فدراليات العراق- سايكس - بيكو جديد..
د. حسن طوالبة/باحث وأكاديمي من الأردن
ما نشهده اليوم من صراع سياسي في العراق، هو بين القوى التي عارضت النظام السابق، وعاشت تحت خيمة طرفين الأول: إقليمي. والثاني دولي. إذ احتمت الأحزاب الشيعية (حزب الدعوة والثورة الإسلامية-وفيلق بدر) في ايران وقد استغلت تلك القوى الظروف الدولية والإقليمية لإسقاط النظام بمعونة مادية وفنية وإعلامية من النظام الايراني. وقد تشبعت هذه القوى بأفكار خميني في إقامة دولة إسلامية شيعية في الجنوب العراقي، تمهيدا لإقامة الدولة الشيعية الكبرى في المنطقة، أي أن تضم الكويت وشرق السعودية والبحرين وقطر. كما احتمت الأطراف الكردية بكل من بريطانيا والولايات المتحدة منذ عام 1991، كما احتمت من قبل بتلك القوى العظمى في عقد السبعينات من القرن الماضي. وباتت تلك الصلة معروفة للقاصي والداني، ولا يرتاب المسؤولون الأكراد من تلك العلاقة، ويدافعون عن الطرفين الدوليين في كل زمان وبكل السبل، ابتغاء نيل رضاهما، والسكوت عن مطامعهما.
وعندما قررت الولايات المتحدة احتلال العراق وإسقاط النظام الوطني فيه، ركب زعماء القوى السياسية على ظهور الدبابات الغازية حتى وصلوا إلى سدة الحكم في العراق بالشكل الذي نشهده الآن. ورغم كل ما جرى ويجري من إفقار العراق ونهب ثرواته المادية ونهب تراثه وحضارته فان الولايات المتحدة ما زالت تتشدق بالتجربة الديمقراطية في العراق، والتي من المؤمل أن تصبح أنموذجا في المنطقة كلها، يقتدي بها الآخرون.
نعم إن ما يجري في العراق نموذج بمقاسات صهيونية يهودية توراتية، لتقسيم العرب إلى أديان وقوميات وطوائف وإقامة كانتونات تسهل السيطرة عليها سياسيا واقتصاديا وفكريا. وإذا ما نجحت تجربة العراق -لا سمح الله- فإنها سوف تشع على ما حولها، وتثير شهية القوميات والطوائف والأديان في دول الجوار. وبدأنا نسمع نغمة الفدرالية الانفصالية مجددا في لبنان، من على الفضائيات اللبنانية. وقد نسمعها بصوت عال من آخرين في الأقطار العربية.
إن فكرة الفدرالية في الحكم ليست مرفوضة في إطار دولة مركزية، تريد أن تحكم حكماً لا مركزياً، بهدف تطوير الأداء وإنعاش الاقتصاد وتأمين الرفاه الاجتماعي. أما عندما تكون القلوب مليئة بالحقد على العرب أولاً فإن الفدرالية التي يطالبون فيها، ليست إلا بداية للانفصال لاحقاً، سواء تضمن الدستور الجديد "حق تقرير المصير" أم لا.. فالأكراد الذين يعيشون حكماً ذاتياً منذ أواسط سبعينات القرن الماضي، وانفصالاً كاملاً منذ عام 1991 استثمروا فرصة الغزو الأمريكي للعراق، ودفعوا بألوف الأكراد للسكن في كركوك، ليشكلوا الغالبية فيها، وقد تحقق لهم ما أرادوا، واليوم يطالبون بفدرالية كاملة وبصلاحيات مطلقة، خاصة استثمار عائدات نفط كركوك. وقد لا يعلنون الانفصال الكلي، في وضع ينالون فيه كل الامتيازات، فرئيس العراق كردي، ولهم دولة كاملة الصلاحيات والنفوذ (ثروات نفطية وسياحية وزراعية، وجيش وسلطات مستقرة). والقبول بمثل هذا الوضع هو لإرضاء الأمريكان وخوفاً من ردة فعل تركيا إذا ما أعلنوا الانفصال وإقامة دولة كردية. وعليه فإن الفدرالية المنتظرة هي إقامة دولة داخل الدولة المركزية المنزوعة الصلاحيات، التي تنتظر المعونة المادية من الفدراليات الأخرى.
أما مطالبة عبد العزيز الحكيم بفدرالية في الجنوب والفرات، فتعني السيطرة على نفط الرميلة ومجنون، وعلى المقدسات في النجف وكربلاء والسيطرة على المنفذ البحري الوحيد في العراق.
أما الوسط حيث الغالبية السنية فهم ما زالوا يتمسكون بوحدة العراق، انطلاقا من الإرث التاريخي والفكري والمعتقد القومي الوحدوي. ولكن عندما تقوم فدراليتان كردية وشيعية، فلا نستبعد مطالبة بعض غلاة السنة بفدرالية لهم في محافظات الوسط. وستكون أفقرها مادياً، وتنتظر الحسنات المالية من الفدراليتين الأخريين. وتكون بغداد عاصمة الفدراليات الثلاث لأن فيها من السكان الذين يمثلون القوميات والأديان والطوائف العائشة في العراق.
وإذا كان الصراع السياسي على أشده بين القوى المتنفذة في الحكم حالياً لإقرار هذه المطامح في الدستور الجديد، فلنا أن نتصور حال العراق بعد إقرار الفدراليات!
ولا نستبعد أن تصبح عواصم الأقاليم أكثر أهمية من بغداد، إذ تصبح البصرة عاصمة إقليم الشيعة السياسية وكربلاء العاصمة الدينية. وكذلك تكون اربيل العاصمة السياسية وكركوك المدينة التجارية. وبعد سنشهد الصراع السياسي والعسكري العدواني من ميليشيات الأكراد والشيعة ضد المعارضين.
فالأكراد سوف يقمعون العرب والتركمان والآشور في إقليمهم وسيفكرون بالزحف نحو الموصل تمهيداً لضمها إلى إقليم كردستان. أما ميليشيات الشيعة فسوف تصفي وجود السنة في مناطقها انطلاقاً من مخلفات الماضي وعقده، وهو ما يجري الآن من تصفية العلماء والضباط وأركان النظام السابق على أيدي "قوات بدر" وتحت علم الحكومة الحالية وسمعها، من دون أن تحرك ساكناً لردع الغلاة المنتقمين.
يحصل كل ذلك اليوم، ونتصور ما يحصل غداً، والأنظمة العربية ساكتة كأن الذي يجري في العراق بعيد عنها، ولن تحرق نار الفتنة الفدرالية ثياب هذه الأنظمة لاحقاً!!.