ماذا وراء التسلل الأمريكي "الاسرائيلي" في آسيا؟..

د. حسن طوالبة/كاتب وباحث من الأردن

سبقت "اسرائيل" الولايات المتحدة في التسلل إلى القارة الأفريقية خلال العقود الأخيرة من القرن الماضي، وكانت بعض الدول الأفريقية على علاقة سرية أو علنية مع "اسرائيل"، وخاصة في مجال تجارة السلاح، التي فرضتها ظروف القارة الأفريقية والاقتتال العرقي فيها، وفي ذاك الوقت كانت الولايات المتحدة مشغولة في الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي، وسباق التسلح النووي معه، وكان همها منع السوفيت من الوصول إلى المياه الدافئة أي إلى نفط الخليج العربي ورغم تطور الصين، إلا أن الولايات المتحدة كانت لا تعيرها الاهتمام نفسه بالنسبة للاتحاد السوفيتي، وكذلك الحال كانت "اسرائيل" تبحث عن موطئ قدم في أية بقعة في آسيا.

ما أن انتهت الحرب الباردة التي وضعت الولايات المتحدة في المركز الأول في العالم من حيث القوة المادية والعسكرية، حتى وجدت فرصتها في التمدد في كل بقاع العالم وخاصة في آسيا لأكثر من اعتبار:

1 - بروز تيار فكري أمريكي يدعو إلى أن تفرض الولايات المتحدة هيمنتها على العالم. وقد جسد (تشارلز كروثامر) هذا الاتجاه الفكري بأن أمريكا تستحق المركز الأول نظرا لما تملكه من عوامل القوة المادية والعسكرية والسياسية وشاركه كيسنجر هذا الرأي فيرى أن فرصة كبيرة تهيأت أمام الولايات المتحدة لكي تتدخل في اي جزء من المعمورة.

2 - بعد الحرب الباردة أعادت الولايات المتحدة النظر في سياستها إزاء آسيا وجاء في تقرير صدر عن مجموعة (اسبن) الأمريكية لتخطيط الاستراتيجيات أشرف عليه وليام بيري وجوزيف ناي، إن السيناريو الخاص بآسيا يقضي بتقسيم القارة إلى مجموعات الأولى: اليابان، تايوان، كوريا الجنوبية، والثانية: مجموعة آسيان المكونة من سنغافورة، ماليزيا، تايلاند، اندونيسيا، الفلبين، والثالثة: إقليم الاوقيانوسيا الذي يضم استراليا، نيوزيلندا، والرابعة: قلب القارة الآسيوية وتضم الصين، فيتنام، كوريا الشمالية، لاوس، كمبوديا، بورما.

وقد أعطت الإدارات الأمريكية أهمية خاصة للصين، نظرا لما تتمتع به من قوة بشرية تجاوزت المليار وثلاثماية مليون نسمة، وقوة اقتصادية متصاعدة وقوة عسكرية نامية، وثقافة قومية نابعة من موروث الحضارة الصينية القديمة.

3- ويأتي الاهتمام بآسيا نظرا لوفرة الثروات المعدنية فيها وخاصة نفط الخليج وبحر قزوين، أضف إلى نجاح التجربة الصناعية في دول آسيان ووفرة الأرباح جراء التبادل التجاري مع دول آسيا.

4 - والأمر الرابع المهم هو أن ثلاثاً من دول آسيا تملك السلاح النووي (الصين، الهند، باكستان) وأخرى تسير في طريقها لامتلاكه (كوريا الشمالية وايران) وقد أخذت الولايات المتحدة في سياستها الدفاعية منع انتشار تلك الأسلحة وخشيتها من تسرب الأسلحة النووية إلى أيدي الجماعات أو المنظمات التي تناصب الولايات المتحدة العداء، وتتربص بها في كل مكان.

5 - والأمر الخامس، أن دول آسيا بما تملكه من ارث حضاري تشكل قاعدة أي تجمع سياسيا أو اقتصاديا، وأي تجمع من هذا النوع يمكن أن يشكل علامة تحدي للولايات المتحدة، وعليه فمن مصلحتها أن تقف ضد مثل هذه التجمعات وتحول دون قيامها.

