المعارضة (المعولمة) والخضوع للاستعمار

سميرة رجب/البحرين

منذ ما يزيد على خمسة عشر عاماً والأمة العربية تتعرض لنوع غير مسبوق من الكوارث السياسية والأزمات الوطنية من خلال ظاهرة ما يدعى بالمعارضات العربية (المعولمة) التي استُنبتت في الخارج ونُقلت لتغرس في الأقطار العربية لأداء أدوار شعوبية بالتحالف مع المخابرات الأجنبية التابعة للاستعمار القديم والجديد..

تلك التحالفات والعلاقات المشبوهة التي انتقلت من العمل السري إلى العلني عبر قنوات وغطاءات مؤسسية مختلفة. والمضحك المبكي في هذه الظاهرة الخطيرة هي أن هذه المعارضات (المعولمة) تقوم بهذا الأداء المشبوه تحت شعار المطالبة بالديمقراطية!. والإصلاح الوطني!!، بينما هي مدعومة بالدول الاستعمارية العريقة التي لطالما حاربتها شعوب المنطقة لاستبدادها، والتي لا زالت مخابراتها ومؤسساتها السرية متغلغلة في أجهزة دولنا العربية لتأمين استمرار سيادتها وسياساتها المستمرة في إضعاف هذه الدول لكي لا تقوم لها قائمة وتبقى رازحة تحت الهيمنة الاستعمارية.

وبدعوى (الديمقراطية) أعطى هؤلاء لأنفسهم الحق الكامل بالاتصال بالسفارات الأجنبية تارة، وعرض الشكوى والمظلومية في البرلمانات الأجنبية، والاستقواء بشخصياتها (الحريصة) على مصالح الشعب العربي (المسكين) تارة أخرى، مع استمرار ارتباط تلك "المعارضات" بالعمل مع المؤسسات الأجنبية المشبوهة (المعهد الوطني الديمقراطي) مثالاً، المنتشرة على أرضنا العربية بدعوى تقديم (الدعم والعون) لإيصالنا إلى بر "الديمقراطية" و(أمانها السحري) الذي سيُصلِح كل مشاكلنا ويحوّل مجتمعاتنا إلى جنات عدن تسرق الألباب بكل أنواع الفوضى.. (والعراق خير شاهد على قولنا هذا).

ويصف الدكتور طيب تيزيني هذا الوضع المتردي الذي وصل إليه الحال السياسي العربي على أنه "التدفق العولمي الأمريكي الصهيوني صوب الوطن العربي بغاية تفكيكه وإخراجه من التاريخ عبر إلحاقه بما يسمّى راهناً الشرق الأوسط الجديد، أو الشرق الأوسط الجديد المعدّل. ويتم ذلك عبر وضع هذا الوطن على حدّ السيف: فإما أن يخضع للإملاءات الأمريكية في تحقيق الإصلاح المعني - ويمثل ذلك كلمة حق يراد بها باطل-، وإما عليه أن يتحمل مسؤولية رفضه: الحصار أو الغزو" (المستقبل العربي 8/2005 ص 84).

هذا الخضوع الذي يصفه الدكتور التزيني هو بالضبط ما قدمته، المدعوة بالمعارضة البحرينية (المعولمة) يوم الخميس 25 أغسطس (آب) 2005، في عرض مشاكل البحرين الوطنية أمام اللورد ايفري، عضو مجلس اللوردات البريطاني، في إحدى المباني القديمة والمعزولة في زاوية نائية من حي مجلس اللوردات والبرلمان البريطاني (العتيد) في لندن، بحضور جمهور لا يزيد على عشرين شخصاً من البحرينيين المقيمين في المملكة المتحدة وبعض الإعلاميين الأجانب، حيث لا تشكل هذه القضية لبريطانيا العظمى أو أي دولة غربية، سوى عرض إعلامي يُستخدم في الوقت والظرف المناسب لتحقيق مصالح معينة، لا أكثر ولا أقل، والتاريخ القديم والحديث والراهن لسلوك واستراتيجيات المستعمر، الذي لا زالت شمسه مشرقة لا تغيب، يثبت هذه الحقيقة..

في تقارير بها الكثير من المبالغات والسوداوية والتصعيد عرضت "المعارضة" البحرينية مشاكل الوطن هناك بدعوى اللجوء للقوى العظمى من أجل ممارسة الضغوط اللازمة للحصول على مطالبها.. وكما في ندواتهم وحواراتهم كان ذلك الأداء لا يصب في حل المشاكل بقدر ما يؤدي إلى تصعيد التوتر وقطع خيوط الثقة، وإلى المزيد من الاختناقات السياسية التي كلما تم تسليك أحدها برز آخر من دون الالتفات لما تسببه تلك الاختناقات من زيادة في معاناة قطاعات مختلفة من المجتمع، وهو سلوك يراد منه إبقاء الوضع على ما هو عليه، أي بلا حل.. وفي ذات الوقت يدل هذا السلوك على أن أطرافا في هذه المعارضة (المعولمة) تخفي أهدافا غير معلنة.. فيا ترى ما هي الأهداف غير المعلنة لهذه المعارضة إن لم تكن هدفها تحقيق مطالب المجتمع والوصول إلى نتائج يرضى عنها جميع الأطراف، للتخفيف من تلك الأزمات والاختناقات السياسية المتتالية التي تعوق العمل التنموي في البحرين.. وإلى متى سيستمر هذا التلاعب في عقول الناس بهذا الأداء السلبي، الذي لا يمت للعمل السياسي والوطني بصلة، ولا يضيف للمجتمع سوى مفاهيم خاطئة في شأن علاقة المواطن بالوطن.

وبالتالي هناك تساؤلات حول أسباب لجوء هذه الجماعات للقوى الاستعمارية ومنظماتها (حقوق الإنسان، والعفو الدولية.. وملحقاتها) لحل مشاكلها.. فهل حقيقة لدى هذه الدول أو منظماتها نوايا حقيقية لحل مشاكل الشعب البحريني بالضغط على القيادة السياسية بدعوى "الديمقراطية"؟.. وهل هناك من يصدق أن هذه الدول تدافع عن الديمقراطية في المنطقة العربية أم في أي مكان آخر؟، أم أنها ستقف بجانب الشعب البحريني أو العربي بدافع العطف والإنسانية وطلب الغفران عن ذنوبها التي لا تغتفر؟..

وأخيراً هل هذه الجماعات (المعولمة) هي على هذا القدر من القصور الفكري في تمييز هذه الحقائق التاريخية، أم أن ولاءاتها الخارجية والشعوبية والطائفية أقوى من انتمائها للوطن فيسهل عليهم التلاعب به وبمصالحه!!؟..

خلال عقد ونصف من الزمان تعرضت مجتمعاتنا إلى غزو ثقافي منظم واليوم، مع بداية القرن الواحد والعشرين، بدأنا نحصد آثاره الكارثية.. أطلقوا علينا ثقافات غريبة، ومفاهيم شاذة ومناقضة لكل المفاهيم السوية في العالم.. تم تمويه مفهوم الوطنية والمواطنة كما ضاعت معايير المعارضة ومفهوم الإصلاح.. وزاد التماهي بين الخيانة والوطنية، وأصبح الطائفيون والشعوبيون "وطنيون" وحاملون لراية "الديمقراطية" وأشد المطالبين بها تطرفاً، ويُعاب على من يقف مع الوطن والدولة والسيادة الوطنية بالوقوف مع السلطة بينما اللجوء للأجنبي والوقوف مع المستعمر يعد بطولة ووطنية!!.. هذا هو زمن الاستعمار الأنغلو- أمريكي-الصهيوني..