المؤامرة سافرة

السيد زهره/البحرين

لماذا كل هذا الإصرار على تقديم مسودة للدستور العراقي تمزق العراق إلى دويلات وتمحو هويته العربية؟.. لماذا لجأ الرئيس الأمريكي بوش بشكل سافر إلى تهديد السنة في العراق وتخييرهم بين الموافقة على مشروع الدستور أو مواجهة العنف ضدهم؟. ماذا وراء هذه التصريحات التي دأب بعض ممثلي القوى العراقية التي تصر على مسودة الدستور على الإدلاء بها في الأيام الماضية والتي تتلخص في أننا سنقدم المسودة سواء قبل بها السنة أم رفضوا؟.. وهو ما حدث بالفعل.

الذي يريد أن يعرف إجابة عن مثل هذه التساؤلات ما عليه إلا أن يقرأ بعضا مما نشرته الصحافة الأمريكية في الأيام الماضية عن موضوع الدستور ومستقبل العراق. وهذه نماذج منها: (جون يو)، يتم التعريف به في الصحف الأمريكية على أنه أستاذ قانون.. هو من غلاة المؤيدين لإدارة بوش وأشدهم كراهية في كتاباته للعرب والمسلمين. وهو الذي كتب مثلا لوزارة العدل الأمريكية المذكرات التي أجازت التعذيب في سجن أبو غريب.

(جون يو) هذا كتب مقالا نشرته صحيفة (لوس أنجلوس تايمز) الأمريكية في 25 أغسطس/آب الحالي. تأمل ماذا قال: قال إن أمريكا وحلفاءها ينبغي أن يتخلوا نهائيا عن الإصرار المعلن على إقامة "دولة عراقية حديثة"، وذلك أن العراق في رأيه لم يعد دولة أصلا، وأنه من العبث الحديث عن الحفاظ على وحدة دولة لا وجود لها!!ّ. ويعتبر هذا الكاتب الأمريكي أنه لم يعد هناك مفر من تقسيم العراق إلى دويلات ثلاث، وان هذا هو أفضل حل يضمن مصالح أمريكا، فالتقسيم في رأيه سوف يقود إلى حصار المقاومة العراقية السنية ويجعل قضيتها بلا معنى، والتقسيم في رأيه سوف يضمن مصالح أمريكا الاقتصادية والتجارية، بل إنه يذهب إلى أبعد من هذا، فيقول "إن أمريكا لم يتم بناؤها إلا عبر حرب أهلية"!!. أي أنه حتى لو قاد تقسيم العراق إلى اندلاع حرب أهلية، فإن هذا أيضا مصلحة أمريكية.

(ديفيد بروكس) كاتب أمريكي هو أيضا من غلاة المدافعين عن إدارة بوش ومشاريعها الاستعمارية، كتب مقالا نشرته صحيفة (نيويورك تايمز) الأمريكية في نفس يوم نشر المقال السابق. في مقاله يردد نفس الأفكار بالضبط. ويقول هو الآخر إن "العراق لا وجود له أصلا". ويضيف إلى ذلك القول إنه "ليست هناك هوية عراقية" من الأساس. كما يضيف انه ليست هناك أي مشكلة بالنسبة إلى أمريكا في قيام دولة دينية شيعية في العراق. مثل هذه الآراء التي تطالب بتقسيم العراق ومحو هويته ليست جديدة في الكتابات والتصورات الاستراتيجية الأمريكية، هي مطروحة في أمريكا منذ ما قبل غزو واحتلال العراق بفترة طويلة، لكن طرحها اليوم من كتاب مقربين من إدارة بوش ومحسوبين عليها له مغزى واضح.

لقد ظل بوش وأركان إدارته يعلنون منذ احتلال العراق أن هدفهم هو "إقامة عراق ديمقراطي موحد"!!. كان هذا هو الخطاب المعلن على الأقل.. لكن ما تضمنته مسودة مشروع الدستور المطروحة، وما طرحته مثل هذه الكتابات من آراء يعني أن النوايا الأمريكية الحقيقية في العراق أصبحت سافرة بلا مواربة، وأن الاحتلال قرر المضي قدما في مخطط تقسيم العراق ومحو هويته.

إذن، ما الذي تكشفه مسودة الدستور، وهذا الذي يكتبونه في الصحافة الأمريكية بالنسبة إلى النوايا الأمريكية في العراق؟ هذا السؤال طرحه بالنص (توم هايدن)، وهو سناتور أمريكي سابق، في مقال كتبه منذ يومين. وإجابته عن السؤال كانت على النحو التالي: قال: "يعني هذا أن الهدف الرئيسي الحقيقي لأمريكا هو تدمير الهوية الوطنية للعراق، يعني أن الذي تسعى إليه أمريكا حقا هو القضاء على أي إمكانية في أن يصبح العراق مستقبلا بلدا قويا يسيطر على مقدراته وموارده". وقال السناتور الأمريكي أيضا، "يعني هذا أن الذي تريده أمريكا هو أن تشعل حربا ضد السنة وضد أي قوى مقاومة أخرى، وليس التوصل إلى تسوية سلمية في العراق". ويقول السناتور السابق "إن أمريكا اختارت أن تتحالف في العراق مع قوى دينية متطرفة بدلا من حكومة مركزية قوية مع أنها تعلم أن هذه القوى لا علاقة لها بالديمقراطية". ويقول "إن الحرية للمستثمرين الأمريكيين لا يمكن لها أن تنتظر، ولكن حريات العراقيين مثل حريات المرأة، لم تعد بالنسبة إلى أمريكا أمرا ضروريا. السناتور الأمريكي السابق يعتبر أن هذه الاستراتيجية الأمريكية في العراق ستكون لها تأثيراتها المدمرة على المصالح الأمريكية وستشعل الكراهية والعنف ضدها". ويقول "إن تقسيم العراق سيكون له تبعاته الإقليمية المدمرة وسيقود إلى تشكيل تحالف شيعي في المنطقة من طهران إلى البصرة".

الذي يعنينا نحن في الوطن العربي هو أنه كما نرى، المؤامرة.. مؤامرة القضاء على العراق وتقسيمه ومحاولة محو هويته، أصبحت سافرة بلا تردد. لم تعد مطروحة نظريا فقط، ولكن ها هي تدخل حيز التنفيذ العملي.. ومشروع الدستور ليس سوى خطوة واحدة، إن تمكنوا من فرضه، فليس ينتظر العراق والمنطقة إلا الجحيم. ترى، ماذا ينتظر العرب بعد هذا؟!!!