ولتحقيق هذه الغايات كان لا بد من التسلل إلى بلدان آسيا ونشر قواتها العسكرية فيها، وقد كانت الحرب على أفغانستان فرصة أمام الولايات المتحدة لإنشاء أو إيجاد قواعد عسكرية جوية، في بلدان آسيا الوسطى التي كانت ضمن الاتحاد السوفيتي السابق، كما فتح احتلال أفغانستان فرصة أمام الولايات المتحدة لإقامة علاقات أمنية جيدة مع باكستان، ورغم تحفظها على النظام العسكري، في هذا البلد المسلم، وبفعل هذه العلاقة فقد أمكن للإدارة الأمريكية السيطرة على البرنامج النووي الباكستاني وضمان عدم تسرب أسلحة نووية من باكستان إلى أي بلد عربي أو إسلامي، وما الضجة التي قامت حول تسريب أبو القنبلة النووية الباكستانية عبد العظيم خان إلا مقدمة لوضع رقابة على البرنامج الباكستاني.

ونتيجة هذا الوضع الجديد فقد انفتح الباب إمام "اسرائيل" لإقامة علاقات ودية مع باكستان، وهو ما حصل في اسطنبول مؤخرا بوساطة تركية. وقد جاءت هذه العلاقة بعد أن كانت "اسرائيل" تخطط لقصف المفاعل النووي الباكستاني بمعونة هندية قبل أن تعلن باكستان عن تفجير أول قنبلة نووية وجاءت الخطوة "الاسرائيلية" مع باكستان، بعد أن دخلت إلى الهند من خلال علاقات تجارية عسكرية وخاصة قطع الغيار للطائرات الهندية وتطوير نظمها فنيا، وجاءت بعد علاقات مماثلة مع الصين وتايوان واليابان وكوريا الجنوبية وتشكل الحركة "الاسرائيلية" في آسيا خطوة خبيثة لاختراق البلدان الإسلامية وتطوير أية حركة جهادية تعمل ضد الولايات المتحدة أو ضد "اسرائيل".

كانت السياسة الأمريكية في السباق تقضي بإقامة أحلاف إقليمية لكي تقف جاهزا أو سداً أمام أي زحف سوفيتي باتجاه الجنوب، واليوم فأن الولايات المتحدة عادت إلى الأسلوب الاستعماري القديم الذي يقوم على العدوان والاحتلال وإقامة القواعد العسكرية الثابتة فوق الأرض كما هو الحال في العراق والكويت والسعودية وقطر والبحرين، وقواعد إمداد للأساطيل الأمريكية والتي تجوب البحار والمحيطات.

ومن أجل تحقيق السيطرة على العالم قامت بالعدوان على أفغانستان والعراق والصومال، وتتدخل سياسياً وعسكرياً حيثما اقتضت ضرورات الأمن القومي الأمريكي، كما هو الحال في السودان وليبيا ولبنان وسوريا وايران.

إن التسلل الأمريكي الكثيف في آسيا وتسلل "اسرائيل" السري والعلني في بلدان القارة هو لاحتواء أي بلد كبير مرشح لأن يأخذ دوراً في صياغة النظام العالمي المقبل، أي احتواء روسيا وتطويقها بدول معارضة لها وخلق مشكلات داخلية لها كما هو الحال في الشيشان وانغوشيا، وتطويق الصين والوقوف أمام أحلامها في استرجاع الجزر التي انفصلت عنها ممثل تايوان، وجعلها في حالة تأهب عسكري دائم، يحصل هذا في وقت تعطي الصين دورا إقليمياً ولاسيما في مجال أسلحة الدمار الشامل وخاصة التوسط في الملف النووي لكوريا الشمالية. كما تعطيها أفضلية في التبادل التجاري.

وإضافة إلى ما تقدم من غايات فإن الولايات تسعى لإيجاد فرص اقتصادية تعود بالفائدة على الأمريكيين وبالتالي يوافقون على سياسة التوسع والهيمنة في العالم، وأبرز هذه الفرص ضمان تدفع النفط من الخليج ومن بحر قزوين للحد من ارتفاع أسعاره في السوق العالمية، وكذلك تطويق الدول الساعية إلى امتلاك سلاح نووي ووقف برامجها في هذا الميدان.

إن التسلل "الاسرائيلي" في آسيا ما كان ليكون لولا العلاقات الثنائية التي أقامتها مع بعض الدول العربية سواء على مستوى التمثيل الدبلوماسي أو العلاقات التجارية ومن الواضح أن الأدوار بين الولايات المتحدة و"اسرائيل" أدوار تبادلية تخدم الطرفين وتخدم أهداف ومصالح كليهما على حساب القضايا العربية والإسلامية.