكير والبحث عن الحقيقة عملاً بالقول المأثور “أَنْتَ لا تفكر نحن نفكر عنك".
والتاريخ مليء بِالإِخْبَارِ التي تسلط الضوء على أَحْدَاث مماثلة فيها من العبر والدروس ما يفيض، ومع هذا نجد ان اَلأَخْطَاء تتكرر وليس هناك من يعتبر.
ولكي نكون أَكْثَر دقة نورد مثلين للتذكير لعل الذكرى تنفع.
ان توما الرسول، أَصْبَحَ مثلاً يضرب به للشك المنهجي. وروايته وفق ما وردت في إِنْجِيل يوحنا ان السيد المسيح عندما بَعَثَ من الموت تراءى للتلاميذ. لكن الرسول توما – الذي يقال له التوأم – لم يكن معهم.
فَأَخْبَرَهُ سائر التلاميذ (رأينا المسيح(، فقال لهم ((إِذَا لم أُبْصِر أَثَر المسمارين في يديه واضع إِصْبَعِي في مكان المسمارين ويدي في جنبه لن أُؤْمِن**. إن توما الذي عاش مع السيد المسيح وآمن به وبقدرته وبعجائبه ومع سائر التلاميذ لم يصدق الخبر وشك في اَلأَمْر، ولم يؤمن الا بعد ان ظهر له المسيح وطلب إِلَيْهِ ان يبصر أَثَر المسمارين ويضع يده في جنبه. بمعنى آخر الا بعد ان تحقق بنفسه من صحة الخبر وصدقه. فبفعله هذا أَزَالَ من قلوب المؤمنين كل شك وريبة في قيامة المسيح من الموت وظهوره إلى تلاميذه. فهل نرى اليوم من يفعل كما فعل توما ليتأكد من الخبر اليقين؟.
من جهة أُخْرَى فقد أَمَرَ الله تعالى بالتثبت في خبر الفاسق بقوله: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)). أَجْمَعَتْ كتب التفاسير ان هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط. وسبب ذلك أن النبي، (بعث الوليد بن عقبة مصدقاً إلى بني المصطلق، فلما أبصروه أقبلوا نحوه فهابهم. فرجع إلى النبي فأخبره أنهم قد ارتدوا عن الإسلام. فبعث نبي الله خالد بن الوليد وأمره أن يتثبت ولا يعجل، فانطلق خالد حتى أتاهم ليلا، فبعث عيونه فلما جاءوا أخبروا خَالِدًا أنهم متمسكون بالإسلام، وسمعوا أذانهم وصلاتهم، فلما أصبحوا أتاهم خالد ورأى صحة ما ذكروه، فعاد إلى نبي الله فأخبره، فنزلت هذه الآية. فكان نبي الله يقول: (التأني من الله والعجلة من الشيطان) وسمي الوليد فَاسِقًا أي كَاذِبًا.
في هذه الآية دليل على قبول خبر الواحد إذا كان عدلا، لأنه إنما أمر فيها بالتثبت عند نقل خبر الفاسق. ومن ثبت فسقه بطل قوله في الأخبار إِجْمَاعًا، لأن الخبر أمانة والفسق قرينة يبطلها.
من هنا نقول ان الرواية لا تكون الا عن اَلتُّقَاة. وان جرح الرواة بما هو فيهم جائز بل واجب للكشف عن معايب الرواة وناقلي اَلأَخْبَار وتعديلهم بِأَلْفَاظ مخصوصة.
فالجرح يعني اِصْطِلاحًا رد رواية الراوي لعلة قادحة فيه أَوْ في روايته من فسق وتدليس أَوْ كذب أَوْ شذوذ ونحوها.
وَأَمَّا التعديل فهو وصف الراوي بما يقتضي قبول روايته أي بما يتصف به الراوي الثقة من أَوْصَاف اَلأَمَانَة والصدق وملكة الحفظ والفهم، أي ان يكون رَاوِيًا عدلاً كالشاهد العدل. وعلى وجه اَلإِجْمَال فان الجرح والتعديل هو إِظْهَار أَهْل العلم من كان منهم ثقة أَوْ غير ثقة.
وبما أن وسائط اَلإِعْلام المختلفة أَصْبَحَتْ الراوي التي تنقل الخبر عن المروي له والمروي عنه وجب جرح هذه الوسائل وتعديلها. فوسائل اَلإِعْلام - كما أَصْبَحَ مَعْرُوفًا - تملكها دول أَوْ مؤسسات لكل منهم أَيْدِيُولُوجِيَّات تدين بها وسياسات تعتمدها. فالعالم اليوم أَصْبَحَ أُحَادِيّ القطب فانعكس ذلك على وسائل اَلإِعْلام. ويمكن القول ان معظم هذه الوسائل تملكها جهة واحدة قادرة وقوية تستطيع فرض وصايتها واملاءاتها بشكل مباشر أَوْ غير مباشر، ومصير من يخالف المنع من البث وَالأَقْفَال إِذَا اقتضى اَلأَمْر.
من هنا نقول بوُجُوبِ الرِّوَايَةِ عَنِ الثِّقَاتِ وَتَرْكِ الْكَذَّابِينَ وَالتَّحْذِيرِ مِنَ الْكَذِبِ على العامة، فالْوَاجِبَ يقضي عَلَى كُلِّ أَحَدٍ عَرَفَ التَّمْيِيزَ بَيْنَ صَحِيحِ الرِّوَايَاتِ وَسَقِيمِهَا وَثِقَاتِ النَّاقِلِينَ لَهَا مِنَ الْمُتَّهَمِينَ أَنْ لا يَرْوِيَ مِنْهَا إِلا مَا عَرَفَ صِحَّةَ مَخَارِجِهِ والكفاءة والعدالة فِي نَاقِلِيهِ، وَأَنْ يَتَّقِيَ مِنْهَا مَا كَانَ مِنْهَا عَنْ أَهْلِ التُّهَمِ وَالْمُعَانِدِينَ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ. أَنَّ خَبَرَ الْفَاسِقِ سَاقِطٌ غَيْرُ مَقْبُولٍ وَأَنَّ شَهَادَةَ غَيْرِ الْعَدْلِ مَرْدُودَةٌ. وَالْخَبَرُ وَإِنْ فَارَقَ مَعْنَاهُ مَعْنَى الشَّهَادَةِ فِي بَعْضِ الْوُجُوهِ فَقَدْ يَجْتَمِعَانِ فِي أَعْظَمِ مَعَانِيهِمَا، إِذْ كَانَ خَبَرُ الْفَاسِقِ غَيْرَ مَقْبُولٍ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ كَمَا أَنَّ شَهَادَتَهُ مَرْدُودَةٌ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ.