..ماذا ينتظرون؟
السيد زهره/البحرين
حين يقول السفير الأمريكي في العراق زلماي خليل زاد إن مسودة الدستور العراقي هي "الوثيقة الأكثر تقدما في العالم الإسلامي"، فهو يعني ما يقول. بعبارة أدق، ما يريد أن يقوله هو أن ما تنص عليه هذه المسودة من تقسيم للعراق وإضاعة لهويته وتأجيج الصراعات الطائفية هو الوضع (المثالي) الذي تريده أمريكا في كل الدول العربية والإسلامية.
وما قاله السفير الأمريكي هو توضيح إضافي لأبعاد المؤامرة الأمريكية التي تستهدف العراق وكل الدول العربية. والمرء يستغرب حقاً، ماذا تنتظر الدول العربية بالضبط كي تتخذ موقفاً حازماً مما يجري في العراق وما يراد له؟. ماذا تنتظر بعد أن أصبحت المؤامرة سافرة هكذا؟. إن الوضع في العراق اليوم، إن كان الأمر مازال بحاجة إلى توضيح بالنسبة للدول العربية، يتلخص فيما يلي:
1 - بالإصرار على مسودة الدستور كما هي، أصبحت مؤامرة الاحتلال والقوى التابعة له، واضحة وضوح الشمس على نحو ما ذكرنا في مقالنا السابق، أصبح واضحا أن الاحتلال وأتباعه مصممون على تقسيم العراق، ومحاولة محو هويته العربية، أي القضاء على العراق نهائياً كوطن واحد لشعب واحد.
2 - أنه لو قدر لهذا المخطط أن يتم تنفيذه فعلا، فلسوف يكون لهذا تأثيراته المدمرة على منطقة الخليج وكل الوطن العربي. ستكون هذه بداية لحقبة من جحيم الصراعات الطائفية وتصاعد الدعوات لتمزيق الأوطان ومحو هويتها العربية.
3 - أنه إن كان هناك من قوة قادرة على هزيمة هذا المخطط، فهي المقاومة العراقية. أي كل القوى المقاومة سواء سنية أو شيعية، التي ترفض هذا المخطط وتكافح من أجل تحرير العراق، وتصر على وحدته وانتمائه إلى أمته العربية.
هذا هو الوضع الذي تواجهه الدول والحكومات العربية بوضوح تام، ولم يعد هناك مجال لأي دولة أو حكومة عربية للزعم بأن الوضع يختلف عن هذا في شيء. بعبارة أخرى، لو صمتت الدول العربية عن مخطط ضياع العراق على النحو الذي يريده الاحتلال وأتباعه، فإنها ستكون في نفس الوقت قد أفسحت المجال لضياع دول عربية أخرى، بل وسقوط نظم عربية أخرى وفق ما تخطط له أمريكا. أي إن التصدي العربي لهذا المخطط في العراق والعمل بكل السبل لإفشاله، ليس دفاعاً عن العراق وحده، وليس حفاظاً على بلد عربي والحيلولة دون ضياعه وحسب، وإنما هو بنفس القدر دفاع عن كل الدول العربية، بل وعن نظم الحكم العربية نفسها، فماذا تنتظر الدول والحكومات العربية بالضبط؟.
إن أردنا حصر ردود الفعل العربية إزاء الجريمة التي يرتكبونها في العراق، فهي لا تخرج عن التالي:
الجامعة العربية، على لسان أمينها العام عمرو موسى، اعتبرت أن ما جاء في مسودة الدستور هو تطور خطير.. البعض اعتبر أن موضوع الدستور العراقي هو برمته "شأن داخلي عراقي".. البعض أعرب عن الأمل في الحفاظ على وحدة العراق وهويته العربية.. والغالبية الساحقة من الدول العربية لاذت بالصمت التام، وكأن الموضوع برمته لا يعنيها في شيء، كما نرى، فإن مواقف الدول والحكومات العربية في مجملها، تتلخص في الهروب من اتخاذ أي موقف عملي أو عمل أي شيء. فالقول بأن ما يجري في العراق ويراد له "شأن داخلي" أو الصمت التام عنه هو تواطؤ مع الاحتلال وأتباعه في مخططهم.. والاكتفاء بالقول بأن ما يجري خطير أو الإعراب عن الأمل في الحفاظ على العراق وهويته، هو موقف لا قيمة عملية له في حد ذاته، ولا وزن له أو تأثيراً.
الدول والحكومات العربية مدعوة اليوم لإعلان موقف جماعي حاسم لا لبس فيه بأن هذا الذي يراد للعراق من تمزيق وضياع هوية، هو مرفوض عربياً، وأن الدول العربية عازمة على التصدي له والحيلولة دونه بكل السبل.
والدول والحكومات العربية مدعوة لإعلان موقف جماعي صريح بالمطالبة برحيل الاحتلال، وباعتبار كل ما فعله في العراق، بما في ذلك مخطط مسودة الدستور هذه، لا شرعية له بحسب القانون والمواثيق الدولية.
والدول والحكومات العربية مدعوة لإعلان دعمها الصريح للقوى المقاومة للاحتلال في العراق، باعتبارها ممثلاً شرعياً للتحدث باسم شعب العراق.
أمور مثل هذه هي أبسط ما ينبغي أن تفعله الدول والحكومات العربية، والأمر باختصار إن القادة العرب اليوم هم إزاء اختيار حاسم: إما رفض مخطط إضاعة العراق كوطن وهوية عربية، والتصدي له، وإما انتظار الضياع لأوطان ونظم عربية أخرى وصراعات دموية، الله وحد يعلم إلى أين ستقودنا.. فماذا ينتظرون إذن؟!.