أحزاننا على (جسر الأئمة)
السيد زهره/البحرين
فاجعة الضحايا الذين سقطوا بالأمس شهداء أو جرحى على جسر الأئمة في بغداد، ليست فاجعة للشيعة في العراق وحدهم، وليست فاجعة لكل شعب العراق وحده، وإنما هي فاجعة لنا جميعا في كل الوطن العربي. لا يمكن لأي عربي أو مسلم، إلا وأن ينفطر قلبه حزنا وألما لهذا المصاب الجلل بسقوط كل هذا العدد من الشهداء وهم في طريقهم للمشاركة في مناسبة دينية.
(جسر الأئمة) في بغداد لم يكن يوما مجرد جسر عبور. كان دوما رمزا للوحدة.. وحدة شعب ووطن.. جسرا.. يربط ما بين مرقدين لإمامين من أكبر أئمة المسلمين.. الإمام موسى الكاظم، والإمام أبوحنيفة النعمان. حين زرت بغداد منذ سنوات طويلة اهتزت مشاعري عند مرقدي الإمامين وكتبت يومها: «في حضرة الإمام الكاظم لا يملك المرء إلا أن يفكر: هنا يرقد إمام عانى طويلا من الظلم والملاحقة كما حال كل الأئمة. ورغم طول السجن والإقامة الجبرية عاش أحلم الناس وأكظمهم للغيظ.. هنا يرقد إمام، رغم كل محاولات الحيلولة بينه وبين الناس حين استشهد خرجت بغداد كلها لتشييعه، حتى أن معاصرا له كتب "خرج البر والفاجر والصالح والطالح لتشييعه".. وفي حضرة الإمام أبي حنيفة يغرق المرء في التأمل والتفكير.. هنا يرقد شهيد من شهداء حرية الرأي والموقف.. رحمة الله عليك يا إمام.. كنت سنياً محبا لآل البيت.. كنت علويا بلا تشيع.. كنت مع الحق.. والحق فوق السنة والشيعة معاً.. وحين استشهد الإمام أبو حنيفة خرجت بغداد كلها أيضا في وداعه.... بغداد التي خرجت كلها لتشييع الإمام موسى الكاظم، وخرجت كلها أيضا لتشييع الإمام أبي حنيفة، هي نفسها التي يوحدها الحزن والألم اليوم وهي تودع أبناءها الشهداء على (جسر الأئمة(. ليس غريبا أن تهرع الأعظمية السنية إلى إغاثة الجرحى ومحاولة إنقاذ الضحايا. وليس غريبا أن تنطلق الدعوات من المنظمات السنية للتبرع بالدم. وليس غريبا أن يخرج أهالي الفلوجة بالمئات كي يتبرعوا بدمائهم من أجل جرحى (جسر الأئمة).. ليس هذا غريبا، فهؤلاء الضحايا هم ضحاياهم، والجرحى هم أهلهم.
و(جسر الأئمة) سيظل دوما رمزا لشعب واحد، مهما تعددت طوائفه، آلامه وأحزانه واحدة.. روحه واحدة. ما من قوة في العالم تستطيع أن تشطر روحا واحدة إلى نصفين، لا الاحتلال الأمريكي ولا غيره.. ما من قوة في العالم تستطيع أن تنسف (جسر الأئمة)، أو تفصل بين إمامين شهيدين وأتباعهما. نعم.. هناك محاولات مستميتة لشق صف الشعب العراقي وتمزيق وطنه. لكنها لن تنجح.. لا يمكن لها أن تنجح.. كل هذه المحاولات سوف تتحطم على جسر الوحدة الواصل بين الإمام الكاظم والإمام أبي حنيفة.. الواصل بين الأعظمية والكاظمية.. سوف تتحطم على صخرة التاريخ الواحد، والحضارة الواحدة التي بناها شعب العراق.. سوف تتحطم على صخرة الروح الواحدة لشعب العراق. إننا إذ نعزي أنفسنا، قبل أن نعزي كل أهلنا في العراق الحبيب، وإذ ندعو الله أن يلهم أهالي الشهداء الصبر على مصابهم الأليم، فإن إيماننا راسخ لن يتزعزع أبدا.. إيماننا بأن الله سوف يحفظ العراق لأهله ولنا جميعا..