حرية أم تفريط؟!!
سوسن برغوتي *
بين التعري الجسدي والفكري، طفت على السطح مظاهر ملفتة للنظر،الغرض منها التحضير مجددا للغزو بعد ما بدى من استتباب نسبي للأمن بالوطن العربي. إنها محاولة لإعداد "الشرق الأوسط" للولوج المباشر في ما يدعى "بمشروع الشرق الأوسط الكبير" الاستعماري الهادف لتفتت الكيان والهوية العربية.
ليس هناك فارق كبير بين سيناريوهات المشروع الاستعماري التقليدي القديم، ومشروع الهيمنة الأمريكي الجديد إلا بالمظاهر الكرنفالية للأخير. إنه اختلاف في نوعية المساحيق، وطريقة العرض. إن التركيز هنا على شعارات التمدين والتحديث والديمقراطية وحقوق المرأة، وهي شعارات يراد منها أن تجعل منا ساديين مطوقين بمجموعة من عقد الذنب. وتحاول أجهزة التعبئة الإعلامية الاستعمارية أن تجعلنا نستعيض، بديلا عن جملة حقوقنا الأساسية بمظاهر زائفة تضع من خلالها ستارا شفافا عن نواياها العدوانية المبيتة، مستخدمة في ذلك استثارة الغرائز، ولأن الثراث والمعتقدات الدينية عناصر مقاومة وممانعة أمام هجمات الهيمنة، يجري عن عمد تشويهها والتطاول عليها، لكي يسهل على الغازي التسلل للأرض بعد أن يتمكن من تهشيم المقاومات الحضارية والدينية والوطنية.
وهكذا فتحت ذريعة حرية الرأي، المسنودة بالدبابات والراجمات الأمريكية، تنبري بعض الأقلام للتطاول على الثوابت الدينية والمواريث الأخلاقية، مخترقة الخطوط الحمراء في السب العلني للخالق عز وجل، والتطاول على النصوص القرآنية الكريمة، أو إلقاءه في مرحاض راهب أمريكي،وإن اعتذر بعدها،ولكنه يعني ما يحمله الراهب من أخلاقيات لا تجعله مؤهلا للقيام على خدمة بيت من بيوت الله، بل مدفوعا بحقد جائر لا عدل به.
وبالتزامن مع هذه الحملة الصليبية، يتجه بعض أبناء جلدتنا ركضا نحو إيجاد التبريرات لهذه الأنواع من السلوكيات، متعللين بالحرية الشخصية السائدة في الغرب، وبأن تلك تصرفات فردية لا يمكن اعتبار الحكومات الغربية مسؤولة عنها. وبدلا من التوقف مليا، ومراجعة هذه الظواهر العدائية المستفحلة بالغرب تجاه العرب والمسلمين، ترتفع بين نخبنا دعوات الصلح والتطبيع مع الكيان الصهيوني.
وكهذا تبدو المعادلة واضحة وجلية.. فكلما ضعفت مقاوماتنا وتقهقرت مناعتنا الوطنية والدينية، وتراجع التزامنا بالثوابت، كلما أصبح الاختراق، بكافة أشكاله، ممكنا وسهلا.
حرية الرأي التي ننشدها، والتي نحن بحاجة ماسة لها، هي التي تطلق إبداعاتنا، وتجعلنا نساهم بفاعلية في النهوض الحقيقي بمجتمعاتنا، وهي لن تكون كذلك حين يغيب الضمير والشعور بالمسؤولية. والحرية الحقيقية لا يمكن أن تحقق في ظل غياب حرية الوطن. إن الوطن الحر هو وحده الذي يتيح للطاقات الخلاقة أن تنطلق من داخله، وهو وحده الذي يكون فيه الإنسان حرا ومعطاء. ولأن التطبيع هو خدش كبير في حرية الوطن، فإن إيماننا غير المحدود بمبدأ الحرية يجعلنا نقف بحسم تجاه مختلف أوجه عمليات التطبيع مع الكيان الصهيوني، لأنها من دون شك تنتقص من حرية أوطاننا. لا يمكن فصل مفهوم الحرية عن الثوابت والحقوق.
كيف على سبيل المثال، تستقيم الحرية في أولوياتها مع حرمان الفلسطينيين بالشتات من حق العودة إلى ديارهم.. وهي حقوق كفلتها مبادئ الشرعية الدولية وميثاق هيئة الأمم المتحدة، وشريعة الأرض والسماء.
ما لم يعاد للثوابت الوطنية والقومية، ولمواريثنا العظيمة التي شكلت لقرون طويلة مقاومات حقيقية في وجه الهيمنة والاحتلال، فلن يكون هناك متسع لقيام مجتمع حر، وستبقى الأبواب مشرعة لمزيد من التفريط والتسليم بالحقوق والأوطان.
* محررة موقع مبدعون عرب
http://www.arabiancreativity.com